عالجت زعيم حكايات ميرااا
المحتويات
الأسود من آخر الشارع.
في أقل من ثانية...
تحرك الرجال الثلاثمائة كأنهم جسد واحد.
أُغلقت مداخل الشارع، وانتشر الحراس خلف السيارات، بينما ارتفعت أصوات أجهزة الاتصال اللاسلكية.
صرخ أحدهم
احموا السيد كريم!
لكن كريم لم يتحرك خطوة.
كان ينظر إلى الدخان بعينين باردتين، ثم قال بهدوء
ده انفجار تمويه... الهجوم الحقيقي هيكون من الناحية التانية.
وبالفعل...
بعد ثوانٍ، انطلقت ثلاث سيارات رباعية الدفع بأقصى سرعة من الجهة المقابلة.
توقفت بعنف أمام المنزل.
وترجل منها رجال ملثمون يحملون أسلحة.
صرخت أمي وهي تجذب إيمان إلى الداخل
اقفلوا الباب!
أما أنا...
فوقفت في مكاني، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.
رفع قائد الحرس يده، لكن كريم أوقفه بإشارة واحدة.
وقال بصوت منخفض
محدش يضرب.
نظر إليه الجميع بدهشة.
ترجل رجل من السيارة الأولى.
كان طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود، وعلى خده الأيسر ندبة طويلة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
كنت عارف إنك لسه عايش.
ابتسم كريم هو الآخر.
لكنها لم تكن ابتسامة ود.
قال
وأنا كنت عارف إن أول واحد هيجي يتأكد بنفسه... هو أنت.
اقترب الرجل خطوات وقال
الرصاصة كانت المفروض تخلص عليك.
أجابه كريم
واضح إن اللي دفعلهم الفلوس اختار قناص فاشل.
اشتعل الغضب في عيني الرجل.
ثم وقعت عيناه عليّ.
سأل
هي دي اللي أنقذتك؟
لم يجب كريم.
لكن مجرد صمته كان كافيًا.
ابتسم الرجل ابتسامة مرعبة وقال
يبقى لازم تموت... عشان المرة الجاية محدش يفكر ينقذك.
وما إن أنهى جملته...
حتى دوّى صوت إطلاق نار.
لكن الرصاصة لم تصب أحدًا.
بل أصابت الأرض أمام قدمي الرجل الملثم.
التفت الجميع نحو مصدرها.
كانت قوة كبيرة من الشرطة قد وصلت إلى مدخل الشارع، يتقدمها ضابط برتبة لواء.
رفع مكبر الصوت وقال
ارموا السلاح فورًا... المكان محاصر بالكامل!
ساد صمت ثقيل.
نظر الرجل الملثم إلى كريم، ثم قال بابتسامة ساخرة
المعركة لسه في أولها.
قفز إلى سيارته، وانطلقت السيارات الثلاث بأقصى سرعة، بينما بدأت سيارات الشرطة في مطاردتها.
اختفى صوت المحركات تدريجيًا...
لكن التوتر لم يختفِ.
اقترب اللواء من كريم وقال بصوت خافت
واضح إن الخيانة جاية من أقرب الناس ليك.
تغيرت ملامح كريم لأول مرة.
وسأل
تقصد مين؟
أخرج اللواء ظرفًا بنيًا من سترته.
وقال
لقيناه في مخزن العصابة اللي هاجمك... وفيه اسم الشخص اللي خطط لاغتيالك.
فتح كريم الظرف ببطء...
وما إن قرأ الاسم...
حتى شحب وجهه للمرة الأولى.
كان الاسم لشخص لم يكن يتخيل يومًا أنه سيخونه... شقيقه الأصغر ظل كريم يحدق في الورقة لعدة ثوانٍ.
لم ينطق بحرف.
لكن قبضته اشتدت حتى تجعد الظرف بين أصابعه.
اقتربت منه بحذر وسألته
في إيه؟
رفع رأسه ببطء.
كانت نظراته مختلفة تمامًا.
مليئة بالصدمة... أكثر من الغضب.
