زعيم أخطر إمبراطورية حكايات ميرااا

لمحة نيوز

بيد مرتعشة.
كانت قرارًا رسميًا بنقلها إلى قسم الطوارئ الحرجة، مع زيادة كبيرة في راتبها، وتكريم خاص لإنقاذ حياة مريض في ظروف استثنائية.
امتلأت عيناها بالدموع.
فهمست
أنا... كنت بعمل شغلي بس.
ابتسم المدير.
لأ... إنتِ عملتِ حاجة محدش غيرك قدر يعملها.
وفي تلك اللحظة...
صدر صوت خافت من داخل غرفة العناية.
كان عمر قد بدأ يستعيد وعيه.
فتح عينيه ببطء...
وأول سؤال خرج من بين شفتيه لم يكن
فين سيف؟
ولا
إيه اللي حصل؟
بل قال بصوت ضعيف
ندى... فين ندى؟
نظر سيف إلى الممرضة الواقفة في آخر الممر.
ثم ابتسم لأول مرة منذ سنوات.
وقال
واضح إن حياة الباشا... هتتغير من النهارده وقفت ندى مكانها وهي تنظر إلى باب غرفة العناية المركزة.
التفت إليها الطبيب.
هو فاق... لكن ممنوع يدخل له أي حد.
وقبل أن ترد...
خرج صوت غاضب من داخل الغرفة.
مش هكررها.
تبادل الأطباء النظرات.
ثم جاء صوته مرة أخرى، أضعف لكنه حاسم
هاتوا... ندى.
تنهد الطبيب وقال
واضح إنه مش هيهدأ غير لما يشوفك.
دخلت ندى ببطء.
كان عمر مستلقيًا على السرير، شاحب الوجه، وأجهزة المراقبة تحيط به من كل جانب.
لكن عينيه كانتا ثابتتين عليها.
قالت بابتسامة خفيفة
صباح الخير.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
إنتِ رجعتي.
ضحكت بخفة.
هو أنا كنت مسافرة؟
لأول مرة...
ارتسمت على وجه عمر ابتسامة صغيرة، بالكاد تُرى.
قال بصوت خافت
افتكرت... لما أصحى... هتختفي.
اقتربت من السرير.
أنا ممرضة... شغلي أطمن على المرضى.
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال
كذابة.
رفعت حاجبيها باستغراب.
ليه؟
لأنك قعدتي بعد ما شغلك خلص.
لم تعرف بماذا تجيب.
كان محقًا.
لو كانت تعامله كمجرد مريض، لكانت غادرت منذ ساعات.
قطع الصمت صوت طرقات على الباب.
دخل سيف.
انحنى قليلًا احترامًا.
باشا.
أومأ عمر دون أن ينظر إليه.
كل اللي حاول يقترب من المستشفى اتصرفنا معاه.
تمام.
وفي صحفيين بره.
قال عمر ببرود
ولا كلمة.
ثم أشار بعينيه إلى ندى.
هي تفضل.
نظر سيف إليها للحظة.
ثم خرج دون اعتراض.
بعد دقائق...
دخل الطبيب ليطمئن على الجرح.
اقترب بحذر، لكنه توقف عندما رأى التوتر يعود إلى وجه عمر.
قالت ندى للطبيب
استنى ثانية.
ثم التفتت إلى عمر.
فاكر امبارح؟
أومأ.
هشرح لك كل خطوة قبل ما تحصل.
تنفس بلكن في مساء اليوم نفسه...
حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه.
كانت ندى تراجع ملفات المرضى في محطة التمريض عندما توقفت أمامها ممرضة شابة وهي تلهث.
ندى... أوضة 701.
رفعت رأسها بسرعة.
ماله؟
رافض ياخد العلاج.
تنهدت ندى.
خليه يرفض.
هزت الممرضة رأسها.
مش أي مريض...
وفهمت ندى فورًا.
عمر.
أغلقت الملف واتجهت نحو المصعد.
وعندما دخلت الغرفة...
وجدته جالسًا على حافة السرير رغم أوامر الأطباء بالراحة.
ذراعه موصولة بالمحاليل.
والتجهم المعتاد عاد إلى وجهه.
قالت وهي تعقد ذراعيها
سمعت إنك عامل إضراب.
رفع عينيه إليها.
أنا كويس.
