كنت رايحة أعمل مقابلة شغل واخر فرصة في حياتي…
المحتويات
ويغير مصير الجميع التقطت مريم الفلاشة قبل أن تلامس النار بثوانٍ.
لكنها تعثرت وسقطت على الأرض.
اندفع الرجل نحوها ليأخذها من يدها، إلا أن سيف أمسك به بقوة، ودارت بينهما مشاجرة قصيرة انتهت بسقوط الرجل وتقييد حركته بالحبل الذي كان ملقى في المخزن.
كانت أنفاس الجميع متسارعة.
نظرت مريم إلى الفلاشة.
يا رب... تكون لسه شغالة.
خرجوا من المخزن مسرعين، وتوجهوا إلى مقر الشركة.
في مكتب سيف، جلس خبير تقنية المعلومات محاولًا فتح محتويات الفلاشة.
مرت دقائق بدت وكأنها ساعات.
ثم ظهرت مجلدات عديدة على الشاشة.
أول ملف كان بعنوان
الحقيقة الكاملة.
فتحه سيف.
ظهر مقطع فيديو قديم، يجلس فيه والد مريم بجوار والد سيف.
كانا ينظران إلى الكاميرا بملامح متعبة.
قال والد مريم
إذا وصل التسجيل ده لولادنا... يبقى إحنا غالبًا مش هنكون موجودين.
ثم أكمل والد سيف
إحنا ما سرقناش، وما خناش حد. الخيانة كانت من شريكنا الرابع... الشخص اللي زور المستندات، واستولى على أموال الشركة، وبلغ عنّا عشان يهرب هو.
توقفت أنفاس مريم.
اقترب سيف من الشاشة.
بعد لحظات، رفع والد سيف صورة أمام الكاميرا.
كانت صورة واضحة للشريك الرابع.
شهقت مريم.
أما سيف، فشحب وجهه تمامًا.
همس بصوت مكسور
مستحيل...
لم يكن الرجل غريبًا.
ولم يكن موظفًا عاديًا.
كان...
عم سيف.
الرجل الذي تولى تربيته بعد اختفاء والده، والذي كان يعامله الجميع باعتباره كبير العائلة، هو نفسه الشخص الذي خان شريكيه، وبنى ثروته على أنقاض حياتهما.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف سيف.
نظر إلى الشاشة.
المتصل كان يحمل اسمًا واحدًا فقط
العم فؤاد.
نظر سيف إلى مريم، ثم ضغط زر الرد.
جاءه صوت هادئ من الطرف الآخر
واضح إنكم عرفتوا الحقيقة... لكن لو عايزين تشوفوا أبوكي حي، يا مريم... يبقى تيجوا لوحدكم، ومن غير شرطة.
تجمدت مريم مكانها.
هل كان والدها حيًا بالفعل...
أم أن ذلك مجرد فخ أخير؟ساد الصمت داخل المكتب.
أمسكت مريم الهاتف من يد سيف وهي ترتجف.
وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا
لو بابا عندك... خليني أسمع صوته.
لم يرد الرجل مباشرة.
مرت ثوانٍ ثقيلة.
ثم سُمِع من الطرف الآخر صوت رجل مسن يقول بصعوبة
مريم... لو دي إنتِ فعلًا... سامحيني.
انهمرت دموعها في اللحظة نفسها.
كانت تسمع ذلك الصوت لأول مرة بوعيها... لكنها شعرت أنه مألوف بشكل لا يمكن تفسيره.
قال العم فؤاد
دلوقتي صدقتوا؟
أغلق الخط.
لم يتصلوا بالشرطة.
ليس لأنهم وثقوا في العم فؤاد...
بل لأنهم لم يريدوا تعريض حياة والد مريم للخطر إذا كان ما زال حيًا.
قاد سيف السيارة بنفسه إلى العنوان الذي أرسله فؤاد.
كان مصنعًا قديمًا مهجورًا على أطراف المدينة.
فتح الباب الحديدي ببطء.
كان المكان خاليًا... إلا من كرسي في المنتصف.
ورجل مسن، مقيد اليدين.
صرخت مريم
بابا!
ركضت نحوه، واحتضنته وهي تبكي.
بكى الرجل هو الآخر، وظل يردد
كبرتِ... سامحيني يا بنتي.
وقف سيف يراقب المشهد بصمت.
لكن شيئًا لفت انتباهه.
الحبال التي كانت تقيد الرجل... كانت مرتخية.
وكأن من قيده لم يكن يريد منعه من الهرب.
وفجأة...
انطفأت الأنوار.
ودوى صوت العم فؤاد عبر مكبرات الصوت
كنت عارف إن حب البنت لأبوها هيجيبكم.
