زعيم أخطر إمبراطورية حكايات ميرااا

لمحة نيوز

مش رفاهية.
وأنا مش هعيش وحواليّ حراس.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
إنتِ عنيدة.
ردت بسرعة
وأنت متحكم.
وللمرة الثالثة منذ عرفته... ابتسم.
في مساء اليوم نفسه...
عادت ندى إلى شقتها الصغيرة.
وضعت حقيبتها على الأريكة، وأعدت لنفسها كوبًا من الشاي.
حاولت أن تقنع نفسها أن كل ما قالوه مجرد احتياط.
لكن عند التاسعة مساءً...
انطفأت الكهرباء في العمارة كلها.
نظرت من النافذة.
الشارع غارق في الظلام.
بعد ثوانٍ...
سمعت صوت ارتطام خافت عند باب شقتها.
تجمدت.
ثم جاء صوت رجل من الخارج
ممرضة ندى؟
لم ترد.
عاد الصوت مرة أخرى.
إحنا من شركة الكهرباء.
نظرت من عين الباب.
لم ترَ أي زي رسمي.
في اللحظة نفسها...
رن هاتفها.
كان رقم عمر.
ردت بسرعة.
ألو؟
جاءها صوته حادًا على غير عادته.
افتحتي الباب؟
لأ.
متفتحيش.
شعرت بقشعريرة.
ليه؟
لأن شركة الكهرباء ما بعتتش حد.
اتسعت عيناها.
وقبل أن تنطق...
سمعت صوت محاولة فتح القفل من الخارج.
تراجعت خطوة.
تسارع تنفسها.
قال عمر بهدوء رغم خطورة الموقف
اسمعيني كويس.
أنا سامعاك.
ادخلي أوضة النوم... واقفلي الباب.
نفذت بسرعة.
ثم سمعا معًا صوت ضربة قوية على باب الشقة.
واحدة...
ثم ثانية...
حتى بدأ الخشب يتشقق.
قال عمر في الهاتف
بصي من الشباك.
فعلت.
ورأت سيارة سوداء تتوقف أسفل العمارة.
نزل منها سيف وثلاثة رجال.
وفي أقل من عشر ثوانٍ...
دوى صراخ في مدخل العمارة.
ثم عاد الهدوء.
بعد دقيقة...
رن جرس الباب.
ارتجفت.
قال عمر
متفتحيش غير لما تسمعي كلمة السر.
تعجبت.
كلمة سر؟
جاء صوت سيف من الخارج
الشروق.
التفتت إلى الهاتف.
قال عمر
افتحي.
فتحت الباب بحذر.
كان سيف يقف أمامها، وخلفه رجلان مكبلان بالأصفاد البلاستيكية.
نظر إليها ليتأكد أنها بخير.
ثم قال
الحمد لله... وصلنا قبلهم بثواني.
شعرت ندى أن ساقيها لم تعودا تحملانها.
جلست على أقرب كرسي.
ولأول مرة...
أدركت أن إنقاذها لعمر لم يغيّر حياته وحده...
بل غيّر حياتها هي أيضًا، وأنها أصبحت جزءًا من صراع لم تكن تتخيل يومًا أنها ستدخل إليه جلست ندى تحاول استيعاب ما حدث.
كانت يداها ترتجفان وهي تمسك كوب الماء الذي أحضره لها سيف.
قال بصوت هادئ على غير عادته
متخافيش... اللي كانوا بره اتقبض عليهم.
رفعت رأسها إليه.
مين دول؟
تبادل سيف نظرة سريعة مع أحد رجاله، ثم قال
مش هقدر أقولك دلوقتي.
في تلك اللحظة...
دخل عمر بنفسه إلى الشقة.
كان من المفترض أن يظل في المنزل وفق أوامر الأطباء، لكنه تجاهل كل شيء وجاء.
ما إن رأته ندى حتى وقفت.
قالت بغضب امتزج بالقلق
إنت خرجت؟! الجرح بتاعك لسه مفتوح!
نظر إليها بهدوء.
ولما عرفت إن في حد عند بابك... مكنتش هقعد أتفرج.
