كنت رايحة أعمل مقابلة شغل واخر فرصة في حياتي…
المحتويات
لم يعجب الجميع.
كانت ليلى تراقبها بصمت.
وفي إحدى الليالي، دخلت مكتب مريم بعد انصراف الموظفين، وصورت ملفاتها، ثم حذفت جزءًا مهمًا من العرض الذي كانت ستقدمه في اجتماع مجلس الإدارة صباح اليوم التالي.
وفي الصباح...
وقفت مريم أمام شاشة العرض، وضغطت زر التشغيل.
لكن الملف كان ناقصًا.
تبادل أعضاء المجلس النظرات، بينما ارتسمت على وجه ليلى ابتسامة خفية.
كانت تلك اللحظة كفيلة بإنهاء مستقبل مريم داخل الشركة...
إلا أن شيئًا غير متوقع حدث جعل الجميع ينظر إلى ليلى بصدمة، بينما وقف سيف من مقعده لأول مرة أثناء اجتماع رسمي...وقف سيف فجأة وقال بصوت هادئ لكنه حاسم
اقفلي شاشة العرض يا مريم.
ساد الارتباك في القاعة.
ظنت مريم أن كل شيء انتهى.
أغلقت الحاسوب وهي تحاول أن تمنع دموعها من النزول.
لكن سيف نظر إلى مدير تقنية المعلومات وقال
هات تسجيل كاميرات الدور من الساعة سبعة لحد تسعة الصبح.
تغير لون وجه ليلى في لحظة.
قالت بسرعة
هو حضرتك شاكك في حد؟ يمكن مجرد عطل.
أجابها دون أن ينظر إليها
أنا مش بحب أبني أحكامي على الظنون... عشان كده طلبت التسجيل.
بعد دقائق، دخل موظف الأمن يحمل جهازًا لوحيًا.
بدأ التسجيل يعمل أمام الجميع.
ظهرت مريم وهي تدخل مكتبها كالمعتاد.
ثم بعد خروجها بدقائق...
ظهرت ليلى وهي تفتح الباب بمفتاحها الاحتياطي، وتتجه مباشرة إلى جهاز الكمبيوتر.
توقفت القاعة عن التنفس.
حاولت ليلى التبرير
أنا... أنا كنت بدور على ملف...
لكن التسجيل أظهرها وهي توصل وحدة تخزين صغيرة بالحاسوب، ثم تغادر بعد دقائق.
أغلق سيف الفيديو.
وقال بهدوء أشد من الغضب
من أول يوم قلت إن أكبر خطر على أي شركة... مش المنافسين... أكبر خطر هو الشخص اللي يخون الثقة.
ثم التفت إلى مدير الموارد البشرية.
اعتبارًا من هذه اللحظة... تُنهى خدمة الأستاذة ليلى عزام، وتحويل الواقعة للشؤون القانونية.
جلست ليلى على كرسيها وهي غير قادرة على الكلام.
أما مريم، فكانت تنظر إلى الشاشة في ذهول.
لم تتوقع أن أحدًا سيدافع عنها بهذا الشكل.
اقترب منها سيف وقال أمام الجميع
النجاح الحقيقي مش إنك متوقعيش... النجاح إنك تكملي حتى لما حد يحاول يوقعك.
في تلك اللحظة، دوّى تصفيق داخل القاعة.
لكن بينما كانت مريم تلتقط أنفاسها...
دخل سكرتير المجلس مسرعًا وهو يحمل ظرفًا مختومًا.
قال بقلق
أستاذ سيف... الظرف ده وصل حالًا، ومكتوب عليه يُسلَّم إلى مريم عبد الرحمن فقط... وفيه معلومة هتغيّر حياتها بالكامل.
أخذت مريم الظرف بيد مرتعشة...
ولما فتحته، سقطت منه صورة قديمة لطفلة صغيرة تمسك بيد رجل لا تعرفه...
وعلى ظهر الصورة كانت مكتوبة جملة واحدة
حان الوقت تعرفي الحقيقة... أبوكي لسه عايش تجمدت يد مريم.
أعادت النظر إلى الصورة مرة... ثم مرتين.
الطفلة كانت هي فعلًا.
أما الرجل... فلم تستطع تذكر ملامحه، لكن الساعة القديمة في معصمه أعادت إليها ذكرى بعيدة، ذكرى كانت تظن أنها مجرد حلم من أحلام الطفولة.
رفعت رأسها نحو سيف وهي تهمس
دي... دي صورتي.
اقترب سيف، ونظر إلى الصورة دون أن يعلق.