قال بصوت خافت
مستحيل.
مد اللواء يده وقال
كنا نتمنى يكون الخبر غلط... لكن عندنا تسجيلات وتحويلات مالية تثبت إن الشخص اللي سرب مكانك هو أخوك ياسين.
شهقت أمي
أخوك؟!
أغمض كريم عينيه للحظة، ثم قال
ياسين كان معايا من أول يوم... مستحيل يعمل كده علشان فلوس.
أجاب اللواء
وده اللي خلانا نحقق أكتر.
ثم أخرج صورة أخرى.
ناولها إلى كريم.
وما إن رآها...
اتسعت عيناه.
كانت صورة لياسين داخل أحد المستشفيات الخاصة...
واقفًا بجوار طفل صغير على جهاز تنفس.
قال اللواء
ابن ياسين مصاب بمرض نادر، والعلاج في الخارج تكلفته خيالية.
ساد الصمت.
ثم أكمل
الناس اللي حاولوا يقتلوك استغلوا ضعفه... خيروه بين حياة ابنه... أو حياتك.
أطرق كريم رأسه.
ولأول مرة رأيت الدموع تلمع في عيني رجل ظننته لا يعرف معنى الضعف.
همس
كان لازم يطلب مني... كنت هبيع كل اللي أملكه علشان ابنه.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
كان الاسم
ياسين.
فتح المكالمة ووضعها على السماعة.
جاء صوت ياسين متقطعًا من شدة البكاء
سامحني يا كريم... والله ما كنت عايز أعمل كده... خطفوا ابني... وقالولي لو ما سلمتكش... هيموت.
أغمض كريم عينيه وقال بهدوء
ابنك فين دلوقتي؟
رد ياسين
في مزرعة قديمة على طريق الإسماعيلية... لسه عندهم.
وقبل أن يكمل...
انقطع الخط.
نظر كريم إلى رجاله وقال بحزم
اللي بينا وبين ياسين يتحاسب بعدين... دلوقتي هنرجع الولد.
ثم التفت إليّ.
وقال
أنتِ السبب إني لسه عايش... وعلشان كده في طفل عنده فرصة يعيش هو كمان.
لم أفهم قصده.
لكنه أضاف
هتحتاجيني معانا... الطفل حالته الصحية خطيرة، ومفيش حد أثق فيه غيرك.
نظرت إلى أمي.
كانت خائفة...
لكنها أمسكت يدي وقالت
روحي... يمكن ربنا كتبلك تنقذي روح تانية.
بعد دقائق...
انطلقت قافلة السيارات السوداء نحو المزرعة، دون أن يدرك أحد أن الفخ الحقيقي لم يكن في المزرعة... بل كان ينتظرهم من الداخل، على يد شخص لم يخطر ببال أي واحد منهم انطلقت القافلة بسرعة عبر الطريق الصحراوي.
كانت أكثر من عشرين سيارة تتحرك في صفين، بينما جلست أنا في المقعد الخلفي إلى جوار كريم، أراجع حقيبة الإسعافات التي أحضرتها على عجل.
لم ينطق أحد طوال الطريق.
وفجأة...
رن جهاز الاتصال اللاسلكي.
جاء صوت أحد رجال الاستطلاع
سيدي... وصلنا للمزرعة.
أمر كريم الجميع بالتوقف على بعد مائتي متر.
ثم قال
محدش يدخل قبل ما نتأكد إن الطفل جوه.
أرسل أربعة رجال للتفتيش.
مرت خمس دقائق...
ثم عشر.
ولم يعد أحد.
قطب كريم حاجبيه.
وأرسل مجموعة ثانية.
لكن قبل أن تتحرك...
خرج أحد الرجال الأربعة من بين الأشجار وهو يترنح.
كان مصابًا بطلق ناري في كتفه.
صرخ قبل أن يسقط
كمين... اهربوا!
وفي اللحظة نفسها...
انفجرت الأرض أمام السيارة الأولى.
وتطاير التراب في كل مكان.
لكن كريم لم يذعر.