اقترب منها خطوة.
إنتِ كويسة؟
أومأت برأسها.
أنا كويسة.
تنهد لأول مرة منذ دخوله.
وكأن الإجابة أزالت حملًا ثقيلًا عن صدره.
بعد دقائق...
جلس الجميع في الصالة.
فتح سيف ملفًا صغيرًا ووضع بداخله صورتين.
دفعهما نحو عمر.
أخذ عمر الصور، وما إن رآهما حتى تغيرت ملامحه.
قبض على الورق بقوة.
سألته ندى
تعرفهم؟
أجاب بصوت بارد
أعرف اللي باعتهم.
مين؟
ساد الصمت.
ثم قال
واحد كنت فاكره مات من سنين.
نظر إليه سيف بقلق.
باشا...
قاطعه عمر.
اسمه فريد الجمال.
ثم أضاف بصوت منخفض
وهو الوحيد اللي يعرف سبب الحريق الحقيقي.
تجمدت ندى.
يعني... الست اللي حاولت تقتلك؟
هز رأسه ببطء.
ما كانتش لوحدها.
امتلأت الغرفة بالصمت.
ثم أكمل
أنا طول السنين دي كنت فاكر إنها خانتني.
نظر إلى الأرض.
لكن واضح إنها كانت مجرد أداة.
رفع عينيه إلى ندى.
وفي حد تاني كان بيدير كل حاجة من الضل.
سيف قال بحزم
إحنا هنوصله.
لكن عمر هز رأسه.
لأ.
ليه؟
نظر إلى ندى.
ثم قال
لأن من النهارده... هو عرف إن ندى موجودة.
وأغلق الملف ببطء.
وده معناه إنه هيحاول يستخدمها عشان يوصل لي.
شعرت ندى ببرودة تسري في جسدها.
لم تعد القصة مجرد ممرضة أنقذت مريضًا...
بل أصبحت مرتبطة بسر عمر الدمنهوري الذي ظل مدفونًا أحد عشر عامًا.
وفي تلك الليلة...
ولأول مرة...
قال عمر الجملة التي فاجأت الجميع
ندى... هتنتقلي تعيشي في بيتي مؤقتًا.
اتسعت عيناها.
إيه؟!
قال بهدوء
مش طلب...
ثم نظر إلى الباب المكسور لشقتها.
...دي الطريقة الوحيدة اللي أقدر أحميكي بيها.
وهنا بدأت مرحلة جديدة تمامًا من حياتهما، حيث ستجد ندى نفسها داخل قصر الرجل الذي كانت تظنه مجرد زعيم لا يعرف سوى القوة، بينما سيكتشف عمر أن أصعب معركة في حياته ليست مع أعدائه... بل مع قلبه الذي بدأ يتعلق بالمرأة الوحيدة التي لم تخف منه يومًا نظرت ندى إلى عمر وكأنها لم تسمع ما قاله.
أعيش... في بيتك؟
أومأ بهدوء.
مؤقتًا.
هزت رأسها بسرعة.
مستحيل.
تدخل سيف محاولًا تهدئة الموقف.
يا أستاذة ندى، الموضوع مش...
قاطعته.
أنا مش هسيب شقتي، ولا شغلي، ولا حياتي.
ظل عمر صامتًا.
ثم قال
تمام.
تفاجأت من سرعة موافقته.
لكنها لم تكن تعرفه جيدًا بعد.
التفت إلى سيف.
هات المهندس.
بعد أقل من ساعة...
وصل مهندس ومعه فريق صيانة.
بدأوا في إصلاح باب الشقة، وتركيب باب فولاذي جديد، وكاميرات مراقبة، ونظام إنذار حديث.
وقبل أن يغادر، سلّم عمر ندى مفتاحًا صغيرًا.
إيه ده؟
زر استغاثة.
نظرت إليه باستغراب.
لو حصل أي حاجة... اضغطي عليه.
وهيعمل إيه؟
ابتسم سيف.
في أقل من خمس دقايق هنكون عندك.
تنهدت ندى.
إنتوا مجانين.
رد عمر بهدوء
ممكن.
