الجميع كان ينتظرها أن تتراجع حكايات ميرااا

لمحة نيوز

حازم
افتحيه... حالًا.
تنفست مريم بعمق، ثم كسرت ختم الشمع بأصابع مرتجفة.
لم تجد أوراقًا كثيرة.
ورقة واحدة فقط...
ومفتاحًا صغيرًا من النحاس.
فتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها كافيًا ليجعل قلبها يتوقف.
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة... فاعلمي أنني لم أمت بسبب الحريق، بل بسبب خيانة أقرب الناس إليّ.
حبست أنفاسها.
وأكملت القراءة.
يا مريم... الرجل الذي تثقين به اليوم، لا تثقي به بالكامل... والرجل الذي تخافين منه، قد يكون آخر من يحاول حمايتك.
نظرت إلى عمر بسرعة.
أما هو فظل صامتًا، وكأنه يعرف محتوى الرسالة منذ سنوات.
تابعت القراءة.
المفتاح الذي معك يفتح الخزانة رقم 17 في محطة مصر بالإسكندرية. بداخلها حقيبة سوداء... لا تسلميها لأحد، مهما كان اسمه.
ثم جاءت الجملة الأخيرة.
وإذا ظهر أمامك اسم فارس الكيلاني... اهربي فورًا.
شحب وجه عمر لأول مرة.
همست مريم
إنت تعرف فارس الكيلاني؟
أغمض عينيه لثانية، ثم قال
كنت أتمنى ألا يذكره أبوك.
مين هو؟
أجاب بصوت منخفض
الرجل الوحيد اللي حتى زعماء العصابات بيخافوا منه.
وقبل أن يكمل...
رن هاتف أحد رجال عمر.
فتح الخط، ثم تغير لون وجهه فجأة.
نظر إلى عمر وقال بصوت مرتجف
باشا...
فيه مشكلة.
البنت... سارة...
تقدمت مريم خطوة وهي تصرخ
مالها؟ انطق!
ابتلع الرجل ريقه وقال
لقينا شقتها مفتوحة...
لكن سارة... اختفت.
وفي منتصف غرفة سارة...
لم يترك الخاطفون سوى ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط أسود كبير
هاتوا المفتاح... وخدوا البنت.
يتبع...توقفت مريم عن التنفس للحظة.
سارة...
خرج الاسم من بين شفتيها كأنه استغاثة.
انتزع عمر الورقة من يد رجله، قرأها بسرعة، ثم مزقها إلى نصفين.
قال بهدوء غريب
دي مش رسالة... دي دعوة.
صرخت مريم
أختي مخطوفة وإنت بتقول دعوة؟!
نظر إليها بثبات.
اللي خطفها كان يقدر يقتلها.
لكنه ساب رسالة.
وده معناه إنه محتاج حاجة منك... قبل ما يمد إيده عليها.
لم يعجبها منطقه.
لكنها كانت تعرف أنه محق.
بعد أقل من عشرين دقيقة...
توقفت سيارة سوداء أمام محطة مصر بالإسكندرية.
كانت المحطة شبه خالية في ذلك الوقت من الليل.
أخرجت مريم المفتاح النحاسي.
كانت يدها ترتجف.
تقدمت نحو صف الخزائن الحديدية القديمة.
خمسة عشر...
ستة عشر...
ثم...
الخزانة رقم سبعة عشر.
أدخلت المفتاح.
دارت الأسطوانة بصوت معدني خافت.
ثم انفتح الباب.
لكن...
لم تكن هناك حقيبة سوداء فقط.
كان فوقها ظرف آخر.
وعليه عبارة بخط والدها
إذا وصلتِ إلى هنا... فاعلمي أنني فشلت في حمايتك.
فتحت الظرف بسرعة.
وجدت بداخله صورة قديمة.
كانت لها وهي في السادسة من عمرها.
تقف بين والدها...
ورجل آخر.
