الجميع كان ينتظرها أن تتراجع حكايات ميرااا

لمحة نيوز

الجميع كان ينتظرها أن تتراجع... لكنها نظرت إلى زعيم العصابة وقالت إياك تتحداني.
لم تتراجع خطوة واحدة.
لا عندما تحطم الكرسي وارتطم بالحائط.
ولا عندما لامس نصل المطواة اللامعة رقبتها من أسفل.
بينما كان آخر الزبائن يهربون من المقهى في حالة ذعر، بقيت مريم الشرقاوي واقفة مكانها، تحمل صينية مليئة بالكؤوس الفارغة، وكأنها شاهدت هذا المشهد مئات المرات من قبل.
أما الرجل الذي كان يمسك بالمطواة، فكان عمر المنصوري... الاسم الذي كانت ترتجف له شوارع القاهرة والإسكندرية.
كان الجميع يطلق عليه لقب الذئب الحديدي.
رجل انتشرت عنه الحكايات بأنه أنهى عائلات كاملة قبل أن يحتسي فنجان قهوته الصباحي.
كان يتوقع أن تصرخ.
أن ترتعش.
أن تتوسل.
لكنها رفعت عينيها إليه بنظرة باردة جعلت الشتاء يبدو دافئًا، ثم همست بأربع كلمات فقط...
إياك... تتحداني.
في تلك اللحظة، تجمد المكان كله.
كانت الساعة تقترب من الثانية إلا ربعًا بعد منتصف ليلة الخميس.
وفي مقهى شعبي قديم على أطراف ميناء الإسكندرية، كان الضباب يغطي المكان، بينما كانت لافتة النيون المعلقة فوق الباب تومض وكأنها تقول لكل من يراها
اهرب... قبل فوات الأوان.
كانت مريم تمسح الطاولة للمرة المئة تقريبًا في تلك الليلة.
في الرابعة والعشرين من عمرها.
الإرهاق كان يسكن عظامها، وعيناها تخفيان ماضيًا احترق بالكامل، أما يداها فكانتا تعرفان كيف تختفيان من أي مكان دون أن يلاحظ أحد.
لم تكن تبحث عن المشاكل.
كل ما كانت تريده هو جمع ما يكفي من المال لتُنقذ شقيقتها سارة، وتبدأ معها حياة جديدة بعيدًا عن كل شيء.
لكن المشاكل... كانت دائمًا تعرف طريقها إليها.
فتح الباب فجأة.
ولم يكن مجرد فتح باب...
بل كان إعلانًا بوصول شخص لا يحتاج إلى تعريف.
دخل أربعة رجال.
الثلاثة الذين خلفه كانوا أشبه بالحراس الشخصيين، يراقبون كل زاوية بعين لا تنام.
أما الرجل الذي يتقدمهم...
فكان عمر المنصوري.
بمجرد دخوله، شعر الجميع أن الهواء أصبح أثقل.
رجل بملامح حادة، وبدلة سوداء باهظة الثمن، وخطوات لا تمشي... بل تفرض سيطرتها على الأرض.
جلس في الركن الذي يكشف له كل المخارج.
أما رجاله، فتوزعوا في المكان كأنهم يحاصرونه.
تنهدت مريم بهدوء.
ثم حملت قائمة المشروبات، واتجهت نحوه دون أي تردد.
وضعتها أمامه قائلة
عندنا قهوة... وشاي... وعصير... ولو عايز أكل، المطبخ قفل من ساعة.
رفع عمر عينيه إليها.
وتوقف للحظة.
لأن هذا لم يحدث معه من قبل.
الناس عادةً كانت تتلعثم بمجرد رؤيته.
أما هي...
فكانت تتحدث معه وكأنه مجرد زبون عادي.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
إنتِ عارفة أنا مين؟
ردت بهدوء
عارفة إنك قاعد على الترابيزة اللي في مسؤوليتي... وده معناه إنك زبون.
ثم سألت ببساطة
تحب تشرب إيه؟
نظر إليها طويلًا.
كان الرجل الذي بنى إمبراطوريته بمجرد قراءة وجوه الناس.
لكن هذه الفتاة...
لم يجد فيها خوفًا.
ولا ارتباكًا.
ولا حتى توترًا.
فقط إرهاقًا عميقًا...
وضيقًا بسيطًا، كأنها تتعامل مع زبون بخيل لن يترك بقشيشًا.
بينما كانت تجهز المشروب، عادت بها الذاكرة سنوات إلى الوراء...
عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها.
كان والدها الحاج محمود الشرقاوي يعلمها فك وتركيب المسدس قبل أن تتعلم حل مسائل الرياضيات.
لم يكن يربي ابنته...
بل كان يصنع مقاتلة.
كان يقول لها دائمًا
مرة كمان... أسرع.
في البداية كانت يداها ترتجفان.
