امضي يا ياسين بيه.. بقلم سهر محمد

لمحة نيوز

في قفل حديدي صدئ.
دار القفل بسهولة، كأنه كان ينتظرها.
فتح الباب، ونزلا درجات حجرية إلى أسفل.
اتسعت عينا ياسين.
فيه بدروم تحت القصر؟!
ابتسمت بخفة.
والدك بناه بنفسه.
في نهاية الممر كانت هناك غرفة حديدية ضخمة.
وفي وسطها خزنة عملاقة.
فوقها لوحة نحاسية مكتوب عليها
لا تُفتح إلا بحضور وريثين.
نظر إليها ياسين.
يعني إيه وريثين؟
قالت وهي تضع يدها على جهاز البصمة
بصمتك... وبصمتي.
وضع كل منهما إصبعه.
صدر صوت ميكانيكي ثقيل.
ثم انفتح باب الخزنة ببطء.
في الداخل لم تكن هناك سبائك ذهب ولا أكوام أموال...
بل ملفات، وأقراص إلكترونية، وعقود قديمة.
وفي المنتصف صندوق خشبي صغير.
فتحته ليلى بحذر.
كان بداخله ظرف أبيض مكتوب عليه
يفتحه ياسين وليلى معًا.
فتح ياسين الظرف، وأخرج رسالة بخط والده.
إذا وصلتما إلى هنا، فهذا يعني أنكما نجوتما من أول اختبار.
يا ياسين... لو كنت تقرأ هذه الرسالة وأنت ما زلت تنظر إلى ليلى على أنها عبء، فأغلق الظرف واخرج... لأنك لن تستطيع حماية ما سأتركه لك.
أما إذا كنت قد تعلمت أن الإنسان يُقاس بأخلاقه لا بمظهره... فأكمل القراءة.
ارتجفت يد ياسين.
وأكمل.
ليلى ليست مجرد زوجتك...
إنها الوريثة الشرعية لنصف المجموعة.
وأنت الوريث الشرعي للنصف الآخر.
ولا يمكن لأي طرف أن يتصرف في الإمبراطورية وحده.
قبل أن يكمل السطر التالي...
انطفأت الأنوار.
ثم سُمع صوت تصفيق بطيء يأتي من خلفهما.
استدارا بسرعة.
كان أدهم الرفاعي يقف عند باب الغرفة، وخلفه رجال مسلحون.
ابتسم وهو ينظر إلى الرسالة في يد ياسين وقال
شكرًا... تعبتوا بدلًا مني وفتحتوا الخزنة.
ثم رفع سلاحه بهدوء، وأضاف
دلوقتي... هاتوا الصندوق، والرسالة... قبل ما أضطر أخلي الليلة دي آخر ليلة في حياتكم رفع ياسين إيده قدام ليلى بشكل تلقائي، لأول مرة من يوم جوازهم يحاول يحميها.
قال بصوت ثابت
ارجعوا لورا.
أدهم ضحك بسخرية.
دلوقتي افتكرت إنها مراتك؟ بعد ست شهور سايبها لوحدها؟
الكلمات أصابت ياسين في مقتل، لكنه لم يرد.
كانت عينه على السلاح.
وعينه الثانية على ليلى.
ليلى همست بهدوء
متتهورش... أدهم مش بيحب يضرب النار إلا لو اضطر.
ابتسم أدهم.
لسه فاهمة طباعي.
ثم مد يده.
الصندوق يا ليلى.
هزت رأسها.
مستحيل.
تنهد أدهم كأنه حزين.
إذن للأسف...
رفع مسدسه نحو ياسين مباشرة.
قبل أن يضغط الزناد...
صدر صوت صفارة حاد داخل الغرفة.
ثم انغلقت الأبواب الحديدية أوتوماتيكيًا.
أضاءت شاشة صغيرة فوق الخزنة.
وظهر تسجيل مصور.
كان اللواء سليم الجارحي.
بوجهه الحقيقي.
حيًا.
نظر إلى الكاميرا وقال
لو التسجيل ده اشتغل... يبقى الشخص اللي حاول يوصل للخزنة مش واحد منكم بس.
تجمد أدهم مكانه.
أما ياسين فشعر أن قلبه سيتوقف.
أبوه... حي فعلًا.
أكمل اللواء
الخزنة دي فيها نظام حماية. أول ما تتفتح، المكان كله بيتقفل لمدة عشر دقائق، وأي محاولة لإطلاق النار هتفعّل نظام الطوارئ.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وأيوه يا ياسين... أنا عارف إنك مستغرب إني عايش.