فتح باب السيارة ونزل بهدوء، ثم صاح
غطوا الممر... واسحبوا المصابين!
وبينما بدأ رجاله في الاشتباك مع المهاجمين، سمعت صوت طفل يبكي من داخل مخزن قديم في طرف المزرعة.
التفتُّ نحو الصوت.
قلت لكريم
في طفل هناك!
نظر إليّ، ثم إلى رجاله المنشغلين بالقتال.
وقال بسرعة
خدي اتنين من الحراس... وروحي.
ركضت مع الحارسين نحو المخزن.
كان الباب مغلقًا بسلسلة حديدية.
أطلق أحد الحراس رصاصة على القفل، فانكسر.
اندفعت إلى الداخل.
كانت الرائحة خانقة.
وفي زاوية مظلمة...
وجدت طفلًا لا يتجاوز السابعة من عمره، مقيد اليدين، وأنبوب أكسجين صغير بجواره.
كان وجهه شاحبًا جدًا.
ركعت بجواره بسرعة.
تحسست نبضه.
كان ضعيفًا.
فككت قيوده، وأعطيته الأكسجين، ثم حملته بين ذراعي.
همس بصوت بالكاد يُسمع
بابا...
قلت له مبتسمة رغم خوفي
باباك مستنيك... هنرجعك ليه.
خرجت من المخزن...
لكنني تجمدت في مكاني.
كان أحد المسلحين يقف أمام الباب، ويوجه سلاحه نحوي مباشرة.
ابتسم بسخرية وقال
واضح إنك غالية عند كريم... وده هيخليني أكسب الصفقة.
شددت الطفل إلى صدري.
لم يكن معي أي وسيلة للدفاع.
رفع الرجل إصبعه على الزناد...
لكن قبل أن يطلق النار، دوّى صوت طلقة واحدة.
سقط المسلح أرضًا.
وراءه وقف كريم، ممسكًا بسلاحه، رغم أن الدم كان ينزف مجددًا من جرحه الذي لم يلتئم بعد.
اقترب منا وهو يتنفس بصعوبة، ونظر إلى الطفل، ثم ابتسم لأول مرة منذ التقينا.
وقال
الحمد لله... لحقناه.
لكن ابتسامته اختفت سريعًا عندما جاءه أحد رجاله راكضًا وهو يصرخ
سيدي... وصلتنا معلومة مؤكدة... اللي خطط لكل اللي حصل مش المنافسين... في واحد أكبر منهم كلهم... والاسم هيقلب الدنيا توقف كريم مكانه.
كانت أنفاسه متقطعة من النزيف، لكنه لم يبدُ مهتمًا بجرحه.
نظر إلى الرجل وقال بحدة
مين؟
ابتلع الحارس ريقه، ثم قال
مش مجرد زعيم عصابة...
ده رجل أعمال معروف، وكل الناس فاكرة إنه من أكبر المتبرعين للمستشفيات والجمعيات الخيرية.
ساد صمت ثقيل.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قال كريم بصوت منخفض
قول الاسم.
أجاب الحارس
فؤاد السيوفي.
شهقت دون إرادة.
عرفت الاسم.
كان من أكبر الداعمين للمستشفى الحكومي الذي أعمل فيه، وصوره معلقة في المدخل الرئيسي بعدة لوحات تكريم.
بل إنه زار قسمنا قبل شهر، وصافح جميع الممرضات والأطباء.
همست
مستحيل...
نظر إليّ كريم وسأل
إنتِ تعرفيه؟
أومأت برأسي.
قلت
كان بيزور المستشفى باستمرار... والكل بيقول إنه راجل خير.
ابتسم كريم ابتسامة باردة.
وقال
وده السبب اللي مخليه يستخبى من سنين.
ثم أخرج أحد رجاله هاتفًا.
عرض علينا مقطعًا مصورًا التقطته طائرة صغيرة للمزرعة.
ظهر فيه رجل يرتدي قبعة سوداء وهو يغادر المكان قبل دقائق
متابعة القراءة