آه طبعًا... عشان كده عندك ثلاث جروح ورصاصة كانت هتقتلك من يومين.
لم يرد.
اقتربت من طاولة الأدوية.
ليه رافض العلاج؟
ظل صامتًا للحظة.
ثم قال
غيري اللي بيجيبه.
تجمدت.
إيه؟
أشار إلى الباب.
كل شوية حد جديد يدخل الأوضة.
فهمت.
بعد العملية بدأ يتحسن، لكن لمس الغرباء أو اقترابهم ما زال يثير داخله الذعر.
قالت بهدوء
يا عمر... المستشفى مش هتشتغل كلها عشاني.
نظر إليها مباشرة.
مشكلتي.
حاولت ألا تضحك.
أخطر رجل في القاهرة كان يتحدث بعناد طفل عمره عشر سنوات.
وبينما كانت تجهز الدواء...
لاحظت شيئًا غريبًا.
يداه ترتجفان.
ارتجافة خفيفة جدًا.
لكنها موجودة.
رفعت نظرها إليه.
أنت نمت كام ساعة؟
لم يجب.
عمر.
تنهد.
ولا ساعة.
ليه؟
ساد الصمت.
ثم قال أخيرًا
كل ما أغمض عيني...
وتوقف.
لم يكمل.
لكنها فهمت.
الفيلا.
الحريق.
الصراخ.
أحد عشر عامًا مرت...
وما زال يعيش داخل تلك الليلة.
جلست على الكرسي المقابل له.
عندك كوابيس؟
أومأ ببطء.
ولأول مرة منذ عرفته...
رأت التعب الحقيقي في عينيه.
ليس تعب الجسد.
بل تعب روح تحملت أكثر مما ينبغي.
قال بصوت منخفض
أصحى وأنا حاسس إني لسه هناك.
لم ترد فورًا.
ثم قالت
تعرف حاجة؟
نظر إليها.
أنا كمان كان عندي حاجة بخاف منها سنين.
رفع حاجبه.
إيه؟
ابتسمت بحرج.
الناس.
نظر إليها باستغراب.
فضحكت.
بجد.
وأشارت إلى نفسها.
طول عمري كنت أتجنب أي مكان فيه ناس كتير.
ليه؟
عشان التعليقات.
سكتت لحظة.
كل ما أدخل مكان حد يبص على وزني... أو يعلق... أو يضحك.
أخفضت عينيها.
وفي الآخر صدقت إن المشكلة فيا.
ظل عمر يستمع دون أن يقاطعها.
لحد ما فهمت إن الناس مش لازم تحدد قيمتي.
سكتت.
ثم نظرت إليه.
وزي ما أنا مش الحكايات اللي الناس قالتها عني...
وأشارت إلى صدره.
أنت مش الحريق.
ساد الصمت في الغرفة.
طويلًا.
عميقًا.
حتى إن صوت الأجهزة بدا بعيدًا.
ثم قال عمر أخيرًا
إنتِ غريبة.
ضحكت.
أهو أحسن من مرعبة.
وفجأة...
وللمرة الأولى منذ دخوله المستشفى...
ضحك عمر الدمنهوري.
ضحكة قصيرة وخافتة.
لكنها كانت حقيقية.
في الخارج، كان سيف مارًا بالممر.
توقف عندما سمع الصوت.
تجمد مكانه.
ثم التفت إلى الحارس بجواره.
سمعت؟
سمعت يا باشا.
هز سيف رأسه بعدم تصديق.
وقال
أنا بشتغل معاه من خمسة عشر سنة...
ونظر نحو باب الغرفة المغلق.
...وعمري ما سمعته يضحك.
يتبع...في صباح اليوم التالي...
استيقظت ندى على رنين هاتفها قبل موعد مناوبتها بساعتين.
نظرت إلى الشاشة.
الرقم تابع للمستشفى.
ردت بسرعة.
ألو؟
جاءها صوت مدير التمريض مرتبكًا.
ندى... تعالي حالًا.
اعتدلت في جلستها.
فيه إيه؟
متسأليش... بس تعالي.
بعد نصف ساعة...
كانت تدخل المستشفى بخطوات سريعة.
لكنها توقفت فجأة.
الممر المؤدي إلى العناية المركزة كان مليئًا برجال يرتدون بدلات سوداء.
كل واحد منهم يقف في صمت.
