كنت راكبه بقلم اماني سيد
المحتويات
حصل... جاية ليه؟
اغرورقت عينا شذى بالدموع وقالت لأن الإنسان لما ربنا يوريه نتيجة أفعاله... بيعرف قيمة اللي ظلمهم.
ثم خرجت.
فتحت ندى الظرف.
كان بداخله خطاب بخط يد شذى
أنا عمري ما كنت بحب سمير. كنت بغير منك لأنك كنتي محبوبة من الكل، وكنت فاكرة إن لو خربت حياتك هرتاح. لكن من يومها وأنا بخسر كل حاجة... الناس، وأهلي، وسمعتي، وحتى نفسي. مش بطلب منك تسامحيني، لأن يمكن ما استحقش، لكن بطلب منك تدعيلي إن ربنا يغفرلي.
أغلقت ندى الخطاب، وجلست صامتة.
وفي تلك الليلة، رفعت يديها بالدعاء وقالت
اللهم كما أظهرت حقي، أصلح قلوبنا جميعًا، واهدِ من ظلمني، ولا تجعل الكراهية تسكن قلبي.
وفي مكان آخر، كانت شذى تغادر المدينة لتبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل من عرفها.
أما ندى، فقد أغلقت آخر صفحة من الماضي، ولم تعد تنظر خلفها أبدًا.
النهاية الحقيقية تكملة خيالية
بعد خمس سنوات...
في صباح هادئ، كانت ندى جالسة في مكتبها داخل مصنع الملابس الذي أصبح ملكًا لها بعد سنوات من التعب.
دخلت السكرتيرة وقالت يا أستاذة ندى، في راجل برة بيقول إنه يعرفك من زمان، وعايز يقابلك خمس دقايق بس.
استغربت ندى، وطلبت منها تدخله.
فتح الباب، ودخل رجل تبدو عليه علامات الوقار.
استغرقت ثوانٍ حتى تعرفت عليه.
كان سمير.
لكنه لم يأتِ وحده.
كان يمسك بيد طفل صغير لا يتجاوز الرابعة من عمره.
ابتسم الطفل لندى وقال ببراءة السلام عليكم يا طنط.
ابتسمت له وردت السلام.
قال سمير ده ابن أختي... بربيه بعد ما أختي توفت. بقيت مسؤول عنه.
نظرت إليه ندى باستغراب.
أكمل أنا معرفتش أتجوز بعدك... ويمكن ده عقاب أستحقه.
سكت قليلًا، ثم قال أنا مش جاي أطلب منك ترجعي، ولا حتى أسامحيني. أنا جاي أشكرك.
تعجبت ندى.
قال لولا اللي حصل، ما كنتش هعرف قد إيه الظلم ممكن يدمر إنسان، وقد إيه لازم الواحد يسمع الطرفين قبل ما يحكم.
ابتسمت ندى ابتسامة هادئة وقالت ربنا يعلم كل واحد فينا درس بطريقة مختلفة.
أومأ سمير برأسه.
ثم نظر إلى الطفل وقال يلا يا يوسف... نمشي.
لوح الطفل بيده وقال مع السلامة يا طنط.
لوحت له ندى بابتسامة.
خرج سمير من المكتب، ولم يلتفت هذه المرة.
أما ندى، فنظرت من النافذة إلى السماء، وهمست
الحمد لله... كل وجع عدى، وربنا عوضني براحة القلب.
وانتهت الحكاية، بعدما تعلم كل شخص فيها أن الظلم قد ينتصر لحظة، لكنه لا ينتصر إلى الأبد تكملة خيالية جديدة
بعد خروج سمير من المصنع، اعتقدت ندى أن هذه كانت آخر مرة ستراه فيها.
لكن بعد أسبوع واحد فقط، جاءها اتصال من رقم غريب.
ردت بهدوء ألو؟
جاءها صوت رجل كبير في السن حضرتك الأستاذة ندى؟
أيوه.