أضاءت الأنوار مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
كان العم فؤاد يقف في الطابق العلوي، وخلفه عدد من الحراس.
ابتسم وقال
كنت محتاجكم تفتحوا كل الملفات القديمة بدل ما أدوّر عليها بنفسي.
نظر سيف إلى والد مريم بصدمة.
يعني... كنت مستخدمه كطُعم؟
أطرق الرجل رأسه وقال بألم
كنت تحت تهديده... لو رفضت، كان هيقتلكم.
ساد الصمت.
ثم أخرج العم فؤاد جهاز تحكم صغيرًا من جيبه.
وقال
المصنع ده مليان مستندات لو خرجت للنور... كل حاجة بنيتها هتنهار.
رفع إصبعه فوق الزر.
ولو ضغطت هنا... هتتحرق كلها.
في تلك اللحظة...
تقدمت مريم خطوة إلى الأمام، ونظرت إليه بثبات لم يتوقعه.
وقالت
يمكن تقدر تحرق الورق... لكن الحقيقة خرجت بالفعل.
ابتسم العم فؤاد بسخرية.
ومتأكدة؟
رفع سيف هاتفه ببطء.
ثم قال
من أول ما بدأنا الكلام... كان البث المباشر شغال.
نظر العم فؤاد إلى شاشة هاتفه.
وجد آلاف المشاهدين يتابعون كل كلمة قالها منذ دقائق.
واختفت ابتسامته لأول مرة...اتسعت عينا العم فؤاد.
خطف أحد الحراس الهاتف من يد سيف وألقاه على الأرض حتى تحطم.
ضحك العم فؤاد باستهزاء وقال
متأخر... البث اتقفل.
لكن سيف ابتسم في هدوء.
الهاتف ده كان نسخة احتياطية.
في اللحظة نفسها، دوى صوت سيارات الشرطة خارج المصنع.
نظر الحراس إلى بعضهم في ارتباك.
كانت أضواء السيارات الزرقاء والحمراء تنعكس على النوافذ المكسورة.
صرخ العم فؤاد
اخرجوا من الباب الخلفي!
لكن قبل أن يتحرك أحد، دخلت قوات الأمن من أكثر من اتجاه.
لم تستغرق السيطرة على المكان سوى دقائق.
وقف العم فؤاد مكبل اليدين، ينظر إلى مريم في صمت.
اقتربت منه وقالت
سنين وإنت بتدمر حياة ناس علشان فلوس... النهارده الحساب بدأ.
خفض رأسه لأول مرة.
بعد أسابيع...
امتلأت الصحف بعناوين القضية.
استعاد والد مريم اسمه وكرامته بعد أن أثبتت التحقيقات براءته.
كما أُعيد فتح ملفات قديمة تخص اختفاء والد سيف، وكُشف عن تفاصيل كثيرة كانت مخفية لسنوات.
أما سيف...
فرفض أن يحتفل بانتصاره قبل أن يقف أمام قبر والده.
وضع باقة من الزهور وقال
وعدتك إن الحقيقة هتظهر... ووفيت.
وفي صباح هادئ، دخلت مريم الشركة.
لكن هذه المرة...
لم تدخل بملابس مغطاة بالطين.
دخلت بثقة، وابتسامة هادئة، وكل الموظفين وقفوا يصفقون لها.
حتى رجل الأمن الذي تجنب مصافحتها في أول يوم، تقدم منها معتذرًا.
ابتسمت مريم وصافحته قائلة
كلنا بنتعلم.
ثم صعدت إلى الطابق الثاني والأربعين.
وقفت أمام النافذة نفسها التي شعرت عندها يومًا أنها لا تنتمي لهذا المكان.
تذكرت المطر...
والسيارة...
والطين الذي كاد يحطم حلمها.
ابتسمت وهي تهمس لنفسها
يمكن بعض الطرق تبدأ بالطين... لكنها تنتهي بالنور.
تمت مرّت ستة أشهر...
كانت مريم تقف أمام منصة كبيرة في قاعة مزدحمة، تستعد لإلقاء أول محاضرة لها عن قصتها مع النجاح وعدم الاستسلام.
صفق الحاضرون بحرارة عندما صعدت إلى المسرح.
ابتسمت وقالت
يمكن ناس كتير تعرف النهاية... لكن محدش يعرف إن أصعب اختبار بدأ بعد ما الحقيقة ظهرت.
ساد الصمت.
أكملت
بعد القضية، اتعرضت عليّ مناصب كتير، وعروض سفر، ومبالغ خيالية... لكن كل ده كان سهل مقارنة بحاجة واحدة.
توقفت لحظة.
إني أفضل إنسانة.
ابتسم الجميع.