كأن المكان تحول إلى قلعة.
تقدمت بخوف.
فأوقفها أحد الحراس.
قبل أن تتكلم...
خرج صوت سيف من آخر الممر.
سيبوها.
تنحى الجميع فورًا.
دخلت ندى وهي لا تفهم ما يحدث.
وجدت عمر جالسًا على السرير، يرتدي ملابس المرضى، لكنه كان يبدو أكثر قوة من الأيام السابقة.
نظر إليها بمجرد دخولها.
وقال بهدوء
اتأخرتي.
عقدت ذراعيها.
أنا أصلاً مش شغالة دلوقتي.
قال ببرود
دلوقتي بقيتي.
زفرت بضيق.
هو حضرتك فاكر إن المستشفى كلها بتشتغل عندك؟
ولدهشتها...
خفض عمر رأسه قليلًا.
ثم قال
معلش.
تجمدت.
هل اعتذر؟
حتى سيف، الذي كان يقف بجوار الباب، اتسعت عيناه.
اقتربت ندى.
وضعت ظهر يدها على جبينه لتطمئن على حرارته.
ثم سحبتها بسرعة وهي تتذكر أنه لا يحب اللمس.
لكن عمر لم يعترض.
بل قال بهدوء
المرة دي... ما ضايقنيش.
ابتسمت.
دي علامة كويسة.
وقبل أن تكمل...
دخل الطبيب المعالج يحمل تقريرًا في يده.
أستاذ عمر... في حاجة لازم تعرفها.
رفع عمر نظره إليه.
الرصاصة اللي كانت جنب الضلوع سببت فقدان دم كبير.
وبعدين؟
هنحتاج تنقل دم لو التحاليل ما اتحسنتش.
ساد الصمت.
ثم قال عمر ببرود
هاتوا أي متبرع.
نظر الطبيب إلى الملف.
ثم قال بتردد
المشكلة إن فصيلة دمك نادرة جدًا.
إيه هي؟
AB سالب.
تبادل الجميع النظرات.
قال سيف
هنجيب متبرعين من أي مكان.
هز الطبيب رأسه.
مش بالساهل.
في تلك اللحظة...
قالت ندى بهدوء
أنا AB سالب.
التفتت إليها كل الرؤوس دفعة واحدة.
نظر إليها الطبيب بدهشة.
متأكدة؟
أومأت.
اتبرعت قبل كده... وفاكراها.
وقف سيف مصدومًا.
أما عمر...
فبقي ينظر إليها في صمت طويل.
ثم قال بصوت منخفض
إنتِ كل مرة... بتنقذيني بطريقة جديدة.
ابتسمت ندى وهي تهز رأسها.
لسه ما عملتش حاجة.
لكنها لم تكن تعلم...
أن هذا القرار البسيط سيجعل اسمها، منذ تلك اللحظة، مرتبطًا بحياة أخطر رجل في القاهرة بطريقة لم يكن أي منهما يتوقعها بعد ساعة...
كانت ندى مستلقية على سرير التبرع بالدم.
الأنبوب الشفاف ينقل الدم ببطء إلى الكيس الطبي.
دخل الطبيب ليطمئن عليها.
عاملة إيه؟
ابتسمت.
كويسة.
في الجهة المقابلة، كان عمر يراقب المشهد من خلف الزجاج، بعدما أصرّ على الجلوس رغم اعتراض الأطباء.
قال سيف بصوت منخفض
باشا... ارجع أوضتك.
هز عمر رأسه.
لأ.
هي بخير.
عارف.
أمال واقف ليه؟
ظل صامتًا.
ثم قال لأول مرة باعتراف لم يتوقعه أحد
لأنها بتتعب بسببي.
نظر إليه سيف بدهشة.
خمسة عشر عامًا وهو يعرف عمر الدمنهوري.
لم يسمعه يومًا يشعر بالذنب تجاه أحد.
انتهى التبرع.
خرجت ندى وهي تشعر بدوار خفيف.
وقبل أن تخطو خطوتين...
اختل توازنها.
لكن يدًا قوية أمسكت بالكرسي خلفها قبل أن تسقط.
كان عمر.
رغم أن الطبيب منعه من الحركة، خرج بنفسه من غرفته.
قالت بضيق
إنت المفروض ترتاح.
رد بهدوء
وإنتِ المفروض ما تتبرعيش وإنتِ لسه خارجة من مناوبة.