أنا الدكتور حسام... آسف إني بكلمك، لكن الأستاذ سمير عمل حادثة كبيرة وهو في العناية المركزة.
سكتت ندى للحظات.
أكمل الطبيب وإحنا لقينا اسمك أول شخص في قائمة الطوارئ عنده، ومكتوب جنب اسمك لو حصلي أي حاجة بلغوها.
أغلقت الهاتف وهي في حيرة.
بعد صراع طويل مع نفسها، قررت تذهب للمستشفى.
دخلت غرفة العناية، فوجدت سمير فاقدًا للوعي.
وقف الطبيب بجوارها وقال هو حالته مستقرة دلوقتي، لكن لما فاق شوية كان كل اللي بيقوله ندى سامحتني ولا لأ؟
لم ترد.
وقفت تنظر إليه من خلف الزجاج، ثم قالت للطبيب اطمنوا عليه... وربنا يشفيه.
واستدارت لتغادر.
لكن قبل أن تخرج، سمعت صوته الضعيف ينادي
ندى...
التفتت.
فتح عينيه بصعوبة، وقال أنا مش عايز منك غير كلمة واحدة... قولي إنك مسامحاني.
وقفت للحظات، ثم اقتربت.
قالت بهدوء
أنا سامحتك لوجه الله... لكن المسامحة غير إن الحياة ترجع زي الأول.
انهمرت الدموع من عيني سمير لأول مرة منذ سنوات.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال كفاية عليا الكلمة دي.
خرجت ندى من الغرفة وهي تشعر أن آخر حمل كانت تحمله في قلبها قد سقط أخيرًا.
أما سمير، فقد أغمض عينيه مرتاحًا، ليس لأنه استعادها...
بل لأنه أخيرًا نال الصفح الذي ظل يبحث عنه سنوات تكملة خيالية
بعد عدة أشهر، تعافى سمير تمامًا وخرج من المستشفى.
لم يحاول الاتصال بندى مرة أخرى، فقد كان وعدها أن يحترم حياتها وقرارها.
وفي المقابل، كانت ندى قد انشغلت بتوسيع مشروعها، حتى تلقت دعوة لحضور حفل تكريم لأصحاب المشروعات الناجحة في المحافظة.
وأثناء الحفل، أعلن المذيع
جائزة هذا العام في المسؤولية المجتمعية تذهب إلى رجل الأعمال سمير، بعد تبرعه بإنشاء مركز لدعم السيدات المعنفات وأطفالهن.
رفعت ندى رأسها بدهشة.
صعد سمير إلى المسرح، وألقى كلمة قصيرة قال فيها
من سنوات، كنت سببًا في ظلم إنسانة وثقت فيّ. لن أذكر اسمها، لكن ما حدث علّمني أن الكرامة لا تُعوَّض، وأن كلمة واحدة ظالمة قد تهدم حياة كاملة. أتمنى أن يكون هذا المركز سببًا في إنقاذ بيوت، لا في هدمها.
ساد الصمت في القاعة، ثم دوّى التصفيق.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت ندى منه.
قالت الكلمة كانت مؤثرة.
ابتسم وقال يمكن دي أول مرة أعمل حاجة صح من غير ما أكون مستني مقابل.
ثم مد لها ملفًا صغيرًا.
استغربت وسألته إيه ده؟
قال مش هدية... ده عقد شراكة.
فتحت الملف، فوجدت أنه عرض لتمويل توسعة مصنعها، دون أن يكون له أي نسبة في الأرباح.
قال اعتبريه دعمًا لمشروع ناجح... ولو رفضتي، هتفهم.
أغلقت الملف وأعادته إليه بابتسامة.
وقالت شكراً... لكن أنا حابة أكمل بطريقي.
ابتسم سمير باحترام.
كنت عارف إن ده هيكون ردك.