بس هتفضلي آمنة.
مرّ أسبوع.
عاد عمر إلى عمله، وعادت ندى إلى مناوباتها في المستشفى.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير...
كان يرسل سائقًا كل صباح ليطمئن أنها وصلت إلى المستشفى، ويعود في نهاية المناوبة ليقلّها إلى المنزل.
وفي البداية كانت ترفض.
ثم اكتشفت أن الرفض لا يغيّر شيئًا.
وفي إحدى الليالي...
انتهت مناوبتها متأخرة.
خرجت من المستشفى، لكنها لم تجد السيارة المعتادة.
استغربت.
أخرجت هاتفها لتتصل بسيف.
لكن قبل أن تضغط على الرقم...
توقفت سيارة سوداء أمامها.
ظنت أنها السيارة المعتادة.
فتحت الباب الخلفي...
وجلست.
ثم رفعت رأسها.
وتجمد الدم في عروقها.
السائق...
لم يكن من رجال عمر.
التفت إليها رجل يجلس بجوارها.
كان في منتصف الأربعينيات، يرتدي بدلة أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة باردة.
قال بهدوء
أخيرًا اتقابلنا يا أستاذة ندى.
حاولت فتح الباب.
لكنه كان مغلقًا.
انطلقت السيارة بسرعة.
قال الرجل
متخافيش.
لم ترد.
أنا مش جاي أؤذيكي.
نظرت إليه بغضب.
أمال خطفتني ليه؟
ابتسم.
عشان أتكلم معاكي... بعيد عن عمر الدمنهوري.
تسارع نبضها.
إنت مين؟
مد يده إليها.
فريد الجمال.
اتسعت عيناها.
الاسم الذي ذكره عمر قبل أيام.
الرجل الذي ظن الجميع أنه مات.
قال فريد وهو يراقب صدمتها
واضح إنه حكالك عني.
ثم مال قليلًا نحوها.
وأضاف بصوت منخفض
بس أكيد... ما حكيش الحقيقة كلها.
يتبع...حبكتك مشوقة، لكن بما أن القصة تدور حول خطف وزعيم إمبراطورية إجرامية، فمن الأفضل ألا أساعد في تطوير مشاهد تمجّد أو تروّج لشخصية إجرامية. يمكن تحويلها إلى دراما تشويقية يظل فيها الجانب الإنساني هو المحور دون تقديم عالم الجريمة بصورة بطولية.
يمكن أن يستمر المشهد هكذا
تجمدت ندى في مكانها، لكنها أجبرت نفسها على التنفس بهدوء.
نظرت إلى الرجل الذي يجلس أمامها وقالت بثبات
لو عندك كلام... قوله بسرعة.
ابتسم فريد ابتسامة خفيفة.
أشجع مما توقعت.
لم ترد.
قال وهو يخرج ظرفًا بنيًا من حقيبته
أنا مش طالب منك حاجة... غير إنك تشوفي ده.
وضع الظرف أمامها.
ترددت لحظة، ثم فتحته.
كان بداخله صور قديمة.
إحداها تُظهر عمر قبل أحد عشر عامًا، يقف بجوار امرأة ترتدي معطفًا أبيض، وتبتسم للكاميرا.
وفي صورة أخرى...
كانت الفيلا نفسها قبل الحريق بأيام.
همست ندى
مين الست دي؟
قال فريد
الشخص اللي عمر مقتنع إنها خانته.
رفعت عينيها إليه.
وإنت بتقول إنها ما خانتوش؟
هز رأسه.
الحقيقة أعقد من كده.
ثم أخرج تسجيلًا صوتيًا صغيرًا ووضعه أمامها.
لو سمعتي التسجيل ده... هتعرفي إن اللي حصل ليلة الحريق مش زي ما عمر فاكر.
سكت لحظة ثم أكمل
لكن القرار في إيدك.
إما تسمعيه...
...أو ترجعيه لعمر من غير ما تفتحيه.
نظرت ندى إلى الظرف، ثم إلى التسجيل.
كانت تعلم أن أي اختيار ستتخذه قد يغيّر حياة عمر إلى الأبد.