تأملت وجه الرجل لثوانٍ.
ثم شعرت بالدم يتجمد في عروقها.
همست
مستحيل...
خطف عمر الصورة من يدها.
وبمجرد أن رآها...
اتسعت عيناه.
لأن الرجل الذي يقف بجوار والدها...
لم يكن فارس الكيلاني.
ولم يكن مجرمًا مجهولًا.
بل كان...
اللواء نبيل الشاذلي.
أحد أشهر قيادات جهاز أمني سابق، والرجل الذي كانت القنوات التلفزيونية تصفه طوال سنوات بأنه بطل حارب أخطر العصابات في البلاد.
قال عمر بصوت منخفض
دلوقتي فهمت.
نظرت إليه مريم.
فهمت إيه؟
أجاب
أبوكي ما كانش هارب من العصابات بس...
كان هارب من ناس جوه الدولة كمان.
وقبل أن تستوعب كلماته...
سمعوا صوت تصفيق بطيء يأتي من خلفهم.
استدارا في اللحظة نفسها.
وقف رجل طويل القامة عند مدخل القاعة، يرتدي معطفًا رماديًا وقفازات سوداء.
كان يبتسم بهدوء.
وقال
برافو يا مريم...
وصلتي للحقيقة أسرع مما توقعت.
ثم خلع قبعته ببطء.
وفي اللحظة التي ظهر وجهه بالكامل...
تجمدت مريم في مكانها.
لأنها تعرف هذا الوجه...
وكانت تظنه مات مع والدها في ليلة الحريق.
يتبع...تسمرت مريم في مكانها.
حدقت في الرجل وكأن الزمن عاد بها خمسة عشر عامًا إلى الوراء.
خرج صوتها بالكاد مسموعًا
عم... عادل؟
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
كبرتِ يا بنت محمود.
كان عادل أقرب أصدقاء والدها.
الرجل الذي كانت تراه في بيتهم كل أسبوع، والذي اختفى ليلة الحريق، وقيل لها إنه مات داخل المنزل.
تقدمت مريم خطوة.
إنت حي؟
أومأ برأسه.
حي... لكن كان لازم العالم كله يفتكر إني مت.
رفع عمر سلاحه نحوه.
إوعى تتحرك.
نظر عادل إلى فوهة المسدس، ثم قال بهدوء
لو كنت جاي أقتلكم... ما كنتش هصفق قبل ما أدخل.
ساد الصمت.
ثم أخرج عادل من جيبه فلاشة صغيرة ووضعها على الأرض، ودفعها بقدمه نحو مريم.
كل الحقيقة عليها.
انحنت مريم لتلتقطها.
لكن عمر أمسك بذراعها.
استني.
وفي اللحظة نفسها...
أخرج أحد رجال عمر جهازًا صغيرًا من حقيبته، ومرره فوق الفلاشة.
بعد ثوانٍ قال
نظيفة... مفيهاش أي متفجرات أو أجهزة تتبع.
تنفست مريم الصعداء، وأخذتها.
قال عادل
الفيديو اللي عليها سجله أبوكي قبل موته بساعات.
ارتجفت يدها وهي تبحث عن حاسوب صغير داخل الحقيبة السوداء التي كانت في الخزانة.
شغلت الفلاشة.
ظهر وجه والدها على الشاشة.
كان متعبًا، وملابسه ملطخة بالدم.
نظر مباشرة إلى الكاميرا وقال
لو بتشوفي الرسالة دي يا مريم... يبقى أنا خلاص مش موجود.
انهمرت دموعها لأول مرة منذ سنوات.
أكمل والدها
اللي حرق البيت ما كانش عدوي الحقيقي... كان مجرد منفذ.
أما اللي خطط لكل حاجة...
توقف التسجيل للحظة بسبب تشويش.
ثم عاد الصوت.
...اسمه فارس الكيلاني.
تبادل عمر وعادل النظرات.