بلع ياسين ريقه وهو يهمس
أبويا...
أكمل اللواء
أنا ما متش... أنا اختفيت. لأن اللي كنا بنواجهه أكبر من شركة، وأكبر من ثروة.
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
وأنت يا أدهم... كنت دايمًا أذكى من إنك تشتغل بإيدك.
اختفت الابتسامة من وجه أدهم.
عرفت إنك هتيجي.
ظهر ملف على الشاشة.
وصور لتحويلات مالية، واجتماعات سرية، وعقود مزورة.
قال اللواء
كل الأدلة اللي تثبت إنك أنت اللي خنت شراكة والدك، وسلمت معلومات للعصابة اللي قتلت والدي ليلى.
صرخ أدهم
كدب!
لكن الشاشة عرضت تسجيلًا صوتيًا بصوته وهو يتفق على الصفقة قبل عشرين عامًا.
ساد الصمت.
ليلى كانت تنظر إليه والدموع في عينيها.
قالت بصوت مكسور
يعني... كنت أنت السبب؟
خفض أدهم رأسه للحظة.
ثم قال ببرود
كنت عايز أحمي نفسي.
أغلقت ليلى عينيها.
وبعت عيلتك كلها.
وقبل أن يرد...
دوّت صفارات الشرطة في الخارج.
نظر أدهم نحو الباب المغلق، وأدرك أن الوقت انتهى.
لكن قبل أن يستسلم، ابتسم ابتسامة غامضة وقال
فاكرين إنكم كسبتوا؟
ثم ألقى جهازًا صغيرًا على الأرض.
بدأ الجهاز يومض باللون الأحمر.
نظرت ليلى إليه واتسعت عيناها.
قنبلة...بدأ الجهاز يصدر صوتًا متسارعًا
بيب... بيب... بيب...
تراجع الجميع خطوة.
صرخ أحد رجال أدهم
إحنا لازم نخرج!
لكن الأبواب الحديدية كانت لا تزال مغلقة بسبب نظام الحماية.
ياسين جذب ليلى بعيدًا وهو يبحث بعينيه عن أي مخرج.
قالت بسرعة
استنى!
ركعت على الأرض، وأمسكت بالجهاز.
متلمسيهوش! صرخ ياسين.
لكنها كانت تحدق فيه بتركيز شديد.
ثم تنفست الصعداء.
دي مش قنبلة.
نظر إليها الجميع بدهشة.
إيه؟!
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
دي وحدة تشويش إلكتروني.
أدهم شحب وجهه.
فهمت خطته.
قالت وهي ترفع الجهاز
كان عايز يمسح كل البيانات اللي في الخزنة قبل ما الشرطة توصل.
قفز ياسين بسرعة، وأمسك بأدهم قبل أن يحاول الهرب.
دار بينهما اشتباك عنيف.
تلقى ياسين عدة لكمات، لكنه تمكن في النهاية من طرحه أرضًا وانتزع السلاح من يده.
في تلك اللحظة...
انفتح الباب الحديدي أخيرًا.
اندفع رجال الشرطة إلى الداخل، وأحاطوا بأدهم ورجاله.
وقف ضابط الشرطة وقال
أدهم الرفاعي... أنت مقبوض عليك بتهم القتل، والتزوير، والتآمر، وغسل الأموال.
لم يقاوم.
اكتفى بالنظر إلى ليلى وقال
سامحيني...
لكنها لم تجبه.
...
بعد ساعات...
عاد الهدوء إلى القصر.
جلس ياسين في المكتب الذي بدأ فيه كل شيء.
أمامهما رسالة والده الأخيرة.
قرأ السطر الأخير بصوت مرتجف
يا ابني... الثروة ممكن تضيع وتتجمع تاني، لكن الإنسان اللي يخسر احترامه لنفسه وللي حواليه، بيبقى أفقر واحد في الدنيا.
أغلق الرسالة.
ثم التفت إلى ليلى.
وقف أمامها وقال
أنا مش مستني منك تسامحيني.
ولا هطلب إننا نبدأ من جديد وكأن اللي حصل مكانش.
لكن لو وافقتِ... هقضي عمري كله أصلح اللي كسرته.
ساد الصمت.
ثم قالت ليلى بهدوء
الثقة مش بتتبني بالكلام يا ياسين.
بتتبني بالأفعال.
هز رأسه.
وأنا مستعد أبدأ... حتى لو استغرق الأمر سنين.
لأول مرة منذ زواجهما...
ابتسمت ليلى ابتسامة حقيقية.
لم تكن ابتسامة حب...
لكنها كانت بداية أمل.
