كنت رايحة أعمل مقابلة شغل واخر فرصة في حياتي…

لمحة نيوز

اللي الناس كلها بتتكلم عنها؟
ابتسم الرجل الأكبر سنًا وقال
آه... لكن اللي حصل وقتها أكبر بكتير مما اتكتب في الجرائد.
دخلت مريم المبنى، ولاحظت فتاة تقف عند الباب، تحاول تنظيف آثار طين من على حذائها بمنديل ورقي.
كانت تنظر إلى الأرض في خجل.
توقفت مريم مكانها.
عادت إليها كل الذكريات في لحظة.
اقتربت من الفتاة وقالت بابتسامة
أول مقابلة شغل؟
رفعت الفتاة رأسها في دهشة.
حضرتك عرفتي منين؟
ضحكت مريم وقالت
لأنني كنت مكانك يومًا.
خلعت مريم معطفها، ووضعته على كتفي الفتاة حتى لا تشعر بالإحراج.
ثم قالت لموظف الاستقبال
سجّلوا حضورها... والمقابلة تبدأ لما تكون مرتاحة، مش لما تكون خايفة.
راقب الجميع الموقف في صمت.
وكان بينهم رجل أمن جديد.
همس لزميله
واضح إنها ست عظيمة.
ابتسم زميله وقال
هي عظيمة... لأنها فاكرة كانت مين قبل ما تبقى كل ده.
دخلت الفتاة المقابلة بثقة.
وبعد ساعات، خرجت وهي تحمل خطاب تعيينها، ودموع الفرح تملأ عينيها.
وقبل أن تغادر، التفتت إلى مريم وقالت
حضرتك غيرتي حياتي.
ابتسمت مريم وهزت رأسها.
لا... أنا بس عملت معاكِ اللي كنت أتمنى حد يعمله معايا.
في نهاية اليوم، وقفت مريم أمام نافذة مكتبها.
كانت السماء تمطر من جديد.
لكنها هذه المرة لم ترَ الطين...
بل رأت بداية جديدة لشخص آخر.
وأدركت أن أجمل انتصار، ليس أن تنجو أنت فقط...
بل أن تمد يدك لمن جاء بعدك.
تمت بعد خمس سنوات...
لم تعد الشركة مجرد مكان للعمل.
أصبحت مؤسسة تدعم الشباب، وتمنح فرصًا لمن يرفضهم الجميع بسبب مظهرهم أو ظروفهم.
وفي صباح أحد الأيام، كانت مريم تراجع بعض الملفات، عندما دخلت السكرتيرة وقالت
في شاب مستني بره... بيقول إنه لازم يشوف حضرتك.
رفعت مريم رأسها.
يدخل.
دخل شاب في أوائل العشرينات، يبدو عليه التوتر.
وقف أمام المكتب، ثم أخرج صورة قديمة ووضعها أمامها.
اتسعت عينا مريم.
كانت الصورة لها...
في يوم المقابلة الأولى، وملابسها مغطاة بالطين.
قال الشاب
الصورة دي كانت عند أمي.
استغربت مريم.
مين والدتك؟
ابتسم الشاب وقال
ليلى... فاكرة البنت اللي ساعدتيها أول يوم؟
ابتسمت مريم فورًا.
أكيد فاكراها... عاملة إيه؟
أجاب الشاب وعيناه تلمعان بالفخر
بقت مديرة فرع الشركة في الإسكندرية... وكانت كل يوم تحكيلي إن حياتها اتغيرت بسبب فرصة واحدة إنتِ ادتهالها.
سكت لحظة ثم أكمل
لما كبرت، كنت كل ما أفشل، أمي تطلع الصورة دي وتقولي شوفت الست دي؟ الناس شافت الطين... لكنها شافت حلمها. أوعى تخلي حد يقنعك إن شكلك أو ظروفك تحدد مستقبلك.
لم تستطع مريم منع دموعها.
سألته بابتسامة
وجايلي ليه النهارده؟
ناولها ملفه.
جاي أقدم تدريب في الشركة... ونفسي أبدأ من هنا.
فتحت الملف.
كان ترتيبه ممتازًا، وسيرته الذاتية مليئة بالمشروعات التي نفذها بنفسه.
أغلقت الملف، ثم وقفت ومدت يدها إليه.
أهلًا بيك... من النهارده أنت واحد من فريقنا.
ابتسم الشاب، وصافحها وهو يشعر أن دائرة كاملة قد اكتملت.
وفي المساء، خرجت مريم من الشركة.
وقفت أمام المدخل الذي دخلته يومًا وهي ترتجف من الخوف.
لم يعد هناك أثر للطين...