وأكمل محمود
فارس مش بيشتغل لوحده.
عنده شبكة كبيرة... فيها رجال أعمال... وضباط فاسدين... وسياسيين.
لكن أخطر واحد فيهم...
تجمدت الصورة مرة أخرى.
ثم انقطع الفيديو تمامًا.
ضربت مريم الطاولة بقبضتها.
لا!
حاول عمر تشغيل الملف مرة أخرى.
لكن الجزء الأخير كان تالفًا.
نظر عادل إليهما وقال
أنا أعرف اسم الشخص اللي الفيديو كان هيقوله.
سأله عمر بسرعة
مين؟
تنهد عادل ببطء.
وقبل أن ينطق...
اخترقت رصاصة زجاج المحطة.
استقرت في صدره مباشرة.
اتسعت عيناه.
ترنح إلى الخلف.
وسقط على الأرض.
ركضت مريم نحوه وهي تصرخ
عم عادل!
أمسك بيدها بصعوبة، وهمس بكلمات متقطعة
الاسم...
هو...
ثم توقف صوته.
وسكنت يده تمامًا.
رفعت مريم رأسها نحو مصدر الرصاصة.
وعلى سطح المبنى المقابل...
كان قناص يطوي بندقيته بهدوء، ثم اختفى في الظلام.
أما على الأرض، بجوار جثة عادل...
فكانت ورقة صغيرة حملتها الريح حتى استقرت عند قدميها.
وعندما فتحتها...
وجدت جملة واحدة فقط
كل من يقترب من الحقيقة... يموت.
يتبع...حدقت مريم في الورقة لثوانٍ.
ثم طوتها بهدوء شديد.
الغريب...
أنها لم تبكِ.
لم تصرخ.
ولم تنهَر.
نظر إليها عمر وقال
إحنا لازم نمشي حالًا.
لكنها لم تتحرك.
كانت تحدق في يد عم عادل الممدودة على الأرض.
ثم همست
استنى...
انحنت بجواره، وأبعدت كُمَّ سترته قليلًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
كنت متأكدة.
نظر إليها عمر باستغراب.
في إيه؟
أشارت إلى معصم عادل.
شوف.
كان هناك رقم صغير مكتوب بقلم حبر أزرق
4819
عبس عمر.
ده معناه إيه؟
قالت مريم
عم عادل كان عمره ما يكتب أرقام عشوائية.
ثم نظرت إلى سقف المحطة.
دي رسالة قبل ما يموت.
في تلك اللحظة، دوى صوت صفارات الشرطة خارج المحطة.
قال أحد رجال عمر وهو يركض نحوهم
باشا... المكان اتملى أمن.
أجاب عمر بسرعة
اخرجوا من المخرج الخلفي.
لكن مريم ظلت مكانها.
كانت تعيد الرقم في رأسها.
ثمانية وأربعين...
تسعة عشر...
ثم فجأة اتسعت عيناها.
مش أرقام...
نظر إليها عمر.
دي صفحات.
إيه؟
صفحة 48... سطر 19.
قال عمر بضيق
صفحة من إيه؟
أغلقت عينيها للحظة.
ثم تذكرت.
الحقيبة السوداء!
ركضت نحو الحقيبة التي كانت داخل الخزانة.
فتحتها بالكامل لأول مرة.
وفي القاع...
وجدت مصحفًا قديمًا بغلاف جلدي بني.
تجمدت.
هذا المصحف...
كانت تعرفه.
كان والدها لا يفارقه أبدًا.
فتحت الصفحة الثامنة والأربعين.
بدأت تعد السطور حتى وصلت إلى السطر التاسع عشر.
لكنها لم تجد رسالة.
وجدت شيئًا أغرب.
بين الصفحتين...
كانت ورقة نقدية قديمة مطوية بعناية.
فتحتها.
لم تكن نقودًا.
بل خريطة صغيرة مرسومة يدويًا.
وفي منتصفها...