وفي اللحظة نفسها...
رن هاتفها.
ظهرت على الشاشة كلمة واحدة
عمر.
ترددت وهي تنظر بين الهاتف والظرف، مدركة أن الثواني القادمة قد تكشف سرًا ظل مدفونًا طوال أحد عشر عامًا.
يتبع...أمسكت ندى الهاتف للحظة، ثم ضغطت زر الإجابة.
ألو؟
جاءها صوت عمر هادئًا، لكنه يحمل قلقًا واضحًا.
إنتِ فين؟
نظرت إلى فريد، الذي اكتفى بالإشارة إليها ألا تتكلم.
أجابت بحذر
أنا... اتأخرت شوية.
ساد صمت قصير.
ثم قال عمر
ندى.
عرفت من نبرته أنه شعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي.
قال بهدوء
لما تخلصي، اتصلي بيا.
حاضر.
أنهت المكالمة، وبقي الهاتف في يدها.
قال فريد
حتى من نبرة صوتك... عرف إن في حاجة.
لم ترد.
أعاد الظرف إليها.
خديه.
سألته
ليه ما تروحش تقوله الكلام ده بنفسك؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
لأنه مش هيصدقني.
وأنا هيصدقني؟
يمكن.
هزت رأسها.
أنا مش هبقى طرف بينكم.
أغلقت الظرف وأعادته إليه.
لو عندك حقيقة... واجه بيها صاحبها.
نظر إليها طويلًا، ثم أخذ الظرف دون اعتراض.
وقال
يمكن عشان كده... هو وثق فيكي.
فتح باب السيارة.
انزلي.
نظرت إليه بدهشة.
هتمشيني؟
أنا قلتلك... كنت عايز أتكلم.
نزلت من السيارة، فوجدت نفسها على بعد شارعين من المستشفى.
قبل أن يغلق الباب، قال فريد
قولي لعمر...
وسكت لحظة.
...إن الماضي بيرجع، سواء كان مستعد أو لأ.
ثم انطلقت السيارة واختفت بين الزحام.
وقفت ندى للحظات تحاول استيعاب ما حدث.
وبعد دقائق، توقفت سيارة سيف أمامها.
نزل منها مسرعًا.
أستاذة ندى! إنتِ كويسة؟
أومأت.
أنا كويسة.
بعد ثوانٍ، ترجل عمر من المقعد الخلفي، وبدا عليه التوتر لأول مرة منذ عرفته.
تقدم نحوها بسرعة، ثم توقف أمامها مباشرة.
نظر إليها من رأسها حتى قدميها ليتأكد أنها لم تُصب بأذى.
وسأل بصوت منخفض
لمسك حد؟
هزت رأسها.
لا.
أغمض عينيه للحظة، وكأنه تخلص من حمل ثقيل.
ثم فتحهما وقال
الحمد لله.
ترددت ندى، ثم قالت
عمر...
نعم؟
فريد قال إنه عايزك تعرف الحقيقة.
تغيرت ملامحه، لكنه لم يغضب.
بل قال بهدوء
وأنتِ صدقتيه؟
نظرت إليه بثبات.
أنا مصدقتش حد.
ثم أضافت
بس حاسة إن فيه جزء من القصة... لسه محدش قاله.
ظل عمر صامتًا.
كان يدرك في أعماقه أنها قد تكون محقة.
لكن الحقيقة التي دفنها منذ أحد عشر عامًا...
كانت الحقيقة نفسها التي يخشى مواجهتها أكثر من أي عدو في تلك الليلة...
لم يستطع عمر النوم.
جلس في مكتبه، وأمامه صندوق خشبي قديم لم يفتحه منذ سنوات.
دخل سيف بهدوء.
باشا.
لم يرفع عمر رأسه.
قول.
الرجالة أكدوا إن فريد اختفى تاني.
أومأ عمر بصمت.
ظل ينظر إلى الصندوق.
ثم قال فجأة
فاكر ليلة الحريق؟
نظر إليه سيف باستغراب.
أنساها إزاي؟
تنهد عمر.
في حاجة ما قلتهاش لحد.