لكنها كانت تعرف أن ذلك الطين كان أول حجر في طريق النجاح.
رفعت رأسها إلى السماء، وابتسمت وهي تهمس
أجمل الأحلام... هي التي تمنح غيرك القدرة على الحلم.
وهكذا... لم تنتهِ قصة مريم، لأنها أصبحت بداية لقصص كثيرة أخرى بعد عشرة أعوام...
توقف موكب صغير أمام المبنى القديم للشركة.
لكن هذه المرة، لم يكن هناك اجتماع عمل.
كان اليوم هو يوم افتتاح مؤسسة بداية، وهي مؤسسة أنشأتها مريم لمساعدة الشباب الذين فقدوا الأمل بسبب الفقر أو الظلم أو الظروف القاسية.
ازدحم المكان بالصحفيين والكاميرات.
وقف المذيع على المنصة وقال
اليوم نحتفل بعشر سنوات على القصة التي بدأت بفتاة غطى الطين ملابسها، وانتهت بتغيير حياة آلاف الأشخاص.
صعدت مريم إلى المسرح وسط تصفيق طويل.
وقفت أمام الميكروفون، ثم ساد الصمت.
قالت بهدوء
الناس دايمًا بتسألني... إيه السر؟
ابتسمت.
والحقيقة إن السر مش فيا.
نظر إليها الجميع باهتمام.
السر إنك مهما وقعت... تقوم مرة تانية. ومهما قالولك إنك انتهيت... تكتب بنفسك بداية جديدة.
صفق الجميع بحرارة.
وفي الصفوف الأولى، كان يجلس سيف، وقد ظهرت بعض الشعيرات البيضاء في شعره.
ابتسم لها بفخر.
وبين الحضور، كانت تجلس ليلى، وإلى جوارها ابنها الذي أصبح مهندسًا في الشركة.
وفي آخر القاعة...
كان يجلس رجل أمن مسن.
هو نفسه رجل الأمن الذي تجاهل مريم في أول يوم.
اقترب منها بعد انتهاء الحفل، مستندًا إلى عصاه.
وقال بصوت متأثر
أنا خلاص هطلع معاش الأسبوع الجاي.
ابتسمت مريم.
ربنا يديك الصحة.
أخرج الرجل من جيبه شيئًا صغيرًا ملفوفًا بمنديل.
فتحته مريم.
كان بطاقة الزائرة القديمة...
البطاقة التي استخرجها لها يوم المقابلة، بعدما تردد في السماح لها بالدخول.
قال الرجل
احتفظت بيها عشر سنين... كل ما أشوفها أفتكر إني كنت هضيع فرصة إنسانة عظيمة بسبب منظر هدومها.
اغرورقت عينا مريم بالدموع.
أعادت إليه البطاقة، ثم أمسكت بيده وقالت
لا... احتفظ بيها. خليها تفضل تذكرك إن الإنسان يُقاس بقلبه وأفعاله، مش بشكله.
ابتسم الرجل، وكانت دموعه تنزل دون أن يخجل منها.
وفي تلك اللحظة، بدأ المطر يهطل من جديد.
خرج الجميع يركضون بحثًا عن مكان يحتمي من المطر.
أما مريم...
فوقفت في وسط الساحة، رافعة وجهها إلى السماء.
تركت قطرات المطر تلامس وجهها.
ثم ابتسمت.
لأنها لم تعد ترى في المطر يومًا سيئًا...
بل كانت ترى فيه اليوم الذي وُلدت فيه حياتها الحقيقية.
النهاية... التي تظل دائمًا بداية جديدة لشخص آخر بعد خمسةٍ وعشرين عامًا...
كانت مريم قد تجاوزت الستين من عمرها.
اختلط السواد في شعرها بخيوط بيضاء، لكن ابتسامتها بقيت كما هي... هادئة، ودافئة.
في صباح يوم ممطر، دخلت حفيدتها الصغيرة سارة إلى غرفتها، وهي تحمل كراسة مدرسية.
قالت بحماس
تيتا... المدرسة طلبت مننا نكتب عن الشخص اللي بنعتبره بطل في حياتنا.
ابتسمت مريم.
وهتكتبي عن مين؟
ضحكت الطفلة وهي ارتمت في حضنها.
عنك إنتِ.
تنهدت مريم، وربتت على شعرها.
أنا مش بطلة يا سارة.
رفعت الطفلة رأسها وقالت بثقة
بابا بيقول إنك غيرتي حياة ناس كتير.
ابتسمت مريم، ثم أمسكت بيد حفيدتها.
تعالي... عايزاكي تشوفي حاجة.