علامة X حمراء.
وتحتها كلمة واحدة
المخزن.
وفي أسفل الورقة...
كتب والدها بخطه
إذا وصلتِ إلى هنا، فلا تذهبي وحدك... لأن من سيدلك على المكان الحقيقي ليس صديقًا... لكنه ليس عدوًا أيضًا.
رفع عمر رأسه وقال
عارف المكان ده.
نظرت إليه مريم بسرعة.
فين؟
أجاب وهو يطوي الخريطة
مخزن قديم في المنطقة الصناعية غرب الإسكندرية.
ثم أكمل بنبرة جادة
لكن له سمعة سيئة.
ليه؟
لأن أي حد دخله خلال آخر عشر سنين...
توقف لحظة.
...محدش خرج منه حي.
نظرت مريم إلى الخريطة مرة أخرى.
ثم رفعت رأسها وقالت بثبات
يبقى هنكون أول ناس يخرجوا.
ابتسم عمر للمرة الأولى منذ بداية الليلة.
وقال
واضح إن أبوكي فعلًا ربّى مقاتلة.
لكن بينما كانوا يغادرون المحطة...
كان رجل مجهول يقف داخل سيارة سوداء على الجانب الآخر من الطريق.
يراقبهم بمنظار.
ثم رفع جهاز الاتصال وقال بهدوء
المرحلة الأولى انتهت.
جاءه صوت بارد من الطرف الآخر
ومريم؟
ابتسم الرجل وهو يشاهدها تركب السيارة.
زي ما توقعت...
هي بنفسها ماشية للمكان اللي هنقفل فيه اللعبة للأبد.
يتبع...انطلقت السيارة السوداء تشق شوارع الإسكندرية الخالية قبل الفجر.
لم يكن أحد يتكلم.
كانت مريم تضم الحقيبة السوداء إلى صدرها، بينما كان عمر يقود بنفسه، وعيناه لا تفارقان المرآة.
بعد دقائق...
قال بهدوء
من ساعة ما خرجنا من المحطة... فيه عربية بتراقبنا.
التفتت مريم دون أن تنظر مباشرة إلى الخلف.
راقبت انعكاس الطريق في زجاج النافذة.
ثم قالت
سيدان فضي... من غير لوحة قدام.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة.
عرفتيها بسرعة.
أجابته
لأنها غيرت الحارة أربع مرات... وكل مرة كانت بتفضل على نفس المسافة.
ضغط عمر على دواسة الوقود.
ثم انعطف فجأة إلى شارع جانبي ضيق.
اختفت السيارة الفضية لثوانٍ...
ثم ظهرت من جديد.
قال عمر
اتأكدنا.
بعد نصف ساعة...
وصلا إلى المنطقة الصناعية.
كانت المخازن القديمة تقف كالهياكل الخرسانية المهجورة.
توقفت السيارة أمام باب حديدي ضخم، علاه الصدأ.
نظرت مريم إلى الخريطة.
ثم إلى الرقم المكتوب على الباب.
27
همست
هو ده.
نزل عمر أولًا، وأشار إلى رجاله بالانتشار.
لكن مريم أوقفتهم.
لا.
نظر إليها باستغراب.
ليه؟
أشارت إلى الأرض.
كانت هناك آثار أقدام واضحة...
كلها تدخل إلى المخزن.
ولا واحدة تخرج منه.
ساد الصمت.
قالت
فيه فخ.
ابتسم عمر.
عشان كده جبتك.
اقتربت مريم من الباب.
لم تحاول فتحه.
بل مررت يدها على الإطار المعدني، ثم انحنت إلى الأرض.
وبعد ثوانٍ...
التقطت سلكًا رفيعًا يكاد لا يُرى.
لو فُتح الباب مباشرة...
لانفجر المكان.
قطعته بحذر.
ثم فتحت الباب ببطء.
لم يحدث شيء.
نظر إليها
تم نسخ الرابط