وفي الخارج، كانت شمس الصباح تشرق على القصر، وكأنها تعلن بداية فصل جديد، لا يقوم على المال أو النفوذ، بل على الحقيقة، والاحترام، والفرصة الثانية مرّت ثلاثة أشهر...
الصحف الاقتصادية كانت تتصدرها صورة واحدة.
مجموعة الجارحي تحقق أكبر نمو في تاريخها بقيادة ياسين الجارحي والدكتورة ليلى.
لكن داخل القصر...
العلاقة بينهما كانت مختلفة تمامًا.
احترام.
هدوء.
وحدود واضحة.
كل واحد في أوضته.
وكل واحد مركز في شغله.
ياسين كان كل يوم يحاول يثبت لها إنه اتغير.
من غير ما يضغط عليها.
ولا مرة أجبرها تتكلم.
ولا مرة سألها تسامحه.
كان يكتفي بالأفعال.
...
في صباح يوم جمعة...
كانت ليلى نازلة السلم، فسمعت صوت ضحك خارج الجنينة.
خرجت تستطلع الأمر.
اتجمدت مكانها.
ياسين كان قاعد على الأرض ببدلة الشغل الغالية، وحواليه أكتر من عشرين طفلًا من دار الأيتام.
بيزرعوا شجر.
وبيضحكوا.
واحد من الأطفال سأله
هو أنت بجد صاحب القصر ده؟
ضحك ياسين.
لأ.
استغرب الولد.
أمال مين؟
بص ناحية ليلى الواقفة بعيد وقال بابتسامة
إحنا الاتنين أصحابه.
كانت أول مرة ينسب لها كل شيء قدام الناس.
من غير تردد.
...
بعد انتهاء اليوم...
اقتربت ليلى منه.
ناولته كوب قهوة.
قالت بهدوء
أنت اتغيرت.
ابتسم.
بحاول.
سكتت لحظة.
ثم قالت
وأنا... بدأت أصدق.
شعر لأول مرة أن الحمل الذي فوق صدره خف قليلًا.
...
لكن السعادة لم تدم طويلًا.
في مساء اليوم نفسه...
دخل المحامي القديم مسرعًا.
وجهه شاحب.
قال
في مشكلة.
وقف ياسين.
خير؟
أخرج المحامي خطابًا مختومًا بختم المحكمة.
وصل النهارده.
فتحه ياسين بسرعة.
ومع أول سطر...
تغير لون وجهه.
ليلى أخذت الخطاب منه وقرأت
تم تقديم دعوى قضائية من شخص يدعى... سليم الجارحي.
رفعت رأسها بصدمة.
مستحيل!
المحامي قال بصوت مرتبك
اللي أغرب من كده...
إنه بيطالب بإلغاء نقل ملكية المجموعة كلها.
اتسعت عينا ياسين.
يعني إيه؟!
رد المحامي
بيقول إن كل اللي حصل كان جزءًا من خطة... وإنه رجع بنفسه يسترد إدارة إمبراطوريته.
ساد الصمت.
نظر ياسين إلى ليلى.
ونظرت إليه.
كلاهما كان يظن أن قصة سليم الجارحي انتهت...
لكن يبدو أنها كانت قد بدأت للتو في صباح الجلسة الأولى...
امتلأت قاعة المحكمة بالصحفيين ورجال الأعمال.
الجميع كان ينتظر ظهور الرجل الذي أعلنت وفاته قبل أشهر.
فتح باب القاعة...
ودخل رجل بشعر أبيض، يسير مستندًا إلى عصا.
ساد صمت ثقيل.
همس أحد الصحفيين
ده... سليم الجارحي!
أما ياسين، فظل ينظر إليه غير مصدق.
اقترب الرجل حتى وقف أمام منصة القاضي، ثم التفت إلى ياسين.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
كبرت يا ابني.
لم يتمالك ياسين نفسه.
ترك مكانه واقترب منه بسرعة.
إنت... إنت عايش؟!
أومأ سليم برأسه.
أيوه.
ليه؟
كانت الكلمة مليئة بالغضب والوجع.
ليه سيبتني أفتكر إنك مت؟
تنهد سليم طويلًا.
لأن لو كنت عرفت الحقيقة وقتها... كنت هتموت.
ساد الصمت.
أخرج سليم ملفًا سميكًا ووضعه أمام القاضي.
أنا ما جيتش آخد الشركات.
نظر إلى ليلى ثم إلى ياسين.
أنا جيت أرجعها ليكم رسمي.
استغرب الجميع.
القاضي سأله
أمال الدعوى دي ليه؟
ابتسم سليم.