ثم فتح الظرف مرة أخرى.
كان بداخله خطاب قصير، مكتوب بخط يد واضح
إذا وصلت هذه الرسالة إلى مريم، فاعلموا أن ما قيل لها طوال حياتها لم يكن الحقيقة. والدها لم يمت... لكنه اختفى مجبرًا. وإن أردتم معرفة كل شيء، فابحثوا عن الخزنة رقم 27 في فرع البنك القديم بوسط البلد.
ساد الصمت.
قال أحد أعضاء المجلس
دي ممكن تكون مجرد مزحة.
لكن سيف هز رأسه.
لا... الشخص اللي كتب الخطاب عارف تفاصيل محدش يعرفها.
نظر إلى مريم وسألها
إنتِ فعلًا كنتِ فاكرة إن والدك توفى؟
أومأت برأسها.
أمي قالت إنه مات وأنا عندي أربع سنين... ومفيش حد في العيلة كان بيتكلم عنه.
في تلك الليلة...
لم تستطع مريم النوم.
ظلت تقلب الصورة بين يديها حتى قررت أن تذهب في الصباح إلى البنك.
رافقها سيف بنفسه، رغم اعتراض مساعديه.
وعندما وصلوا، أحضر مدير الفرع سجلات قديمة، ثم فتح الخزنة رقم 27 بعد التأكد من الأوراق.
داخل الخزنة لم يكن هناك مال...
بل صندوق خشبي صغير.
فتحته مريم ببطء.
وجدت شهادة ميلادها الأصلية، وعقد زواج قديم، وعدة خطابات، وفوقها شريط فيديو مكتوب عليه
إلى ابنتي مريم... إذا كنتِ تشاهدين هذا، فهذا يعني أنني فشلت في العودة إليك.
شعرت برعشة تسري في جسدها.
نظر إليها سيف وقال بهدوء
مش لازم تشوفيه هنا... نرجع الشركة.
لكن مريم هزت رأسها.
لا... استنيت الحقيقة عمري كله.
أحضروا جهاز تشغيل قديم.
وما إن بدأ الفيديو...
حتى ظهر رجل في منتصف الخمسينيات، ينظر مباشرة إلى الكاميرا، وعيناه ممتلئتان بالدموع.
قال بصوت مبحوح
يا مريم... لو وصل لك الفيديو ده، اعرفي إن كل اللي اتقال لك عني كان كذب... وأنا اختفيت علشان أحميكي من ناس كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشان ياخدوا كل اللي أملكه...
ثم توقف التسجيل فجأة...
وانطفأت الشاشة.
ظهرت رسالة واحدة
الجزء الثاني من التسجيل موجود في مكان لن يخطر على بال أحد... وتاريخ 15 أكتوبر هو المفتاح نظرت مريم إلى الشاشة السوداء في ذهول.
خلص؟
هزّ موظف البنك رأسه.
واضح إن الشريط متسجل على جزئين.
أخذت مريم نفسًا عميقًا وهي تضم الصندوق إلى صدرها.
لكن سيف لم يكن ينظر إلى الشاشة...
كان ينظر إلى تاريخ مكتوب أسفل الشريط.
15 أكتوبر.
همس لنفسه
مش معقول...
التفتت إليه مريم بسرعة.
حضرتك تعرف التاريخ ده؟
تردد للحظة، ثم قال
15 أكتوبر... هو نفس اليوم اللي والدي اختفى فيه من أكتر من عشرين سنة.
شعرت مريم بقشعريرة.
هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين اختفاء والدها واختفاء والد سيف؟
في اليوم التالي، جلس سيف مع محاميه القديم، الأستاذ حسام.
وما إن رأى الصورة حتى تغير وجهه.
قال بصوت مرتجف
أنا فاكر الراجل ده... اسمه عبد الرحمن.
اتسعت عينا مريم.
حضرتك تعرف بابا؟
تنهد الرجل طويلًا.
كان شريك والد سيف... لكن في يوم واحد، الاتنين اختفوا من حياة الناس، وكل الملفات المتعلقة بيهم اتقفلت فجأة.
نظر سيف إلى المحامي في صدمة.
ليه ما قلتليش الكلام ده قبل كده؟
أخفض الرجل رأسه.
لأن فيه ناس هددتني... وقالولي لو اتكلمت، هيكون الدور على عيلتي.
ساد الصمت.
ثم أخرج المحامي مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من درج مكتبه.
وقال
أبوكِ سابه عندي قبل ما يختفي... وقال لو مريم رجعت في يوم، أسلمهولها.