أخذتها إلى غرفة صغيرة في آخر البيت.
فتحت خزانة خشبية قديمة، وأخرجت صندوقًا احتفظت به عشرات السنين.
فتحت الصندوق ببطء.
كان بداخله...
الحذاء القديم، وقد جف عليه الطين منذ سنوات طويلة.
وبجواره الملف الذي ذهبت به إلى أول مقابلة عمل.
وبطاقة التعريف الأولى للشركة.
نظرت سارة بدهشة.
إنتِ محتفظة بالحاجات دي كلها؟
أومأت مريم.
كل واحدة فيهم بتفكرني إني بدأت من هنا.
سألتها الطفلة
ليه ما رميتيهمش؟
ابتسمت مريم وهي ترفع الحذاء بين يديها.
علشان الإنسان لو نسي بدايته... ممكن ينسى نفسه.
في تلك اللحظة، سمعوا جرس الباب.
خرجت مريم لتفتحه.
وجدت شابة في العشرينات، تقف تحت المطر، وملابسها مبتلة.
كانت ترتجف من البرد.
قالت بخجل
أنا آسفة لو جيت من غير ميعاد... بس كنت محتاجة نصيحة. الناس كلها قالتلي إن حلمي مستحيل... فقالولي أروح لمريم.
ابتسمت مريم.
نظرت إلى حفيدتها، ثم إلى الشابة.
وقالت وهي تفتح الباب على مصراعيه
اتفضلي... كل الحكايات الكبيرة، بدأت بخطوة صغيرة.
دخلت الشابة.
وأغلقت مريم الباب خلفها.
نظرت سارة إلى جدتها، ثم همست
يعني القصة لسه مخلصتش؟
ابتسمت مريم، وهي تنظر إلى المطر خلف النافذة.
وقالت
القصص اللي بتزرع الأمل... عمرها ما بتنتهي.
ستار بعد سنوات طويلة...
عمّ الهدوء أرجاء المدينة.
وفي إحدى المدارس، كانت معلمة اللغة العربية تطلب من الطلاب أن يقرأ كل واحد منهم قصة ألهمته في حياته.
وقف طفل صغير في الصف، وأخرج كتابًا قديمًا من حقيبته.
قال
القصة دي كانت عند جدي... وكان دايمًا يقولهالي قبل ما أنام.
سألته المعلمة
اسمها إيه؟
رفع الطفل الغلاف أمام زملائه.
كان مكتوبًا عليه
بعض الطرق تبدأ بالطين.
بدأ يقرأ بصوت هادئ...
يحكي عن فتاة خرجت في يوم ممطر، متعلقة بآخر فرصة في حياتها.
وعن سيارة لطختها بالطين.
وعن رجال حكموا عليها من شكلها.
وعن فتاة لم تستسلم.
ساد الصمت داخل الفصل.
وحين انتهى، كانت المعلمة تمسح دموعها.
قالت
تعرفوا إيه أجمل حاجة في القصة دي؟
هز الأطفال رؤوسهم.
قالت
إنها مش بتقول إن الحياة عادلة... لكنها بتقول إن الاستسلام هو الظلم الحقيقي.
رن جرس انتهاء الحصة.
خرج الأطفال، لكن واحدًا منهم ظل ممسكًا بالكتاب.
كان اسمه آدم.
همس لنفسه
لما أكبر... هبقى شخص يدي الناس فرصة، قبل ما يحكم عليهم.
مرّت سنوات...
وكبر آدم.
وأصبح مديرًا لإحدى الشركات.
وفي أول يوم عمل له، دخلت شابة متأخرة دقائق، وثيابها مبتلة بسبب المطر.
نظر إليها بعض الموظفين باستهزاء.
لكن آدم ابتسم وقال
خدوا لها منشفة وكوب شاي... وبعدها نبدأ المقابلة.
تعجبت الفتاة.
فسألته
ليه عاملتني كده؟
فتح درج مكتبه.
وأخرج كتابًا قديمًا، اهترأت صفحاته من كثرة القراءة.
وقال
لأن في يوم من الأيام... واحدة اسمها مريم علمتني إن الطين على الهدوم... عمره ما كان طينًا على الأحلام.
ابتسمت الفتاة، ولم تكن تعلم أن كلمة واحدة، أو فرصة واحدة، قد تغيّر مستقبل إنسان بالكامل.
وهكذا...
لم تعد قصة مريم قصة امرأة واحدة.
بل أصبحت فكرة...
تنتقل من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل.
فقد تنتهي حياة أصحاب القصص...
لكن الأثر الذي يتركونه، قد يعيش إلى الأبد.

تم نسخ الرابط