"يا بابا... الحقني حكايات ميراا
المحتويات
ألبوم صور ورسائل قديمة.
وقالت
كريم مكانش كده وهو صغير... كان طفل طيب جدًا.
قلبت مريم الصور.
كان طفلًا يضحك ويحمل قطة صغيرة، وصورة أخرى وهو يفوز بمسابقة مدرسية.
قالت زينب وهي تبكي
بعد وفاة والده، أمه بدأت تزرع فيه إن القوة معناها السيطرة، وإن أي حد يعارضه يبقى عدو. كل مرة كان يغلط، كانت تبرر له، وكل مرة كان يظلم حد، كانت تقول له أنت أهم من الكل.
أغلقت مريم الألبوم وقالت
ده يفسر... لكنه ما يبررش.
هزت زينب رأسها.
معاكي حق.
ثم ناولتها خطابًا.
ده آخر جواب كتبه كريم قبل وفاته، وطلب مني أوصلهولك.
فتحت مريم الخطاب.
كان مكتوبًا بخط مهتز
أنا عارف إني خسرت حق الاعتذار من زمان. مش بطلب منك تسامحيني، لكن أتمنى إن ابننا ميكبرش شايل كراهية في قلبه، لأن الكراهية هي اللي دمرتني.
طوت مريم الرسالة بهدوء.
وقالت
أنا مش هربي ابني على الكراهية... لكن هربيه على العدل.
خرجت زينب وهي تشعر براحة لأول مرة منذ سنوات.
وفي المساء...
جلس اللواء حسن مع حفيده في الحديقة.
سأله الطفل
يا جدو... يعني البطل هو اللي بيكسب في الآخر؟
ابتسم حسن وقال
لا يا حبيبي... البطل هو اللي يفضل إنسان، حتى بعد ما الدنيا تؤذيه.
ابتسم الطفل، وأخذ يجري بين الأشجار.
أما مريم، فنظرت إلى السماء وهمست
الحمد لله... أخيرًا انتهت الحكاية.
تمت بعد عدة أشهر...
ظنت مريم أن حياتها أصبحت هادئة أخيرًا.
لكن في صباح يوم جمعة...
وصل إلى مركز بداية جديدة ظرف أبيض، مكتوب عليه بخط اليد
يُسلم إلى السيدة مريم المنشاوي فقط.
فتحت الظرف بحذر.
وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا، وبطاقة مكتوبًا عليها
خزينة رقم 317... البنك الأهلي. من حقك تعرفي الحقيقة كلها.
نظرت إلى والدها حسن باستغراب.
قال بهدوء
روحي... يمكن دي آخر صفحة.
...
في اليوم التالي...
دخلت مريم البنك، وبعد إنهاء الإجراءات، فتح الموظف الخزينة.
لم يكن بداخلها ذهب ولا أموال.
كان هناك صندوق خشبي صغير، وداخله فلاشة، وعدة عقود، ورسالة.
شغلت الفلاشة.
ظهر والد كريم في تسجيل قديم.
كان يبدو مريضًا جدًا.
وقال
إذا وصل التسجيل ده لمريم... يبقى أنا خلاص مشيت من الدنيا.
توقفت للحظة، ثم أكمل
أنا عرفت إن ابني ظلمك، لكن في حاجة محدش يعرفها... أنا كنت براقب تصرفاته من سنين، وجمعت كل الأدلة على أي جريمة ارتكبها، عشان لو خرج عن السيطرة، ميقدرش يهرب.
ثم رفع ملفًا أمام الكاميرا.
كل المستندات دي سلمتها للجهات المختصة قبل وفاتي... لكن نسخة منها من حقك، عشان تعرفي إن حقك رجع.
أغلقت مريم التسجيل، وشعرت لأول مرة أن كل الأسرار انتهت.
وفي طريق العودة...
قال لها حسن
دلوقتي خلاص؟
ابتسمت وقالت
آه يا بابا... دلوقتي فعلًا مفيش حاجة تربطني بالماضي.
...
بعد خمس سنوات...
وقف حفيد حسن على منصة التخرج، يتسلم شهادته وسط تصفيق الجميع.
التفت إلى أمه وقال
النجاح ده ليكي يا أمي... لأنك علمتيني إن الإنسان ممكن يقع، لكن لازم يقوم.