ثم صافحها للمرة الأخيرة، وقال
ربنا يوفقك يا ندى.
ردت وربنا يهدينا جميعًا.
افترق الاثنان، وكل منهما يحمل في قلبه سلامًا لم يكن موجودًا قبل سنوات.
ولم تعد قصتهما قصة حب انتهت، بل قصة علّمت كل من عرفها أن الثقة إذا انكسرت، قد يُصلح الإنسان نفسه، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يعيد ما ضاع تكملة خيالية
مرّت سنتان أخريان، وأصبح مركز دعم السيدات الذي أنشأه سمير معروفًا في المحافظة، بينما توسع مشروع ندى وأصبحت توظف عشرات السيدات.
وفي يوم افتتاح فرع جديد لمصنعها، فوجئت بوجود حماتها السابقة عند الباب.
كانت تمشي ببطء، وقد غزا الشيب شعرها.
ترددت قبل أن تدخل، ثم قالت بصوت مكسور
يا ندى... ممكن تديني خمس دقايق؟
أشارت لها ندى أن تتفضل إلى المكتب.
جلست المرأة وهي تنظر إلى الأرض، ثم انفجرت في البكاء.
قالت أنا جيت أطلب منك السماح... مش عشان سمير، ولا عشان نفسي... عشان ضميري مبقاش مستحمل.
سكتت لحظة ثم أكملت
أنا كنت فاكرة إني بحمي ابني، لكن الحقيقة إني ظلمتك. لما شجعت شذى وقفت ضدك، خسرتك، وخسرت استقرار ابني، وخسرت احترامه ليا.
أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة.
فتحتها أمام ندى.
كانت تحتوي على الشبكة التي ارتدتها ندى يوم زفافها.
قالت دي فضلت عندي بعد الطلاق... وكنت كل يوم أبص لها وأفتكر ظلمي ليكي. خديها... دي حقك.
أخذتها ندى بهدوء.
ثم قالت
أنا سامحت حضرتك من زمان... لكن في فرق بين المسامحة وإن الإنسان ينسى.
أومأت المرأة وهي تمسح دموعها.
معاكي حق.
وقفت لتغادر، لكنها توقفت عند الباب وقالت
تعرفي يا ندى؟
إيه؟
سمير لحد النهارده، كل سنة في نفس اليوم اللي سابك فيه على الطريق... بيصوم اليوم كله، ويتصدق، ويقول ده اليوم اللي خسرت فيه أغلى إنسانة في حياتي.
سكتت ندى ولم تعلق.
بعد خروجها، نظرت إلى علبة الشبكة، ثم أغلقتها مرة أخرى، ووضعتها في درج مكتبها.
لم تكن تريد استعادة الماضي...
لكنها أدركت أن الزمن قادر على أن يجعل حتى أكثر الناس قسوة يعترفون بأخطائهم، ولو بعد سنوات طويلة تكملة خيالية
بعد أيام من زيارة حماتها السابقة، كانت ندى ترتب بعض الأوراق القديمة في منزلها، عندما عثرت على صورة زفافها.
ظلت تنظر إليها طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، ومزقتها بهدوء، وألقتها في سلة المهملات.
في تلك اللحظة، رن هاتفها.
كان رقمًا مجهولًا.
ردت، فجاءها صوت فتاة شابة
حضرتك أستاذة ندى؟
أيوه.
أنا اسمي سلمى... بشتغل في المركز اللي أسسه الأستاذ سمير. هو طلب مني لو حصل له أي ظرف صحي أكلم حضرتك.
انقبض قلب ندى.
سألت بسرعة هو فيه إيه؟
قالت الفتاة متقلقيش... هو بخير، بس النهارده أثناء افتتاح فرع جديد للمركز تعب شوية، والدكتور طلب منه يرتاح. وقبل ما يروح قال لي لو كلمتك ندى يومًا، قولي لها
متابعة القراءة