"يا بابا... الحقني حكايات ميراا

لمحة نيوز

للمحامي وقالت بهدوء
أنا مش هنتقم... لكن ابني مش هيدخل السجن يشوف أبوه وهو بالمنظر ده. لما يكبر، هو اللي يقرر إذا كان عايز يقابله ولا لأ.
هزّ المحامي رأسه باحترام.
هبلغ كريم بكلامك.
...
بعد أسبوعين...
خرج كريم من المستشفى ورجع السجن.
ولأول مرة في حياته، مكنش معاه فلوس، ولا نفوذ، ولا حد بيدافع عنه.
كان بيقضي أيامه يقرأ في المصحف ويكتب رسائل اعتذار لمريم، لكنها لم ترد على أي واحدة منها.
أما مريم...
فقررت تبيع نصيبها من الميراث الذي آل إليها من والد كريم، وتستخدم جزءًا كبيرًا منه لتوسيع مركز دعم السيدات المعنفات.
علقت على باب المركز لافتة مكتوب عليها
النجاة بداية جديدة... وليست نهاية الطريق.
وفي يوم الافتتاح، حضر اللواء حسن وهو يبتسم بفخر.
قال لابنته
أنا كنت فاكر إني أنقذتك يوم ما خرجتك من الفيلا... لكن الحقيقة إنك أنقذتي غيرك بعد كده.
ابتسمت مريم، واحتضنت والدها.
وفي تلك اللحظة، جرى ابنها نحوهما وهو يضحك، فحمله حسن بين ذراعيه وقال
هو ده الانتصار الحقيقي... إن الطفل ده يكبر في بيت مفيهوش خوف.
انتهت سنوات الألم، وبدأت سنوات السلام.
تمت بعد ثلاث سنوات...
كبر ابن مريم، وبقى عنده عشرة سنين.
وفي يوم، رجع من المدرسة وهو ماسك ورقة.
قال
ماما... المدرس طلب نكتب موضوع بعنوان الشخص اللي غير حياتي.
ابتسمت مريم وقالت
وهتكتب عن مين؟
رد من غير تفكير
عن جدي حسن.
في المساء، قرأ ما كتبه بصوت عالٍ
جدي علمني إن القوة مش إنك تخوف الناس... القوة إنك تحميهم. ولولا جدي، كنت ممكن أكبر من غير أمي.
لم يتمالك حسن نفسه.
دمعت عيناه، واحتضن حفيده.
وقال
أنا عملت واجبي بس.
بعد أيام قليلة...
وصل خبر من إدارة السجن.
كريم توفي إثر أزمة صحية مفاجئة بعد سنوات من قضاء العقوبة.
لم تفرح مريم، ولم تشمت.
اكتفت بالدعاء
اللهم اغفر له بما تعلم، واحكم بيننا بالعدل.
ثم أغلقت الصفحة الأخيرة من الماضي.
وفي مساء هادئ، جلست مع والدها في شرفة البيت.
قال لها حسن
فاكرة أول مكالمة قولتيلي فيها يا بابا... الحقني؟
هزت رأسها والدموع في عينيها.
ابتسم وقال
الحمد لله... النهارده بقيتي إنتِ اللي بتلحقي غيرك.
نظرت إلى مركز الدعم الذي أسسته، وكانت ترى سيدات كثيرات يبدأن حياة جديدة.
ابتسمت وهي تقول
يمكن اللي حصل معايا كان مؤلم... لكنه أنقذ ناس كتير بعد كده.
وهكذا... لم تنتهِ القصة عند إنقاذ مريم، بل بدأت منها قصص نجاة كثيرة لغيرها.
النهاية الحقيقية بمرور الوقت...
أصبح مركز بداية جديدة مقصدًا لعشرات السيدات اللاتي يبحثن عن الأمان.
وفي أحد الأيام...
دخلت فتاة في أوائل العشرينات، ووجهها مليء بالكدمات.
أول ما رأت مريم، انفجرت في البكاء وقالت
أنا جيت لأنهم قالولي إنك الوحيدة اللي هتصدقيني.
أخذتها مريم من يدها وأجلستها بهدوء.
ثم قالت
أنا هصدقك... لأنني كنت مكانك يومًا.
وبينما كانت تستمع إلى قصتها...
دخل أحد الموظفين مسرعًا.
