دي حتى ما تعرفش تقرأ حكايات ميراا

لمحة نيوز

دي حتى ما تعرفش تقرأ المنيو!... لكن النادلة ردّت بفرنسية بطلاقة وأسكتت زعيم أخطر عائلة في مصر
دخل ياسين عبدالعزيز، الرجل الذي يخشاه الجميع في القاهرة، إلى مطعم لو شاتوه، فتجمّد المكان كله.
كل الأنظار اتجهت نحوه. لكن الفتاة التي كانت ترافقه ارتكبت أغبى غلطة في حياتها.
ضحكت وهي تشير إلى قائمة النبيذ وقالت بسخرية دي حتى ما تعرفش تقرأ المنيو يا ياسين... حاجة تكسف.
لم تكن تعرف أن هذه النادلة تخفي سرًا قادرًا على إسقاط إمبراطورية كاملة.
وحين تكلمت سلمى أخيرًا... لم تكتفِ بقراءة المنيو.
بل أسكتت الرجل الذي لم يجرؤ أحد على معارضته.
المطر في القاهرة لم يكن يغسل شيئًا... بل كان يجعل الشوارع أكثر كآبة.
أما داخل مطعم لو شاتوه، فلم يكن للطقس أي معنى.
كانت رائحة الأطعمة الفاخرة والكمأة تمتزج برائحة المال... والخوف.
وقفت سلمى ترتب أدوات المائدة على الطاولة رقم 4، بينما كانت أصابعها ترتجف قليلًا.
لم يكن السبب البرد.
بل الجوع.
لم تتناول وجبة حقيقية منذ يومين، وكانت تعيش على بقايا الخبز التي يتركها الشيف الفرنسي في آخر الليل.
بالنسبة لزبائن المطعم، لم تكن سلمى أكثر من نادلة ترتدي زيًا أسود ومريلة بيضاء... مجرد ظل يتحرك بين الطاولات.
همس مدير الصالة وهو يمر بجوارها
بصّي في المراية يا سلمى... الطاولة رقم 4 محجوزة لعائلة عبدالعزيز.
ما إن نطق الاسم حتى خيّم الصمت على المكان.
كل شخص في القاهرة يعرف عائلة عبدالعزيز.
لم يعودوا يسيطرون على الميناء أو شركات النقل فقط...
بل أصبح نفوذهم يمتد إلى كل مكان.
أما ياسين عبدالعزيز، أصغر أفراد العائلة وأكثرهم هيبة، فكان رجلًا يكفي أن يهمس حتى يرتجف الجميع.
اشتهر بشيئين...
صمته المخيف...
وعشقه للكمال.
قالت سلمى بهدوء
أنا جاهزة يا فندم.
وأخفضت رأسها.
فهذه كانت القاعدة الوحيدة التي تعلمتها.
لا تنظر في عيون الكبار...
حتى تظل حيًا.
في تمام الثامنة مساءً، فُتحت أبواب المطعم الثقيلة.
واختفى صوت الأحاديث تمامًا.
دخل ياسين أولًا.
كان أطول مما يبدو في الصور، يرتدي بدلة رمادية فاخرة، وساعة ثمنها يكفي لإطعام حيّ كامل.
وجهه جامد بلا أي تعبير.
وعيناه سوداوان... باردتان... لا تعرفان الرحمة.
خلفه سار حارسان ضخمان، ثم امرأة فائقة الجمال.
كانت ترتدي فستانًا أحمر يلفت كل الأنظار.
اسمها داليا، فتاة مجتمع تحلم بأن تصبح زوجة ياسين مهما كان الثمن.
قادهم مدير الصالة إلى الطاولة رقم 4...
وهي طاولة سلمى.
انتظرت نصف دقيقة، ثم اقتربت.
كان قلبها يخبط بقوة.
هي تحتاج هذه الوظيفة.
وتحتاج الإكرامية.
فإيجار شقتها متأخر ثلاثة أسابيع، وصاحب البيت هدّد بطردها قبل نهاية الأسبوع.
قالت بهدوء
مساء الخير... تحبوا مياه عادية ولا غازية؟
لم يرفع ياسين عينيه.
كان ينظر إلى ساعته فقط.
وأشار بيده بلا اهتمام.
أما داليا، فنظرت إلى سلمى باحتقار واضح.
من حذائها البسيط...
إلى ملابسها الباهتة.
بالنسبة لها، لم تكن سلمى إنسانة.