ابتسمت رغم إرهاقها.
إحنا الاتنين عناد.
هز رأسه.
واضح.
أحضرت ممرضة كوب عصير.
ناولته لندى.
لكن عمر أخذه أولًا...
ثم مدّه إليها بنفسه.
ترددت وهي تنظر إليه.
فضحك سيف من بعيد وقال
خديه.
التفتت إليه باستغراب.
أكمل مبتسمًا
دي أول مرة أشوف الباشا يخدم حد بإيده.
احمرّ وجه ندى قليلًا.
وأخذت الكوب.
شكرًا.
نظر إليها عمر للحظة.
ثم قال
أنا اللي المفروض أشكرك.
في المساء...
وصل إلى المستشفى رجل أنيق في الستين من عمره.
كان محامي عمر الشخصي.
دخل الغرفة ووضع ملفًا كبيرًا على الطاولة.
باشا... فيه أوراق لازم توقّعها.
بدأ عمر يقلب الصفحات بسرعة.
ثم توقف عند ورقة معينة.
رفع رأسه.
ضيف اسم جديد.
تعجب المحامي.
اسم مين؟
نظر عمر نحو الباب، حيث كانت ندى تمر في الممر الخارجي.
وقال بهدوء
ندى حسن.
اتسعت عينا المحامي.
في إيه؟
قال عمر دون أن يرفع صوته
لو حصلي أي حاجة...
...تبقى مؤمنة ماليًا طول عمرها.
صمت المحامي.
وصمت سيف.
حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه توقف.
قال المحامي بحذر
باشا... حضرتك بتتكلم عن مبلغ...
قاطعه عمر
عارف بتكلم عن إيه.
بس هي مستحيل توافق.
عشان كده... مش هتعرف غير لو أنا مت.
وفي اللحظة نفسها...
كانت ندى تقف خارج الباب، على وشك أن تطرق للدخول...
فتوقفت عندما سمعت آخر جملة.
تجمدت مكانها.
ولم تكن تعرف...
أن ما سمعته سيغيّر كل شيء بينهما في الأيام القادمة تراجعت ندى خطوة إلى الخلف.
لم تكن تقصد التنصت.
لكن الكلمات وصلت إليها بوضوح.
لو حصلي أي حاجة... تبقى مؤمنة ماليًا طول عمرها.
شعرت بانقباض في صدرها.
طرقت الباب بخفة حتى تُشعرهم أنها وصلت الآن فقط.
ممكن أدخل؟
أغلق عمر الملف فورًا.
اتفضلي.
دخلت وهي تتظاهر بأنها لم تسمع شيئًا.
ابتسم المحامي في مجاملة وغادر الغرفة، ولحقه سيف بعد أن أغلق الباب بهدوء.
ساد الصمت.
كانت ندى تغيّر المحلول دون أن تنظر إليه.
لاحظ عمر ذلك.
في حاجة مضايقاكي؟
هزت رأسها.
لأ.
بتكدبي.
التفتت إليه أخيرًا.
هو حضرتك ليه متعود تقول للناس إنهم بيكدبوا؟
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه.
لأن أغلبهم بيكدب.
تنهدت.
ثم قالت مباشرة
أنا مش محتاجة فلوس.
تجمدت ملامحه.
عرف فورًا أنها سمعت.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم قال بهدوء
إذن سمعتي.
أومأت.
وضعت الملف على الطاولة.
وقالت بحزم
أنا أنقذتك لأني ممرضة... مش عشان آخد مقابل.
رد بهدوء لم تتوقعه
وأنا ما قلتش إنه مقابل.
أمال إيه؟
أخذ نفسًا عميقًا.
ضمان.
عقدت حاجبيها.
ضمان لإيه؟
نظر إلى النافذة.
الناس اللي حواليّ... بيموتوا.
ساد الصمت.
أكمل بصوت منخفض
ودي أول مرة من سنين أحس إن وجود شخص... فرق معايا.
ثم التفت إليها.
مش عايز وجودك يضيع لو أنا اختفيت.
شعرت ندى بشيء يهتز داخلها.
لكنها تماسكت.
أنا أقدر أعيش بشغلي.
ابتسم.
عارف.
يبقى بلاش تعمل كده.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم أغلق الملف بيده.
حاضر.