ثم...
توقفت عن الارتجاف إلى الأبد.
تدربت على القتال، والمراقبة، وتحليل الأشخاص، والتخفي.
وفي السادسة عشرة أصبحت تستطيع معرفة أخطر شخص في أي غرفة خلال ثوانٍ معدودة.
لكن كل شيء انتهى...
في الليلة التي احترق فيها منزلهم بالكامل.
آخر ما قاله لها والدها قبل أن يدفعها خارج المنزل المشتعل كان
اهربي... وانسي إنك كنتِ حد.
ومنذ ذلك اليوم...
اختفت مريم.
غيرت شكلها.
واسمها.
وحياتها.
وأصبحت مجرد نادلة بسيطة...
حتى ظنت أن الماضي لن يعثر عليها أبدًا.
لكنها كانت مخطئة.
عاد عمر المنصوري بعد ثلاثة أيام.
هذه المرة...
جاء وحده.
جلس أمامها وقال بهدوء
جاي أعرض عليكِ شغل.
ضحكت بسخرية.
وقالت
أنا عندي شغل بالفعل... صحيح المرتب ضعيف، لكن على الأقل محدش بيحاول يدخلني عالم العصابات.
ابتسم وقال
أنا مش محتاج قاتلة...
أنا محتاج واحدة بتشوف اللي محدش بيشوفه.
ثم نطق باسمها الحقيقي لأول مرة منذ سنوات
مريم الشرقاوي...
بنت محمود الشرقاوي...
الكل فاكرك متِ في الحريق.
شحب وجهها.
لأنها أدركت...
أن الرجل الوحيد الذي كانت تخشاه...
قد وجدها أخيرًا.
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا 
بعد أن نطق باسمها الحقيقي...
لم تتحرك مريم.
ولم تسقط منها الصينية.
حتى أن أنفاسها بقيت منتظمة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
نظرت إليه بثبات وقالت
لو كنت عرفت اسمي... يبقى أكيد عرفت إنك لازم تبعد عني.
ابتسم عمر ابتسامة صغيرة، ثم أخرج من جيب بدلته صورة قديمة ووضعها أمامها.
كانت صورة لوالدها.
الحاج محمود.
لكن لم يكن وحده.
كان يقف بجوار رجل آخر... كتفه يلامس كتفه، وكأنهما كانا شريكين.
اتسعت عيناها.
مين ده؟
أجاب عمر بهدوء
أبويا.
ساد الصمت.
حتى صوت الموج القادم من الميناء بدا وكأنه اختفى.
قال عمر
قبل خمسة عشر سنة... كان أبويا وأبوكي بيشتغلوا مع بعض.
هزت رأسها بعنف.
مستحيل... أبويا عمره ما كان مجرم.
تنهد عمر وقال
وده أكبر كدبة صدقتيها.
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
لكنها تماسكت.
إنت كذاب.
دفع نحوها ملفًا بنيًا قديمًا.
افتحيه.
ترددت للحظة...
ثم فتحته.
في الداخل كانت هناك صور، وتقارير، وخطابات بخط يد والدها.
وفي آخر صفحة...
رسالة قصيرة.
لو حصل لي حاجة... ابنتي مريم هي المفتاح الوحيد لإيقافهم.
ارتجفت أصابعها.
كانت تعرف خط والدها جيدًا.
لا يمكن تزويره.
همست
يعني... هو كان عايش وهو عارف إنهم هيوصلوا ليا؟
أومأ عمر برأسه.
ولذلك أخفاكي.
ثم مال بجسده للأمام وقال بصوت منخفض
الحريق اللي فاكرة إنه قتل أبوكي...
كان مجرد بداية.
قبل أن تستوعب كلماته...
دوّى انفجار هائل في الخارج.
اهتزت نوافذ المقهى بقوة، وتناثر الزجاج فوق الأرض.
قفز الزبائن مذعورين.
وفي اللحظة نفسها...
اندفع ثلاثة رجال ملثمون إلى الداخل، يحملون أسلحة آلية.
صرخ أحدهم
محدش يتحرك!
لكن مريم لم تنتظر.
خلال ثانية واحدة فقط، أمسكت إبريق القهوة المغلي، وقذفته في وجه أول مهاجم.
تعالت صرخته وهو يسقط أرضًا.
وفي اللحظة التالية، انتزعت كرسيًا خشبيًا وضربت به الثاني قبل أن يتمكن من رفع سلاحه.
أما الثالث...
فكان قد وجه بندقيته مباشرة نحو عمر.
دوى صوت الرصاصة...
لكن مريم اندفعت أمامه دون تفكير.
شعر عمر بشيء دافئ يتناثر على يده.
نظر إليها...
فرأى الدم يسيل من كتفها.
لأول مرة منذ سنوات طويلة...
ارتبك الذئب الحديدي.
صرخ باسمها
مريم!