بل مجرد خادمة.
قالت بحدة
مياه غازية... وهاتي قائمة النبيذ الفاخر، مش القائمة العادية.
عادت سلمى بعد لحظات وهي تحمل القائمة الجلدية الثقيلة.
وضعتها أمام ياسين.
لكنه دفعها نحو داليا وقال
اقريها إنتِ... دماغي واجعاني.
ابتسمت داليا بثقة.
لكن ما إن فتحت القائمة حتى اختفت ابتسامتها.
فالقائمة كانت مكتوبة بالفرنسية القديمة، بخط يد معقد لا يستطيع قراءته إلا خبير.
قلبت الصفحات بتوتر.
ثم ضحكت لتخفي ارتباكها.
وقالت
كله فرنسي... خلاص نطلب أي نوع وخلاص.
رفع ياسين رأسه لأول مرة وقال ببرود
أنا عايز زجاجة بوردو 1982.
طلعيها.
ارتبكت داليا أكثر.
وأشارت إلى اسم عشوائي.
وفي أثناء صب المياه، وقعت عين سلمى على السطر الذي اختارته.
لم يكن بوردو أصلًا...
بل نوعًا رخيصًا من النبيذ.
همست سلمى دون قصد
في الحقيقة...
لكن داليا قاطعتها بسرعة، بعدما شعرت بالإحراج.
ثم انفجرت ضاحكة وقالت بصوت سمعه كل من في المطعم
اسألوها هي!
بصي عليها...
واقفة تبص في المنيو كأنها بتحل امتحان رياضيات.
دي أصلًا ما تعرفش تقرأ المنيو يا ياسين...
بقت المطاعم تشغّل أي حد وخلاص!
ساد الصمت.
وتوقفت الملاعق في الهواء.
ورفع ياسين رأسه للمرة الأولى...
ونظر إلى سلمى بتركيز.
تأمل ملابسها البسيطة...
وحذاءها القديم...
وعينيها المرهقتين.
ثم سألها بصوت هادئ لكنه مرعب
الكلام ده صحيح؟
إنتِ فعلًا ما تعرفيش تقري المنيو؟
كان سؤالًا لا مفر منه.
لو قالت نعم...
ستخسر وظيفتها.
ولو قالت لا...
فستكون كأنها تعترض على الزبون.
ابتسمت داليا بانتصار وقالت
طبعًا ما تعرفش... روحي هاتي حد فاهم بدلِك.
وقفت سلمى في مكانها.
لم يكن ما آلمها هو الإهانة...
بل أنهم افترضوا أنها جاهلة.
هم لم يروا إلا نادلة فقيرة.
ولم يعرفوا أن سلمى كانت يومًا من ألمع الطالبات، وتجيد الفرنسية بطلاقة، وأنها ابنة دبلوماسي مصري سابق، قبل أن تدمر الديون حياة أسرتها وتجبرها على بدء حياة جديدة من الصفر...
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 
ابتلعت سلمى الإهانة للحظة.
ثم رفعت رأسها بهدوء لأول مرة.
لم يكن في عينيها غضب...
بل كرامة.
مدّت يدها نحو قائمة النبيذ، واستأذنت بنبرة مهذبة
لو تسمح يا فندم...
أخذت القائمة، وفتحتها على الصفحة التي توقفت عندها داليا، ثم بدأت تتحدث بفرنسية سليمة، بصوت هادئ وواثق، وكأنها تقرأ من كتاب تحفظه عن ظهر قلب.
شرحت اسم الزجاجة، وسنة إنتاجها، والمنطقة التي جاءت منها، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بالعربية
لكن حضرتك طلبت بوردو 1982... والزجاجة اللي الأستاذة أشارت لها من منطقة مختلفة تمامًا، وسعرها أقل من ربع السعر.
ساد الصمت.
داليا اتسعت عيناها.
أما مدير المطعم، فكاد يسقط ما في يده.
ولأول مرة منذ دخوله...
نظر ياسين إلى سلمى باهتمام حقيقي.
قال بهدوء
كمّلي.
أغلقت سلمى القائمة برفق وقالت
بوردو 1982 اللي حضرتك بتدور عليها موجودة فعلًا... لكن مش في القائمة دي.
رفع ياسين حاجبه.
وإزاي عرفتي؟
أجابت
لأنها موجودة في القبو الخاص بالمطعم... الشيف كان بيقول إنها مخصصة للضيوف المهمين، ومحدش بيعرضها في المنيو.