أخذت مريم المفتاح بيد ترتجف.
كان منقوشًا عليه رقم واحد فقط...
314.
قال المحامي
المفتاح ده يفتح مخزن قديم في منطقة مهجورة... لكنه حذرني وقال أوعوا تروحوا لوحدكم.
نظر سيف إلى مريم وقال بحزم
هنروح سوا.
في مساء اليوم نفسه...
وصلت سيارة سيف إلى المخزن القديم.
كان المكان مظلمًا، والأبواب مغطاة بالصدأ.
أدخلت مريم المفتاح.
دار بصعوبة...
ثم انفتح الباب بصرير طويل.
دخلوا بحذر.
لم يكن بالمخزن سوى مكتب خشبي مغطى بالتراب، وخزانة حديدية، وصورة كبيرة معلقة على الحائط.
اقتربت مريم من الصورة...
ثم تجمدت في مكانها.
الصورة كانت تجمع أربعة رجال.
اثنان منهما عرفتهما فورًا...
والدها...
ووالد سيف.
أما الرجل الثالث...
فكان شخصًا تعرفه جيدًا، تراه كل يوم تقريبًا داخل الشركة.
وقبل أن تنطق باسمه...
سمعوا صوت الباب يُغلق خلفهم بقوة.
ثم جاءهم صوت رجل من الظلام يقول
كان لازم تسيبوا الماضي مدفون... دلوقتي فات الأوان استدارت مريم وسيف بسرعة نحو مصدر الصوت.
خرج رجل طويل من بين الظلال، وخلفه رجلان آخران.
كان يحمل مصباحًا صغيرًا، وما إن اقترب الضوء من وجهه حتى شهقت مريم.
الأستاذ... نادر؟!
كان نادر، المدير المالي للمجموعة، الرجل الذي يعمل مع سيف منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
ماكنتش أتمنى تعرفوا الحقيقة بالطريقة دي.
قبض سيف على يده بغضب.
إيه علاقتك بأبوها؟ وإيه علاقتك باختفاء والدي؟
اقترب نادر من الصورة المعلقة على الحائط، ومسح عنها الغبار بكفه.
من خمسة وعشرين سنة... كنا أربعة شركاء. أبوك، وأبو مريم، وأنا... وشريك رابع.
نظر سيف إلى الصورة.
فين الشريك الرابع؟
أشار نادر إلى زاوية الصورة.
كانت ممزقة عمدًا.
قال بهدوء
لأن الشخص ده هو اللي خاننا كلنا.
أخرج ملفًا قديمًا من الخزانة الحديدية وألقاه أمام سيف.
فتح سيف الملف بسرعة.
كانت بداخله عقود، وتحويلات مالية، ورسائل تثبت أن الشريك الرابع استولى على أموال الشركة وهرب، ثم لفّق التهم لبقية الشركاء.
قال نادر
أبوك رفض يوقّع على الأوراق المزورة... وأبو مريم رفض يبيع ضميره. بعدها بيومين... اختفى الاتنين.
ارتجفت مريم.
يعني... بابا كان بريء؟
هز نادر رأسه.
بريء... لكنه دفع الثمن.
وقبل أن يسأل سيف السؤال التالي...
صدر صوت هاتف داخل المخزن.
نظر الجميع إلى بعضهم.
لم يكن الهاتف مع أيٍ منهم.
كان يرن من داخل درج المكتب القديم.
فتحت مريم الدرج ببطء.
وجدت هاتفًا قديمًا موصولًا بالشاحن، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
توقفت الرنة.
ثم أضاءت الشاشة وحدها.
ظهرت رسالة قصيرة
إذا وصلتم إلى هنا... فاعرفوا أن الخائن الحقيقي ما زال بينكم، وليس نادر.
وفي اللحظة نفسها...
نظر سيف إلى أحد الرجلين اللذين دخلا مع نادر.
كان ينسحب للخلف بهدوء، وكأنه يحاول الهرب دون أن يلاحظه أحد.
صرخ سيف
استنى!
لكن الرجل اندفع نحو الباب، وأخرج من جيبه فلاشة صغيرة، ثم قذفها داخل موقد قديم مشتعل في زاوية المخزن.
اندفعت مريم نحوه بكل قوتها قبل أن تصل الفلاشة إلى النار...
وتعلقت بها في آخر لحظة.
كانت تلك الفلاشة... الدليل الوحيد الذي قد يكشف اسم الخائن الحقيقي،
متابعة القراءة