رفعت رأسها بصعوبة، وابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت
واضح... إن الشغل اللي عرضته... بدأ قبل ما أوافق.
وفي تلك اللحظة...
دخل عشرات الرجال المسلحين من كل الجهات، وتحول المقهى الصغير إلى ساحة حرب، بينما أدرك عمر أن السر الذي أخفته مريم طوال هذه السنوات أخطر بكثير مما كان يتخيل...
يتبع...اختفت الابتسامة من وجه عمر في اللحظة التي رأى فيها الدم ينساب من كتف مريم.
صرخ بأعلى صوته
اقفلوا كل المخارج... محدش يخرج حي!
في أقل من عشر ثوانٍ، تحولت ساحة المقهى إلى فوضى كاملة.
أزيز الرصاص.
وصراخ الزبائن.
وتحطم الزجاج.
لكن وسط كل ذلك...
كانت مريم تتحرك بهدوء غريب.
ضغطت بيدها على كتفها المصاب، ثم خطفت مسدسًا سقط من أحد المهاجمين، ونظرت سريعًا إلى زوايا المكان.
همست
خمسة.
نظر إليها عمر باستغراب.
إيه؟
قالت دون أن تلتفت إليه
اللي دخلوا تلاتة... لكن فيه خمسة.
لم يفهم.
حتى انطلقت رصاصتان من سطح المبنى المقابل، لتحطما النافذة خلف رأسه مباشرة.
لو لم ينحنِ في اللحظة الأخيرة...
لكانت الرصاصة اخترقت جمجمته.
التفت إليها بذهول.
إنتِ عرفتي إزاي؟
أجابت وهي تعيد تلقيم المسدس
لأن اللي بيبعت تلاتة يلفتوا الانتباه... بيبعت اتنين يخلصوا المهمة.
ابتسم عمر رغم الموقف.
لأول مرة منذ سنوات...
وجد شخصًا يقرأ المعركة بنفس طريقته.
لكنها كانت أسرع.
بعد دقائق قليلة...
سقط آخر المهاجمين أرضًا.
هرب اثنان.
وقُتل الباقون.
ساد الصمت.
لم يعد يُسمع سوى صفارات الشرطة البعيدة.
اقترب أحد رجال عمر وهو يلهث.
باشا... لقينا ده مع واحد منهم.
كان يحمل هاتفًا محمولًا.
فتحه عمر.
ظهرت رسالة واحدة فقط.
الهدف الأساسي مريم الشرقاوي. في حالة الفشل... اقتلوا أختها.
تجمدت مريم.
اختفى اللون من وجهها.
سارة...
أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بها.
مرة...
اثنتين...
ثلاثًا...
الهاتف مغلق.
شعرت بأن قلبها يتوقف.
همست
لا... أرجوكِ ردي.
نظر إليها عمر، ثم التفت إلى رجاله.
هاتولي العربية.
قال أحدهم
باشا... الشرطة جاية.
رد ببرود
خليهم يجوا.
ثم أمسك بيد مريم لأول مرة.
من النهارده... أختك مسؤوليتي.
سحبت يدها بعنف.
أنا مش بثق فيك.
أجابها دون أن يغضب
وأنا مش طالب منك تثقي.
ثم نظر إليها بعينين حادتين وقال
لكن الشخص اللي بيدور عليكِ... هو نفسه اللي قتل أبوكي.
توقفت.
إنت قلت إن أبويا مات في الحريق.
هز رأسه ببطء.
لا.
أبوكي خرج من الحريق حي...
واتقتل بعدها بسبع ساعات.
شعرت مريم وكأن الهواء اختفى من حولها.
كل ما عاشته طوال السنوات الماضية...
كان كذبة.
لكن الصدمة الأكبر لم تكن هذا.
بل عندما أخرج عمر ظرفًا صغيرًا من جيبه.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعليه بخط يد واضح
لا تُفتح إلا بواسطة ابنتي... مريم.
ارتجفت أصابعها وهي تنظر إلى الظرف.
لقد كانت ترى خط والدها من جديد...
وكأنه عاد من الموت ليترك لها رسالة أخيرة.
وفي اللحظة التي همّت فيها بفتح الظرف...
دوّى انفجار جديد في الخارج، أقوى من الأول.
واهتزت الأرض تحت أقدامهم...
يتبع...دوّى الانفجار حتى اهتزت جدران المقهى، وانطفأت الأنوار للحظة.
تطاير الغبار في كل مكان.
أمسك عمر بذراع مريم وجذبها خلف عمود خرساني قبل أن تتساقط قطع الزجاج من السقف.
صرخ أحد رجاله
باشا... العربية اتفجرت!
لم يرد عمر.
كان ينظر فقط إلى الظرف المختوم بالشمع الأحمر في يد مريم.
قال بصوت

تم نسخ الرابط