لأن الملكية الحالية فيها أخطاء قانونية، ولو مات أي واحد فينا، كل المجموعة هتدخل في نزاعات سنين.
ثم أشار إلى الملف.
أنا بطلب تثبيت الملكية باسم ياسين وليلى معًا... بشكل نهائي.
تنفس ياسين ببطء.
لأول مرة منذ شهور شعر أن والده لم يكن يحارب ضده...
بل كان يحميه بطريقته.
بعد انتهاء الجلسة...
خرج الثلاثة من المحكمة.
وقف ياسين أمام والده.
أنا زعلان منك.
ابتسم سليم.
ومن حقك.
لكن...
تردد قليلًا.
ثم احتضنه بقوة.
بكى ياسين لأول مرة منذ كان طفلًا.
أما ليلى، فكانت تراقبهما بصمت، والدموع تملأ عينيها.
اقترب منها سليم.
وقال مبتسمًا
سامحيني يا بنتي... حملتك مسؤولية أكبر من سنك.
هزت رأسها.
لو رجع الزمن... هعمل نفس اللي عملته.
ابتسم بفخر.
كنت عارف.
وفي تلك اللحظة، شعر الثلاثة أن سنوات الألم بدأت أخيرًا تجد طريقها إلى النهاية، وأن المستقبل قد يحمل لهم فرصة لبناء عائلة حقيقية، لا تجمعها الثروة وحدها، بل الثقة والمحبة بعد رحلة طويلة من الأسرار والاختبارات مر عام كامل...
بدأ كل شيء يستقر أخيرًا.
مجموعة الجارحي أصبحت من أقوى المجموعات في الشرق الأوسط، وليلى صارت اسمًا معروفًا في عالم الاقتصاد، بينما تغيّر ياسين حتى إن موظفيه كانوا يقولون إن شخصيته لم تعد تشبه الرجل المتكبر الذي كان يخشاه الجميع.
أما سليم الجارحي...
فقرر أن يبتعد عن الإدارة نهائيًا، واكتفى بمتابعة الأخبار من مزرعته الصغيرة خارج الإسكندرية.
وفي أحد الأيام...
استدعى سليم ياسين وليلى إلى المزرعة.
كان الجو هادئًا، ورائحة الياسمين تملأ المكان.
جلس الثلاثة حول طاولة خشبية.
قال سليم وهو يضع أمامهما صندوقًا صغيرًا
افتحوها.
فتح ياسين الصندوق.
وجد بداخله مفتاحًا قديمًا، وعقد ملكية، وصورة باهتة.
رفع الصورة.
كان فيها سليم، ووالد ليلى، وأمهما، وياسين وليلى وهما طفلان يلعبان معًا.
نظر إلى ليلى بدهشة.
إحنا... كنا نعرف بعض؟
ابتسم سليم.
مش بس تعرفوا بعض.
وأشار إلى الصورة.
اليوم اللي اتصورت فيه دي... كنتوا ماسكين إيدين بعض، ولما سألتك يا ياسين هتتجوز مين لما تكبر، قلتلي ليلى.
ضحك بخفة وهو يكمل
كان عندك سبع سنين.
نظر ياسين إلى الصورة طويلًا.
أما ليلى، فكانت تبتسم والدموع في عينيها.
همست
أنا فاكرة اليوم ده...
نظر إليها باستغراب.
فاكراه؟
أومأت.
وكنت فاكرة إنك نسيت.
ساد صمت طويل.
ثم قال سليم
أنا ما فرضتش الجواز علشان أحرمك من حريتك يا ياسين.
أنا نفذت وعدًا قطعته لأبوها... ووعدًا قطعته لنفسي.
تنهد، ثم أضاف
لكن كنت مستعد أقبل إنكم تنفصلوا لو اكتشفتوا إنكم مش مناسبين لبعض.
نظر ياسين إليه بدهشة.
يعني... ماكنتش هتجبرنا؟
ابتسم.
الجواز اللي يتبني على الإجبار عمره ما ينجح.
ثم نهض ببطء، وتركهما وحدهما.
...
جلس ياسين بجوار ليلى.
نظر إليها وقال
إحنا بدأنا غلط.
ابتسمت.
أيوه.
بس ينفع نبدأ من أول وجديد؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم مدت يدها نحوه.
المرة دي... باختيارنا.
أمسك يدها برفق، وهو يشعر أن كل ما مرّ بهما لم يكن نهاية الطريق، بل بداية حياة جديدة، هذه المرة بلا أسرار، ولا وصايا، ولا خوف مرّت ستة أشهر أخرى...