التفت ياسين إلى مدير المطعم.
الكلام ده صحيح؟
ارتبك المدير، ومسح العرق من جبينه.
أ... أيوه يا فندم... دي زجاجة خاصة.
ابتسم ياسين ابتسامة بالكاد تُرى.
أما داليا، فخفضت رأسها، ولم تجد كلمة واحدة تدافع بها عن نفسها.
لكن سلمى لم تكتفِ بذلك.
وضعت القائمة على الطاولة وقالت بالفرنسية مرة أخرى
هناك أيضًا خطأ مطبعي في الصفحة السابعة... اسم المزرعة مكتوب بطريقة خاطئة منذ أكثر من عام.
تجمّد المدير.
ثم أسرع يفتح الصفحة.
وبعد ثوانٍ...
تغيّر لون وجهه.
كان الخطأ موجودًا فعلًا.
همس الشيف الفرنسي، الذي خرج من المطبخ بعدما سمع الحديث
مستحيل...
ثم نظر إلى سلمى بدهشة وقال بالفرنسية
من علّمك كل هذا؟
أجابت بابتسامة حزينة
والدي... قبل أن نفقد كل شيء.
ساد صمت ثقيل.
ولأول مرة، شعر كل من في المطعم بالخجل من الطريقة التي نظروا بها إلى تلك النادلة الفقيرة.
لكن ياسين لم يكن ينظر إلى القائمة...
ولا إلى داليا...
كان ينظر إلى القلادة الصغيرة المعلقة في عنق سلمى.
قلادة فضية قديمة...
على شكل مفتاح.
وفجأة...
تغيّرت ملامحه تمامًا.
نهض من مقعده ببطء، واقترب منها خطوة، ثم قال بصوت خافت لا يكاد يُسمع
القلادة دي... جبتيها منين؟
وضعت سلمى يدها عليها بتلقائية.
دي كانت آخر حاجة سابهالي والدي قبل وفاته... وقال لي أوعى أفرّط فيها مهما حصل.
تراجع ياسين خطوة إلى الخلف، وكأن صدمة عنيفة أصابته.
ثم همس لنفسه
مستحيل...
نفس المفتاح...
بعد عشرين سنة!
وفي اللحظة نفسها، دخل أحد الحراس مسرعًا وهو يصرخ
باشا... الخزنة القديمة في فيلا العائلة اتفتحت لوحدها... ولقينا رسالة باسم سلمى!
يتبع...تجمّد ياسين في مكانه.
نظر إلى الحارس، ثم إلى القلادة في يد سلمى، وكأن قطعتين من لغز قديم التقتا أخيرًا.
قال بحدة
اقفل الباب... ومحدش يخرج من المطعم.
ساد الذعر بين الزبائن.
أما داليا، فاقتربت منه وهمست
ياسين... دي مجرد نادلة، إنت مصدق الكلام ده؟
لم يرد.
كانت عيناه معلقتين بالمفتاح الفضي.
التفت إلى سلمى وسألها
اسم والدك بالكامل؟
أجابت بعد تردد
السفير محمود الكيلاني.
وكأن الاسم ضربه في صدره.
أغمض ياسين عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت
كنت أعرفه.
شهق مدير المطعم.
فالسفير محمود اختفى في ظروف غامضة قبل عشرين عامًا، وأغلقت قضيته ضد مجهول.
قالت سلمى وهي تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها
حضرتك... تعرف والدي؟
هز رأسه ببطء.
أعرف إنه مات وهو متهم بالخيانة... لكني كنت الوحيد اللي مقتنع إنه بريء.
قبل أن تكمل سؤالها، رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة، فتغيّر وجهه.
المتصل كان عمه...
رئيس العائلة.
فتح الخط.
جاءه الصوت غاضبًا
البنت دي لازم تختفي الليلة... مهما كان الثمن.
رفع ياسين عينيه نحو سلمى.
أدرك في تلك اللحظة أن وجودها على قيد الحياة لم يكن مصادفة...
بل خطرًا على أشخاص أقوياء.
أغلق الهاتف دون أن يرد.
ثم التفت إلى حراسه وقال
من اللحظة دي... الآنسة سلمى تحت حمايتي الشخصية.
صرخت داليا
إنت اتجننت؟! هتدخلها حياتنا بسبب نادلة؟
نظر إليها ببرود وقال
اخرجي.
بس...
قلت اخرجي.