احتضنته مريم، بينما وقف حسن يصفق ودموع الفرح في عينيه.
وفي المساء، جلس الثلاثة على شرفة المنزل.
نظر حسن إلى السماء وقال
أجمل انتصار... إننا عشنا بعد الألم، من غير ما نبقى نسخة من اللي ظلمونا.
أومأت مريم برأسها.
وأغلقت ألبوم الصور القديم الذي احتفظت به طوال السنوات.
لم تعد بحاجة إليه.
فالحياة الجديدة... أصبحت أجمل من أي ذكرى.
تمت بحمد الله بعد عشر سنوات...
أصبح مركز بداية جديدة من أكبر المراكز التي تقدم الدعم القانوني والنفسي للسيدات.
كانت مريم تجلس في مكتبها، عندما دخلت السكرتيرة وقالت
أستاذة مريم... في شاب بره، بيقول إن مقابلتك هتغير حياتك.
استغربت، وطلبت منه يدخل.
دخل شاب في أواخر العشرينات، أنيق المظهر، لكنه كان متوترًا.
قال
أنا اسمي يوسف... وكنت شريكًا سابقًا في شركة كريم السيوفي.
ساد الصمت.
أكمل يوسف
أنا جيت مش عشان الفلوس... أنا جيت عشان ضميري.
فتح حقيبته، وأخرج ملفًا قديمًا.
قال
بعد القبض على كريم، اكتشفت إنه كان بيحول جزءًا من أرباح الشركة لحسابات بأسماء موظفين من غير علمهم. ناس كتير اتحبست ظلم، وأنا كنت ساكت.
نظرت إليه مريم وقالت
وليه جيت دلوقتي؟
خفض رأسه.
لأن واحد من الموظفين مات وهو بيحاول يثبت براءته... وأنا مقدرتش أنام من يومها.
حملت مريم الملف.
ثم قالت
إذا كان كلامك صحيح... يبقى لازم الحق يرجع لأصحابه.
...
بدأت التحقيقات من جديد.
وبعد أشهر، أُعيدت حقوق عدد من الموظفين الذين ثبت أنهم كانوا ضحايا، وتم تعويض أسرهم.
وفي مؤتمر صحفي، سأل أحد الصحفيين مريم
بعد كل اللي عشتيه... لسه مؤمنة إن العدالة بتنتصر؟
ابتسمت وقالت
العدالة ممكن تتأخر... لكنها ما بتموتش، طول ما في ناس مستعدة تقول الحقيقة.
وقف الحاضرون يصفقون.
وفي الصف الأول...
كان اللواء حسن يجلس وقد غزا الشيب شعره بالكامل.
نظر إليها بفخر، وقال في نفسه
الحمد لله... ربنا نجّاها عشان تكون سبب في نجاة غيرها.
وبينما كانت مريم تغادر القاعة، أمسك ابنها بيدها وقال
يلا يا أمي... عندنا ناس مستنيانا في المركز.
ابتسمت وهي تمسك بيده، وسارت إلى الأمام.
هذه المرة...
لم تكن تهرب من الماضي.
بل كانت تمشي بثقة نحو مستقبل صنعته بنفسها. النهاية الجزء الأخير
مرّت السنوات...
ورحل اللواء حسن المنشاوي بعد عمرٍ طويل، تاركًا خلفه سيرة طيبة، وقلوبًا لا تنسى مواقفه.
امتلأ المسجد يوم جنازته.
لم يحضرها ضباط الجيش والشرطة فقط، بل حضر أيضًا رجال ونساء لا يعرفهم أحد.
اقترب رجل مسن من مريم وقال
أبوك أنقذ ابني من ظلم من أكتر من عشرين سنة، ومحدش كان يعرف.
ثم جاءت سيدة أخرى وهي تبكي.
وأنا ساعدني لما كنت مطلقة ومعايا طفلين، ودفع مصاريف تعليمهم من غير ما يقول اسمه.
ظلت مريم تسمع الحكايات حتى أدركت أنها لم تكن تعرف سوى جزء صغير من حياة والدها.
وفي المساء...
فتحت صندوقًا خشبيًا كان يحتفظ به في غرفته.
وجدت بداخله
متابعة القراءة