ساد الصمت.
فتح الصندوق ببطء.
كان بداخله ساعة يد متفحمة، ومفتاح نحاسي، وصورة قديمة نصفها محترق.
أخذ الصورة بين يديه.
كانت تجمعه بوالدته وهو في العاشرة من عمره.
ابتسم ابتسامة باهتة.
أنا طول عمري فاكر إن أقسى حاجة حصلتلي هي النار.
ثم رفع عينيه إلى سيف.
بس الحقيقة...
...إني عشت سنين هارب من الذكرى أكتر من النار نفسها.
في الوقت نفسه...
كانت ندى في شقتها، تتذكر كل كلمة قالها فريد.
أخرجت هاتفها.
كتبت رسالة إلى عمر.
لو مش حابب تتكلم، أنا هتفهم. لكن لو في يوم احتجت حد يسمعك من غير ما يحكم عليك... أنا موجودة.
ظلت تنظر إلى الرسالة.
ثم أرسلتها.
بعد أقل من دقيقة...
وصلها الرد.
شكرًا.
ثم بعد ثوانٍ، رسالة أخرى.
ممكن أشرب قهوة معاكي بكرة... بعيد عن المستشفى؟
ابتسمت دون أن تشعر.
وردت
بشرط.
جاء الرد سريعًا
إيه هو؟
المرة دي... أنا اللي هعزم.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
ابتسم عمر وهو ينظر إلى شاشة هاتفه.
لم تكن ابتسامة رجل انتصر في صفقة...
ولا زعيم خرج من معركة...
بل ابتسامة رجل بدأ يشعر أن حياته يمكن أن يكون فيها شيء آخر غير الخوف والانتقام.
وفي صباح اليوم التالي...
كان موعد أول لقاء بينهما خارج جدران المستشفى...
لقاء لن يكون بصفة مريض وممرضة، بل بصفة شخصين يحاول كل منهما أن يتعرف إلى الآخر بعيدًا عن الألم والأسرار في صباح اليوم التالي...
وصلت ندى إلى المقهى قبل الموعد بعشر دقائق.
اختارت طاولة صغيرة بجوار النافذة، وطلبت فنجان قهوة.
كانت تشعر بشيء من التوتر.
هذه هي المرة الأولى التي ترى فيها عمر خارج المستشفى، بعيدًا عن أجهزة المراقبة والضمادات.
بعد دقائق...
توقفت سيارة سوداء أمام المقهى.
ترجل منها سيف أولًا، ونظر حوله بعناية.
تنهدت ندى وهي تتمتم
واضح إن العادة مش هتتغير.
لكنها فوجئت عندما أشار عمر إلى سيف أن يبقى خارجًا.
دخل وحده.
كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا داكنًا، دون البدلات الرسمية التي اعتادها.
اقترب من الطاولة وقال بابتسامة خفيفة
صباح الخير.
ابتسمت ندى.
صباح النور.
جلس أمامها.
ساد بينهما صمت قصير، ليس من النوع المزعج، بل صمت شخصين يحاولان أن يبدآ حديثًا طبيعيًا بعد كل ما مرا به.
قالت ندى وهي ترفع قائمة المشروبات
هتشرب إيه؟
نظر إليها.
إنتِ قلتي إنتِ اللي هتعزمي.
ضحكت.
وده معناه إنك لازم تطلب.
قهوة سادة.
أشارت إلى النادل.
وبعد أن غادر، قالت
بصراحة... أول مرة أشوفك من غير أجهزة طبية.
ابتسم.
وأنا أول مرة أقعد في مكان عام من غير ما أبقى مستعد لأي هجوم.
نظرت إليه باستغراب.
صعب تعيش كده.
هز رأسه.
صعب.
ثم أضاف بعد لحظة
بس يمكن... اتعودت.
قالت بهدوء
التعود مش دايمًا معناه إن الحاجة صح.
ظل ينظر إليها.
كانت هذه إحدى الصفات التي لفتت انتباهه منذ لقائهما الأول.
ندى لم تكن تخاف من قول الحقيقة، حتى لو كانت موجهة إليه.