قال
أستاذة مريم... في راجل كبير بره، بيقول إنه لازم يشوفك حالًا.
خرجت مريم.
وجدت رجلًا مسنًا يحمل حقيبة جلدية قديمة.
قال
أنا المحامي الشخصي لوالد كريم... وفي حاجة احتفظت بيها سنين، بناءً على وصيته.
فتح الحقيبة.
وأخرج دفترًا قديمًا.
قال
دي مذكراته... وفيها اعترافات وأسرار عن صفقات غير قانونية كان كريم وشركاؤه متورطين فيها قبل القبض عليه. المرحوم أوصى إنها تتسلم لكِ لو حصل له أي مكروه.
تصفحت مريم الصفحات بسرعة.
وفجأة...
توقفت عند اسم تعرفه جيدًا.
اسم رجل أعمال كبير، كان الجميع يظن أنه بعيد تمامًا عن كل ما حدث.
رفعت رأسها نحو المحامي وقالت
إنت متأكد إن كل اللي في الدفتر حقيقي؟
أجاب
فيه مستندات تثبت كل كلمة.
أغلقت الدفتر ببطء.
وأدركت أن القضية التي ظنت أنها انتهت منذ سنوات...
قد تكون مجرد بداية لقصة أكبر النهاية
في صباح اليوم التالي...
ذهبت مريم بصحبة والدها اللواء حسن إلى النيابة، وسلمت الدفتر وكل المستندات كما هي، دون أن تخفي ورقة واحدة.
استمرت التحقيقات عدة أشهر.
وبعد مراجعة الأدلة، تمت محاسبة كل من ثبت تورطه، بينما أُغلق الملف نهائيًا في حق من لم يثبت عليه شيء.
خرجت مريم من مبنى المحكمة وهي تشعر لأول مرة أن الماضي انتهى بالفعل.
ابتسم لها حسن وقال
دلوقتي... أقدر أقول إن مهمتي خلصت.
ابتسمت وهي تمسك بذراعه.
لا يا بابا... مهمتك عمرها ما هتخلص، لأنك السبب بعد ربنا إني لسه عايشة.
بعد سنوات...
كبر ابنها، وتخرج في كلية الحقوق.
وفي أول قضية دافع فيها عن سيدة تعرضت للعنف، وقف أمام القاضي وقال
العدالة مش بس إنها تعاقب المذنب... العدالة كمان إنها تحمي الضعيف.
كانت مريم تجلس في آخر القاعة، والدموع تملأ عينيها.
أما حسن، فقد كان يجلس بجوارها، يبتسم في هدوء.
همس لها
شايفة... الخير عمره ما بيضيع.
أومأت برأسها.
وفي المساء، عادوا إلى البيت القديم الذي شهد بداية الحكاية.
كان الفرن الذي تركه حسن مشتعلًا في ذلك اليوم قد أصبح مجرد ذكرى يضحكون عليها، بعدما كان رمزًا للحظة غيّرت حياتهم كلها.
وقفت مريم أمام صورة والدتها الراحلة وقالت
اطمني... بقينا بخير.
ثم أطفأت أنوار البيت، وأغلقت الباب خلفها.
هذه المرة...
لم تكن تغلق بابًا على الخوف.
بل كانت تغلق آخر صفحة من الماضي، لتبدأ حياة جديدة لا مكان فيها إلا للسلام.
تمت بحمد الله بعد عامين...
كانت الحياة قد عادت هادئة.
مريم أصبحت تدير مركزًا كبيرًا لمساعدة السيدات، واللواء حسن أصبح يقضي معظم وقته مع حفيده.
وفي صباح أحد الأيام...
دخلت سكرتيرة المركز وقالت
أستاذة مريم... في سيدة كبيرة بره، مصرة تقابلك.
خرجت مريم.
كانت سيدة في أواخر الستينيات، ترتدي ملابس بسيطة وتحمل حقيبة قديمة.
وقفت أمامها وقالت
أنا اسمي زينب... وكنت المربية اللي ربت كريم وهو صغير.
اتسعت عينا مريم.
أجلستها وقالت
اتفضلي.
تنهدت زينب وقالت
أنا جيت أطلب منك السماح... مش عشاني... عشان الحقيقة.
سألتها مريم باستغراب
حقيقة إيه؟
أخرجت السيدة
تم نسخ الرابط