غادرت وهي تكاد تنفجر من الغضب.
وفي تلك اللحظة، أخرج الحارس ظرفًا أصفر قديمًا كان قد أحضره من الفيلا.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر، ومكتوبًا عليه بخط يد قديم
لا يُفتح إلا بحضور ابنتي سلمى... وياسين عبدالعزيز.
نظر الاثنان إلى بعضهما في صمت.
فتح ياسين الظرف بحذر.
سقطت منه صورة قديمة.
تجمّدت أنفاس سلمى.
في الصورة...
كان والدها يقف مبتسمًا، وإلى جواره رجل يشبه ياسين بشكل لا يُصدق.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن الصورة...
بل الجملة المكتوبة خلفها
إذا وصلت هذه الرسالة، فاعلموا أن خائن العائلة الحقيقي لم يمت... وما زال يجلس اليوم على رأس مائدة آل عبدالعزيز.
وفي الخارج...
كان قناص يوجّه منظاره نحو نافذة المطعم، واضعًا إصبعه على الزناد، بينما كانت النقطة الحمراء تستقر ببطء فوق صدر سلمى...يتبع ثبتت النقطة الحمراء على صدر سلمى.
ولم يلاحظها أحد...
إلا ياسين.
في جزء من الثانية، اندفع نحوها ودفعها بقوة إلى الأرض.
دوّى صوت الرصاصة.
تحطم زجاج المطعم، وتناثرت الشظايا في كل مكان.
تعالت صرخات الزبائن، بينما ألقى الحراس بأنفسهم أمام ياسين، وأشهروا أسلحتهم.
صرخ أحدهم
قناص فوق المبنى المقابل!
لكن عندما صعد فريق الحراسة إلى السطح...
كان القناص قد اختفى.
لم يترك خلفه سوى ظرف صغير.
فتحوه بسرعة، فوجدوا بداخله ورقة كُتب عليها
المرة دي أخطأنا... المرة الجاية مش هنغلط.
عاد ياسين إلى المطعم.
كانت سلمى ما تزال تحت تأثير الصدمة، ويدها ترتجف.
مد يده إليها وساعدها على الوقوف.
قال لأول مرة بنبرة خالية من البرود
لو كنت اتأخرت ثانية واحدة... كنتِ متِّ.
نظرت إليه وهي تحاول استيعاب ما حدث.
ليه؟... ليه حد يحاول يقتلني؟
أخذ الصورة والرسالة ووضعهما داخل سترته.
ثم قال
لأن والدك ما كانش خائن...
كان بيحقق في شبكة فساد ضخمة.
وقبل ما يقدر يكشفها... اختفى.
والظاهر إن الشبكة دي لسه موجودة.
في تلك اللحظة، دخل رجل مسن إلى المطعم متكئًا على عصاه.
ما إن رآه المدير حتى ارتبك.
المستشار فؤاد؟!
تقدم الرجل ببطء حتى وقف أمام سلمى.
نظر إلى وجهها طويلًا، ثم دمعت عيناه.
سبحان الله...
أنتِ نسخة من أمك.
سألت سلمى بلهفة
حضرتك تعرفني؟
أخرج الرجل من جيبه بطاقة قديمة.
كانت تحمل شعار وزارة الخارجية وصورة والدها.
وقال
كنت زميل والدك... وآخر شخص شافه قبل اختفائه.
وقبل أن يكمل كلامه...
سقط فجأة على الأرض.
هرع الجميع نحوه.
وجد ياسين سهمًا صغيرًا مغروسًا في عنقه.
سمّ.
نظر الرجل بصعوبة إلى سلمى، وهمس بكلمات متقطعة
المفتاح... مش القلادة...
ثم رفع إصبعه نحو السقف، وقال آخر جملة قبل أن يلفظ أنفاسه
المفتاح... مخبّي... الحقيقة... تحت...
وسكت إلى الأبد.
ساد الصمت.
لكن ياسين لم ينظر إلى الجثة...
بل رفع عينيه إلى سقف المطعم.
كان هناك لوح خشبي قديم، لم ينتبه إليه أحد من قبل.
اقترب منه أحد الحراس، ودفعه برفق.
فسقط صندوق حديدي صغير مغلق بقفل صدئ.
وعندما أدارت سلمى القلادة داخل القفل...
دار المفتاح بسهولة.