وقبل أن يرد...
رن هاتف سيف في الخارج.
نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه.
دخل المقهى بسرعة، لكنه توقف عند الطاولة احترامًا لوجود ندى.
قال بصوت منخفض
باشا... في خبر.
رفع عمر عينيه.
قول.
الشرطة قبضت على واحد من رجالة فريد.
ساد الصمت.
ثم أكمل سيف
واضح إنه مستعد يتكلم.
نظر عمر إلى فنجان القهوة الذي لم يلمسه بعد.
ثم إلى ندى.
وقال بهدوء
واضح إن القهوة هتستنى.
ابتسمت بخفة.
ولا يهمك.
وقف عمر، ثم قال قبل أن يغادر
هعوضها.
ابتسمت.
أنا هحاسب على القهوة... متقلقش.
نظر إليها لثانية، ثم غادر مع سيف.
وبينما كانت تراقب السيارة وهي تبتعد...
لم تكن تعلم أن الرجل الذي ألقت الشرطة القبض عليه سيكشف معلومة تقلب كل ما يعرفه عمر عن ليلة الحريق رأسًا على عقب، وتجعل اسم ندى يدخل في قلب القضية بطريقة لم يتوقعها أحد بعد ساعة...
دخل عمر غرفة التحقيق بهدوء.
كان الرجل المقبوض عليه يجلس على الكرسي ورأسه منخفض.
رفع عينيه عندما رأى عمر.
وشحب وجهه.
قال بصوت مرتجف
أنا... ما كنتش أعرف إنك لسه عايش.
جلس عمر أمامه دون أن يتكلم.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم قال بهدوء
ابدأ.
ابتلع الرجل ريقه.
ليلة الحريق...
توقفت الكلمات في حلقه.
قال عمر بنبرة ثابتة
كمّل.
تنهد الرجل.
الأوامر ما كانتش إن الفيلا تتحرق.
انعقد حاجبا عمر.
إيه؟
الخطة كانت إنك تختفي... مش تموت.
ساد الصمت.
أكمل الرجل
بس حد غيّر الخطة في آخر لحظة.
نظر إليه عمر بعينين ثابتتين.
مين؟
هز الرجل رأسه.
ما شفتوش... كنت باخد أوامر عن طريق وسيط.
تدخل سيف
والوسيط؟
اختفى بعدها بأيام.
أطرق عمر برأسه للحظة.
كان يشعر أن كل ما بناه طوال أحد عشر عامًا بدأ يتصدع.
وفجأة قال الرجل
في حاجة تانية.
رفع عمر رأسه.
قول.
قبل الحريق بيومين... كان فيه ممرضة دخلت الفيلا.
تجمدت ملامح عمر.
ممرضة؟
أيوه.
بتعمل إيه؟
كانت جاية تكشف على والدتك.
ساد الصمت في الغرفة.
قال الرجل
اسمها...
وأخرج ورقة قديمة من جيبه.
ناولها لسيف.
فتحها سيف، ثم اتسعت عيناه.
نظر إلى عمر ببطء.
الاسم...
...ندى حسن.
وقف عمر فجأة.
مستحيل.
قال سيف بسرعة
أكيد تشابه أسماء.
لكن الرجل هز رأسه.
ده الاسم اللي كان مكتوب في سجل الزوار.
أغلق عمر عينيه.
كان يعرف أن ندى لا يمكن أن تكون هي نفسها، فالعمر لا يتطابق، لكن الاسم أعاد إلى السطح عشرات الأسئلة.
خرج من الغرفة دون كلمة.
وفي طريقه إلى السيارة...
أخرج هاتفه.
نظر إلى اسم ندى على الشاشة.
تردد.
ثم أغلق الهاتف دون أن يتصل.
أما في المستشفى...
فكانت ندى تساعد مريضًا صغيرًا على الابتسام بعد أن انتهت من تغيير الضمادات له.
ولم تكن تعلم...
أن اسمها أصبح، ولو بالصدفة، مرتبطًا بأقدم سر في حياة عمر، وأن ذلك التشابه
تم نسخ الرابط