لم تصدق أنه وافق بهذه السهولة.
اقتربت لتفحص الجرح.
وبينما كانت تغيّر الضمادة، قال فجأة
بس عندي طلب.
رفعت رأسها.
إيه هو؟
لما أخرج من المستشفى...
توقفت يدها.
...كمّلي شغلك.
ابتسمت.
طبعًا.
هز رأسه.
قصدي... متستقيليش بسببي.
نظرت إليه باستغراب.
هو حد قالك إني هعمل كده؟
لأ.
يبقى متفترضش.
وللمرة الثانية...
ضحك عمر.
ضحكة أطول قليلًا من السابقة.
وفي الخارج، كان سيف يمر بالممر عندما سمع الضحكة.
ابتسم وهو يهز رأسه.
ثم قال لأحد رجاله
واضح إن الباشا اللي كان الناس كلها تخاف منه...
ونظر إلى باب الغرفة.
...بقى فيه حد يخليه ينسى خوفه هو كمان.
يتبع...مرّت ثلاثة أيام.
تحسنت حالة عمر بشكل ملحوظ، حتى إن الأطباء بدأوا يتحدثون عن خروجه من المستشفى خلال يومين إذا استمرت النتائج على هذا النحو.
لكن صباح اليوم الرابع...
دخلت ندى إلى غرفته كعادتها، فتوقفت فجأة.
السرير...
كان فارغًا.
تسارع نبضها.
التفتت إلى الممرضة المناوبة.
الأستاذ عمر فين؟
أجابت وهي مرتبكة
اختفى من نص ساعة... محدش شافه.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت إنذار في أنحاء المستشفى.
ركض الأطباء والحراس في كل اتجاه.
أما سيف، فكان يتحدث في جهاز اللاسلكي بعصبية
اقفلوا كل المخارج!
شعرت ندى بقلق حقيقي.
رغم كل ما يُقال عن عمر، كانت تعلم أنه لم يكن ليغادر وهو في هذه الحالة إلا لسبب خطير.
وبينما كانت تبحث في الممر...
لمحت باب سطح المستشفى مفتوحًا.
صعدت السلالم بسرعة.
وعندما وصلت...
وجدته واقفًا عند سور السطح، يحدق في أفق القاهرة مع شروق الشمس.
كان يرتدي ملابس المرضى، والهواء يحرك شعره الأسود.
اقتربت بخطوات هادئة.
المستشفى كلها بتدور عليك.
لم يلتفت.
قال بهدوء
كنت محتاج أشوف الشمس.
وقفت بجانبه على مسافة مناسبة.
كان ممكن تقول.
ابتسم ابتسامة باهتة.
أنا بقالي إحدى عشر سنة...
وسكت.
إحدى عشر سنة إيه؟
ما شفتش الشروق.
نظرت إليه بدهشة.
إزاي؟
كنت أنام مع الفجر... وأصحى بعد الظهر.
تنهد.
كنت بهرب من الليل... وفي نفس الوقت عمري ما شفت نهاية الليل.
ساد صمت طويل.
ثم قال
الليلة اللي ولعت فيها الفيلا... كانت قبل الفجر.
فهمت.
كان يكره تلك الساعة من اليوم.
اقتربت خطوة.
بس النهارده...
نظر إليها.
...إنت خرجت تشوفه.
ابتسم لأول مرة وهو ينظر إلى الشمس.
يمكن لأن حد أقنعني إن مش كل حاجة بتنتهي بالنار.
في تلك اللحظة...
انفتح باب السطح بقوة.
اندفع سيف وعدة حراس، وكلهم يلهثون.
باشا!
نظر إليهم عمر بهدوء.
إيه؟
قال سيف بانفعال
قلبتوا المستشفى عليك!
نظر عمر إلى ندى، ثم عاد إلى سيف.
وقال ببرود، لكن بنبرة مختلفة عن المعتاد
كنت مع الممرضة.
تبادل الحراس النظرات.
أما سيف...
فاكتفى بالابتسام.
لأنه أدرك أن أخطر رجل عرفه لم يعد يخشى اللمسة فقط...
بل أصبح يخشى أن يفقد الشخص الذي أعاده إلى الحياة بعد يومين...
وقف عمر أمام باب المستشفى، مستعدًا للمغادرة.
اصطف عشرات الرجال ببدلات سوداء في الخارج.