وبينما كانت تتحدث، لاحظت في آخر القاعة فتاة صغيرة ترتدي ملابس بسيطة، وتحمل ملفًا قديمًا بين يديها.
كانت الفتاة ترتجف.
انتهت المحاضرة، وانتظر الجميع لالتقاط الصور.
لكن مريم اتجهت مباشرة نحو الفتاة.
قالت لها برفق
تحبي تقوليلي اسمك؟
أجابت وهي تكاد تبكي
اسمي ليلى... وجاية أقدم على شغل... وكل الناس بصتلي بسبب هدومي.
تجمدت مريم في مكانها.
كان المشهد نسخة من يومها الأول.
ابتسمت، وأمسكت بيد ليلى.
وقالت بصوت يسمعه الجميع
تعالي معايا.
دخلت بها إلى الشركة.
وفي طريقهما، وقف الموظفون ينظرون باستغراب.
لكن مريم التفت إليهم وقالت
فاكرين يوم دخلت هنا وأنا هدومي كلها طين؟ لو يومها حد حكم عليّ من شكلي، مكنتش هقف قدامكم النهارده.
ساد صمت طويل.
ثم بدأ الجميع يصفق.
ولأول مرة...
كانت ليلى تبتسم.
وفي نهاية اليوم، خرجت من الشركة وهي تحمل عقد عمل بين يديها.
أما مريم، فوقفت أمام باب الشركة، ونظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم.
ابتسمت عندما بدأت أول قطرات المطر تنزل.
لكن هذه المرة...
لم تخف من الطين.
لأنها عرفت أن بعض الأحلام، كلما اتسخت بدايتها... ازداد بريق نهايتها.
النهاية الحقيقية. بعد عام كامل...
تحولت قصة مريم إلى حديث الناس.
لم تعد مجرد مديرة ناجحة، بل أصبحت رمزًا لكل شخص بدأ من الصفر.
وفي أحد الأيام، كانت تتفقد مشروعًا جديدًا للشركة، عندما جاءها السكرتير مسرعًا.
وقال
في راجل كبير بره، رافض يقول اسمه، لكنه مصر يقابلك.
استغربت مريم.
خليه يدخل.
فتح الباب ببطء.
دخل رجل تجاوز السبعين، يحمل عصًا خشبية، وملامحه مرهقة كأنه يحمل سنوات طويلة من الندم.
ظل واقفًا للحظات، ثم قال بصوت منخفض
إنتِ مريم؟
أومأت برأسها.
أخرج الرجل ظرفًا قديمًا من جيبه، ووضعه على المكتب.
وقال
أنا كنت المحاسب اللي اشتغل مع العم فؤاد زمان... وسكت.
تغيرت ملامح مريم.
أكمل الرجل والدموع تلمع في عينيه
كنت خايف... وكل يوم ضميري كان بيعذبني. بعد القبض عليه، كنت ناوي أموت بالسر... لكن كل ما أشوفك في التلفزيون أقول لنفسي البنت دي حاربت، وأنا هفضل جبان؟
فتحت مريم الظرف.
كان بداخله مستندات أصلية، وأسماء أشخاص آخرين شاركوا في الفساد وهربوا قبل القبض عليهم.
تنهد الرجل وقال
اعملي اللي ضميرك يقولك عليه... أنا جيت أصلح آخر غلطة في عمري.
ضغطت مريم على زر الهاتف.
دخل سيف.
نظر إلى الأوراق، ثم إلى الرجل.
قال بهدوء
الملف ده هيقفل آخر باب من القضية.
ابتسم الرجل لأول مرة منذ سنوات.
وقبل أن يخرج، استوقفته مريم.
وقالت
الاعتراف بالحقيقة... عمره ما ييجي متأخر.
خرج الرجل وهو يشعر أن الحمل الذي حمله عشرين عامًا بدأ يخف.
أما مريم، فنظرت إلى سيف.
ابتسم لها وقال
واضح إن الحكاية لسه مخلصتش.
ابتسمت هي الأخرى، وأغلقت الملف بيدها.
وقالت
يمكن الشر عمره ما يختفي... لكن طول ما في ناس عندها شجاعة تواجهه، الخير هيفضل يكسب.
وانتهى فصل...
لتبدأ حكاية جديدة الفصل الجديد... بعد ثلاث سنوات
كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحًا، عندما توقفت سيارة سوداء أمام مبنى الشركة.
نزلت منها مريم، لكن هذه المرة لم تكن وحدها.
إلى جوارها وقف سيف، يحمل بين ذراعيه طفلًا صغيرًا لا يتجاوز العامين، يضحك كلما رأى الناس يلوحون له.
ابتسم الموظفون وهم يستقبلونهما.
قال أحد الموظفين الجديد لزميله
هما فعلًا أصحاب القصة
متابعة القراءة