وفي مساء هادئ، كانت ليلى تقف في شرفة القصر تنظر إلى البحر.
اقترب منها ياسين بهدوء.
سرحانة في إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
فاكر أول يوم جبتني فيه هنا؟
خفض رأسه بخجل.
نفسي أنساه.
التفتت إليه.
وأنا لأ.
استغرب.
ليه؟
قالت بهدوء
لأنه بيفكرني قد إيه الإنسان ممكن يتغير.
سكت قليلًا، ثم قال
لو رجع بيا الزمن... كنت هتصرف بشكل مختلف.
ابتسمت.
بس الزمن عمره ما بيرجع.
...
في اليوم التالي...
كان مجلس إدارة المجموعة مجتمعًا لإعلان مشروع جديد.
وقف ياسين أمام الجميع وقال
قبل ما نبدأ، عندي قرار.
فتح ملفًا أمامه.
من النهارده، 30 من أرباح المجموعة السنوية هتتخصص لمؤسسة تعليمية لعلاج وتعليم الأيتام والطلاب غير القادرين.
بدأت همسات الإعجاب تنتشر في القاعة.
ثم أكمل
والمؤسسة هتحمل اسم...
نظر إلى ليلى.
...مؤسسة عبد الرحيم.
اتسعت عيناها.
كان اسم والدها.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن حقه عاد إليه.
...
بعد انتهاء الاجتماع، دخل سليم القاعة بهدوء.
كان يحمل ظرفًا قديمًا.
نسيت أديكم ده.
فتحته ليلى.
وجدت خطابًا من والدها.
ارتجفت يداها وهي تقرأ أول السطور.
يا ليلى... إذا وصلتك الرسالة دي، فمعناه إن سليم نجح في حمايتك.
انهارت دموعها.
جلس ياسين بجوارها دون أن يتكلم.
واصلت القراءة.
لو لقيت ياسين جنبك وهو بيقرأ الرسالة دي، اعرفي إنه بقى الراجل اللي كنت أتمنى يكبر عليه.
نظر ياسين إلى سليم.
وسأله بصوت مبحوح
حضرتك كنت عارف الرسالة دي؟
هز رأسه.
لكن عمري ما قريتها.
ثم قال
دي كانت أمانة.
أنهت ليلى قراءة الرسالة، ثم أغلقتها بحرص، وكأنها تحتضن ذكرى والدها.
خرج الثلاثة إلى حديقة القصر.
كانت الشمس تميل إلى الغروب.
وقفوا معًا في صمت.
هذه المرة...
لم يكن هناك خوف من الماضي.
ولا أسرار تنتظر أن تُكشف.
فقط عائلة، اجتمعت بعد سنوات طويلة من الفراق، لتبدأ حياة جديدة عنوانها الثقة، والوفاء، والمحبة بعد أسبوع...
كان القصر كله في حالة استعداد.
الصحفيون قدام البوابة، والموظفون لابسين أفخم بدلاتهم.
سألت ليلى باستغراب
هو في إيه النهارده؟
ابتسم ياسين وهو يناولها ظرفًا أبيض.
افتحيه.
فتحت الظرف.
كان فيه بطاقة دعوة مكتوب عليها
حفل إعادة عقد القران.
رفعت عينيها إليه بدهشة.
إعادة؟
قال بابتسامة هادئة
المرة الأولى اتجوزتك غصب عنك... وأنا كنت غصب عن نفسي.
تنهد وأكمل
المرة دي... لو وافقتِ، يبقى بإرادتنا إحنا الاتنين.
سكتت ليلى لحظات.
ثم سألت
ولو رفضت؟
ابتسم.
هرجع البيت... وأعتبر إنك لسه محتاجة وقت.
نظرت إليه طويلًا.
لأول مرة شعرت أنه لا ينتظر منها ردًا بدافع الواجب، بل بدافع الاختيار.
مدت يدها إليه.
وقالت وهي تبتسم
موافقة.
...
في المساء...
امتلأت حديقة القصر بالورود البيضاء.
كان الحفل بسيطًا، اقتصر على العائلة والأصدقاء وعدد من الأطفال الذين ترعاهم المؤسسة.
وقف المأذون يبتسم.
وقال لياسين
تقبل الزواج من الآنسة ليلى عبد الرحيم على سنة الله ورسوله؟
ابتسم ياسين وهو ينظر إليها.
أقبل.
ثم التفت المأذون إلى ليلى.
وأنتِ يا آنسة ليلى؟
ابتسمت وهي تنظر إلى ياسين.
أقبل.
صفق الجميع.
بينما مسح
تم نسخ الرابط