سيارات فاخرة تملأ الشارع.
ووسائل الإعلام تحاول الاقتراب، لكن الحراس أبعدوهم.
أنهى الطبيب آخر التعليمات.
الجرح لسه محتاج متابعة أسبوعين.
أومأ عمر باقتضاب.
ثم نظر حوله.
ندى فين؟
أجابه الطبيب
كانت في عملية طارئة من الصبح.
ساد الصمت.
كان واضحًا أنه لن يغادر قبل أن يراها.
مرّت عشر دقائق...
ثم خرجت ندى من غرفة العمليات، وشعرها مبعثر قليلًا وعلامات الإرهاق بادية على وجهها.
ما إن رأته حتى ابتسمت.
مبروك الخروج.
نظر إليها طويلًا، ثم قال
جيت أودعك.
ضحكت.
دي مستشفى مش سفر.
أخرج من جيب سترته علبة صغيرة مخملية.
ارتبكت.
إيه دي؟
ناولها لها.
افتحيها.
فتحتها ببطء.
وجدت بداخلها دبوسًا فضيًا صغيرًا على شكل جناحين، يتوسطه رمز الهلال الطبي.
قالت باستغراب
ده غالي جدًا... أنا مقدرش آخده.
هز رأسه.
مش مجوهرات.
أمال إيه؟
قال بهدوء
ده كان بتاع أمي.
تجمدت.
أكمل بصوت خافت
كانت ممرضة.
رفعت عينيها إليه في دهشة.
لأول مرة...
يتحدث عن عائلته.
قال
هي اللي علمتني زمان إن اللي ينقذ روح... يستحق الاحترام أكتر من أي صاحب سلطة.
نظر إلى الدبوس.
بعد ما ماتت... احتفظت بيه.
ثم أعاد نظره إلى ندى.
وأعتقد إن مكانه معاكي.
امتلأت عيناها بالدموع.
أغلقت العلبة برفق وأعادتها إليه.
شكرًا... لكن لا.
نظر إليها متفاجئًا.
قالت بابتسامة دافئة
احتفظ بيه.
ليه؟
لأنه آخر حاجة فاضلة منك لأمك.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
ولو عايز تشكرني...
ابتسم لأول مرة قبل أن تكمل.
يبقى نفذ تعليمات الدكتور، وخد العلاج في معاده، ومتخلّيش الممرضين يتعبوا معاك.
ضحك سيف بصوت عالٍ من الخلف.
أما عمر...
فنظر إليها بإعجاب واضح.
ثم أغلق العلبة ووضعها في جيبه.
أول مرة حد يرفض هدية مني.
ابتسمت وهي ترفع كتفيها.
اتعود.
وقبل أن يستدير للمغادرة...
رن هاتف سيف فجأة.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
اقترب من عمر وهمس في أذنه.
في لحظة...
اختفت الابتسامة من وجه عمر.
تحولت ملامحه إلى الصرامة التي عرفها الجميع.
قال بصوت منخفض
متأكد؟
أومأ سيف.
للأسف.
سألته ندى بقلق
فيه حاجة؟
نظر إليها عمر لثوانٍ، وكأنه يفكر هل يخبرها أم لا.
ثم قال
في حد عرف إنك أنقذت حياتي...
سكت لحظة.
...وبدأ يسأل عنك بالاسم.
شعرت ندى بقشعريرة تسري في جسدها.
وأضاف سيف بجدية
وده معناه إنك ممكن تبقي في خطر.
وفي تلك اللحظة...
أدركت ندى أن قصتها مع عمر الدمنهوري لم تنتهِ بخروجه من المستشفى...
بل ربما بدأت للتو تجمدت ندى وهي تنظر بين عمر وسيف.
خطر؟
أومأ سيف ببطء.
الناس اللي بتعادي الباشا بتدور على أي نقطة ضعف.
قطبت ندى حاجبيها.
وأنا مالي؟ أنا مجرد ممرضة.
قال عمر بهدوء
بالنسبة لهم... مش مجرد ممرضة.
سادت لحظة صمت.
ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا قصيرًا.
من النهارده... يبقى فيه اتنين حراسة مدنية قدام بيتها، من غير ما يلفتوا النظر.
اعترضت ندى فورًا.
لا، مستحيل.
أنهى المكالمة ثم نظر إليها.
دي
تم نسخ الرابط