لكن ما كان داخل الصندوق جعل وجه ياسين يشحب، لأن أول ملف وقع بين يديه كان يحمل عنوانًا صادمًا
الوريث الحقيقي لعائلة عبدالعزيز... ليس ياسين.
يتبع...تجمّد ياسين وهو يقرأ العنوان مرة أخرى.
الوريث الحقيقي لعائلة عبدالعزيز... ليس ياسين.
ساد صمت ثقيل.
حتى الحراس تبادلوا النظرات في ذهول.
فتح ياسين الملف ببطء، وأخرج أول ورقة.
كانت شهادة ميلاد قديمة...
ثم تقرير لتحليل الحمض النووي.
وتحتهما رسالة بخط يد والد سلمى.
بدأ يقرأ بصوت منخفض
إذا وصلت هذه الأوراق إلى ياسين، فاعلم يا بني أنك لست ضحية كذبة واحدة... بل ضحية عمر كامل من الخداع.
ارتجفت يد ياسين.
لم يسبق لأحد أن خاطبه بهذه الطريقة.
تابع القراءة
والدك الحقيقي لم يكن زعيم العائلة، بل شقيقه الأصغر، الذي قُتل بعدما اكتشف عمليات تهريب وغسل أموال كانت تتم باسم العائلة. ولحماية الطفل الوحيد، تم تبديل هويتك وأُعلن أنك ابن الزعيم.
أغلق ياسين عينيه.
كل ما عاشه طوال حياته...
كان مبنيًا على كذبة.
وفجأة دوّى تصفيق من آخر المطعم.
استدار الجميع.
كان رجل أنيق في الستين من عمره يقف عند المدخل، وخلفه عشرات الحراس.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
أحسنت يا دكتور محمود... حتى بعد وفاتك عرفت توصل الرسالة.
تقدم بخطوات هادئة.
قال ياسين بغضب
عمي...!
ابتسم الرجل.
نعم... عمك كمال عبدالعزيز.
ثم نظر إلى سلمى وقال
وأنتِ ابنة الرجل الوحيد اللي كان قادر يدمرني.
رفع أحد الحراس سلاحه، لكن كمال قال بثقة
لو حد ضغط الزناد... هتنفجر العربية اللي فيها والدتك يا سلمى.
شحب وجه سلمى.
أمي؟
ضحك كمال.
فاكرة إنها ماتت من عشرين سنة؟
لا...
كانت عندي طول الوقت.
احتفظت بيها... لأنها كانت تعرف مكان الدليل الأخير.
انهارت سلمى وهي تكاد لا تصدق.
مستحيل...
ألقى كمال هاتفًا صغيرًا على الطاولة.
فتح ياسين الفيديو.
ظهرت امرأة مسنة، مقيدة داخل غرفة، تنظر إلى الكاميرا وهي تبكي.
همست بصوت ضعيف
سلمى... لو شوفتي الفيديو ده... اعرفي إني ما بطلتش أدور عليكي يوم واحد...
صرخت سلمى
ماما!
لكن الفيديو انقطع فجأة.
ابتسم كمال وقال
عندكم أربع وعشرون ساعة.
هاتوا لي الملف الكامل...
وخدوا أمها.
أما لو رفضتم...
فمش هتلاقوا غير ذكراها.
استدار وغادر المطعم وسط حراسه، دون أن يجرؤ أحد على إيقافه.
أمسك ياسين بالملف بقوة، ثم نظر إلى سلمى وقال بحسم
من الليلة دي... المعركة مش بس علشان الحقيقة.
المعركة علشان ننقذ والدتك... وننهي إمبراطورية كمال عبدالعزيز للأبد.
وفي اللحظة التي همّ فيها بإغلاق الملف...
سقطت منه ورقة أخيرة لم ينتبه إليها أحد.
التقطتها سلمى.
كان عليها خريطة قديمة لوسط القاهرة، وعليها دائرة حمراء حول مبنى مهجور، وتحتها عبارة واحدة
لا تذهبوا إلى هناك وحدكم... فالخائن بينكم بالفعل.
نظر ياسين ببطء إلى رجاله...
وأدرك أن أحد أقرب الحراس إليه كان يعمل سرًا لصالح عمه منذ سنوات.
يتبع...نظر ياسين إلى وجوه حراسه واحدًا تلو الآخر.
لم يتكلم.
لكنه لاحظ شيئًا صغيرًا.
كلهم كانوا ينظرون إلى الخريطة...
إلا حارس واحد اسمه مروان.
كان ينظر إلى هاتفه.
ثانيتان فقط...
ثم أخفاه في جيبه.
ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة.
عرف أن الرسالة وصلت.
لكنه لم يُظهر شيئًا.
قال بصوت ثابت
هنروح للمخزن المهجور بعد ساعة.
هز الجميع رؤوسهم بالموافقة.
أما في الحقيقة...
فلم يكن ينوي الذهاب إلى هناك أصلًا.
بعد عشر دقائق، خرج مروان إلى ساحة المطعم بحجة إحضار السيارة.
ما إن ابتعد حتى أخرج هاتفًا آخر، واتصل برقم محفوظ باسم واحد فقط
البيه.
جاءه صوت كمال عبدالعزيز
ها... هيعملوا إيه؟
ابتسم مروان.
زي ما توقعت يا باشا... رايحين للمخزن اللي في وسط البلد بعد ساعة.
ضحك كمال.
ممتاز... خلّي الرجالة تستناهم هناك.
أنهى المكالمة...
دون أن يعلم أن ياسين كان يستمع إليها كاملة.
فقد وضع جهاز تتبع صغيرًا داخل سترة مروان قبل دقائق.
التفت إلى سلمى وقال
اتأكدت.
سألته
من إيه؟
إن الخائن فعلًا بيننا.
بدلًا من التوجه إلى المخزن، غيّر ياسين الخطة في آخر لحظة.
قاد سيارته إلى مبنى قديم تابع لوزارة الخارجية، كان مهجورًا منذ سنوات.
فتح بابًا حديديًا صدئًا باستخدام المفتاح الفضي الذي كانت تحتفظ به سلمى.
وفي الداخل...
وجدوا غرفة صغيرة مليئة بالملفات.
وعلى المكتب...
جهاز تسجيل قديم.
ضغط ياسين زر التشغيل.
خرج صوت والد سلمى واضحًا، رغم مرور عشرين عامًا.
إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فمعناه أنني فشلت في البقاء حيًا.
تجمّدت سلمى.
وانهمرت دموعها.
تابع الصوت
كمال عبدالعزيز ليس العقل المدبر وحده... هناك شريك أخطر منه، رجل لا يشك فيه أحد، لأنه يظهر أمام الناس كرجل قانون.
نظر ياسين إلى الشاشة الصغيرة الموصولة بجهاز التسجيل.
ظهرت صورة...
ثم اسم.
لكن قبل أن يقرآه...
انطفأت الكهرباء فجأة.
وغرق المكان في الظلام.
دوى انفجار عنيف هز المبنى كله.
تساقطت الحجارة من السقف.
صرخت سلمى
ياسين!
أمسك بيدها بسرعة وسحبها خلف عمود خرساني.
وفي ضوء النيران، لمح رجلًا يرتدي قناعًا يدخل الغرفة ببطء، وهو يحمل مسدسًا كاتمًا للصوت.
رفع المسدس مباشرة نحو ياسين...
ثم نزع القناع عن وجهه.
اتسعت عينا سلمى من الصدمة وهي تصرخ
إنت؟!
فالرجل لم يكن غريبًا...
بل كان الشخص الوحيد الذي وثق فيه ياسين منذ طفولته، والذي اعتبره أخًا أكثر من كونه مجرد حارس.
يتبع...تجمّد ياسين في مكانه.
لم يستطع أن يصدق ما تراه عيناه.
الرجل الذي يقف أمامه لم يكن مجرد حارس...
كان آدم.
الصديق الذي تربّى معه منذ الطفولة، ووقف بجانبه في أصعب لحظات حياته.
قال ياسين بصوت مخنوق
آدم... إنت؟
خفض آدم المسدس قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
سامحني يا ياسين... لو كان عندي اختيار، ما كنتش وصلت لليلة دي.
صرخت سلمى
ابعد عنه!
لكن آدم رفع يده وقال
اسمعوني الأول... أنا مش جاي أقتلكم.
قطّب ياسين حاجبيه.
أمال جاي ليه؟
أخرج آدم فلاشة صغيرة من جيبه، وألقاها نحو ياسين.
كل الأدلة اللي كمال حاول يخفيها موجودة هنا.
نظر ياسين إلى الفلاشة في حيرة.
لو معاك الأدلة... ليه كنت شغال معاه؟
تنهد آدم، ثم قال
لأنه خاطف مراتي وابني من خمس سنين... وكل مرة كنت أحاول أهرب،

تم نسخ الرابط