كنت رايحة أعمل مقابلة شغل واخر فرصة في حياتي…
كنت رايحة أعمل مقابلة شغل واخر فرصة في حياتي
الجو كان شتا، والدنيا غرقانة ميّه، بس كنت متمسكة بالأمل كأني رايحة أغيّر قدري كله في يوم واحد.
كنت ماشية بسرعة، بحاول أحافظ على هدومي نضيفة وشكلي يليق بالفرصة اللي استنيتها سنين
وفجأة
صوت فرامل حاد
وعربية مسرعة عدّت جنبي كأنها إعصار!
في ثانية واحدة بقيت مغمورة بالطين من رأسي لحد رجلي.
وقفت مكاني مصدومة مش بس علشان شكلي اتبهدل،
لكن علشان حسّيت إن حلمي كله بيضيع قدامي بنفس السرعة اللي العربية اختفت بيها.
رفعت عيني أبص حواليا
والناس بتبصلي بشفقة واللي بيضحك عليت وأنا واقفة وسط الشارع مبلولة، متوسخة، ومكسورة من جوايا.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها
إن اللحظة دي بالذات، كانت بداية قصة عمري مش نهايتها.
ا
وصلت مغطاة بالطين إلى المقابلة لكن الملياردير انصدم لما سمع قصتها
المرأة التي دخلت قاعة الاجتماعات الزجاجية وهي مغطاة بالطين، والتي سخر منها الجميع، كانت على وشك أن تغيّر حياة أقوى رجل أعمال في القاهرة.
لم يكن أحد يعلم ذلك بعد ولا حتى هي نفسها.
لكن سيف الدين المنصوري، صاحب واحدة من أكبر المجموعات الاستثمارية في القاهرة الجديدة، وجد في تلك الفتاة شيئًا لم تستطع أمواله ولا أبراجه ولا علاقاته الواسعة أن تشتريه يومًا الكرامة الحقيقية.
بدأ المطر قبل الفجر، وكانت القاهرة تبدو أكثر كآبة من المعتاد.
كانت مريم عبد الرحمن تمشي بسرعة على الرصيف المبتل في شارع صلاح سالم، تحتضن ملفًا أزرق كأنه كنز.
وفي الحقيقة كان كذلك.
داخله كانت أفكارها، حملاتها التسويقية، سهرها الطويل، ومشاريعها التي قدمتها مجانًا لمحال صغيرة في الحي وكان أيضًا آخر أمل لها لتغيير حياتها.
عند الساعة 917 صباحًا حدثت الكارثة.
مرت سيارة مسرعة بجانب الرصيف، ورفعت موجة من المياه الملوثة سقطت مباشرة عليها.
غطى الطين معطفها البيج، وتنورتها، وساقيها وحتى وجهها.
اختل توازنها، وانكسر كعب حذائها الأيسر بصوت حاد.
تجمدت مريم في مكانها تحت المطر الخفيف.
رجل يحمل مظلة ضحك باستخفاف.
فتاتان نظرتا إليها من أعلى لأسفل ثم أكملتا طريقهما.
لا أحد توقف.
لا أحد سأل هل أنتِ بخير؟
نظرت مريم إلى انعكاسها في زجاج محل مغلق بالكاد تعرفت على نفسها.
بدت وكأنها مهزومة قبل أن تبدأ المعركة.
فكرت أن تعود إلى الغرفة الصغيرة التي تستأجرها في منطقة السيدة زينب أن تختبئ تحت بطانية، وتنسى كل شيء.
لكنها تذكرت أختها الصغيرة سلمى.
كانت سلمى لا تزال نائمة عندما خرجت مريم صباحًا.
تركت لها ورقة صغيرة على الطاولة، مثبتة بمغناطيس على شكل قلب
حتى لو الدنيا قفلت كل الأبواب إوعي توطي راسك.
أغمضت مريم عينيها.
سلمى كانت تعمل ورديات مزدوجة في مطعم شعبي، وفي الليل تغسل ملابس الآخرين لتساعد في الإيجار.
عمرها 22 سنة لكن التعب في عينيها كان أكبر من عمرها بكثير.
ومع ذلك لم تشتكِ يومًا.
كانت دائمًا تقول لها
في يوم الشخص الصح هيشوف تعبك وموهبتك.
إذا استسلمت مريم الآن فهي لا تخذل نفسها فقط بل تخذل أختها أيضًا.
أخذت نفسًا عميقًا، عدّلت حذاءها المكسور قدر الإمكان وأكملت طريقها.
عندما وصلت إلى مقر مجموعة المنصوري في التجمع الخامس كان يتبقى 8 دقائق فقط على العاشرة.
البرج كان ضخمًا، لامعًا، من الزجاج النقي كأنه عالم آخر لا يعرف الفقر ولا المطر.
رجال ونساء بملابس أنيقة يدخلون حاملين قهوتهم، يتحدثون عن استثمارات وصفقات وسفر.
لكن بمجرد دخول مريم تغير كل شيء.
رفعت موظفة الاستقبال رأسها وقطبت حاجبيها.
موظفة أخرى أخفت ابتسامة ساخرة خلف الشاشة.
هي جاية كده بجد؟ همست إحداهن.
تظاهرت مريم بأنها لم تسمع.
أخذ رجل الأمن بطاقتها بتردد واضح.
الاسم بالكامل؟
مريم عبد الرحمن عندي مقابلة نهائية مع الأستاذ سيف الدين الساعة 10.
ردد الاسم كأنه لا يصدق أنه يخص هذه الفتاة الملطخة.
ثم أعطاها بطاقة زائر متجنبًا لمس يدها.
ذلك التصرف الصغير جرحها أكثر مما توقعت.
داخل المصعد، وقفت سيدتان أنيقتان تنظران إليها في صمت.
مريم تعرف هذا النوع من الصمت جيدًا
صمت يحكم عليك
صمت يقرر إن كنت تستحق الاحترام أم لا.
خفضت نظرها لثانية نحو حذائها المبلل ثم رفعت رأسها بثبات.
عندما فتحت أبواب الطابق ال كان قلبها يخفق بقوة.
استقبلها عمر فؤاد، المساعد الشخصي لسيف، بابتسامة لم تخفِ سخرية خفيفة.
اتفضلي يا آنسة مريم.
سارت خلفه في ممر زجاجي.
الموظفون توقفوا عن العمل ينظرون إليها.
شكله الدور غلط قال أحدهم.
يمكن جاية تنظف رد آخر ضاحكًا.
كل كلمة كانت كالحجر فوق صدرها لكنها واصلت السير.
فهي مرت بما هو أصعب من نظراتهم.
عندما فتح عمر باب قاعة الاجتماعات
شعرت أن الهواء أصبح أثقل.
جلس أربعة أشخاص حول طاولة كبيرة.
ثلاثة مدراء يتفحصون الأجهزة اللوحية
وعلى رأس الطاولة جلس سيف الدين المنصوري.
كان أصغر مما توقعت ربما 35 عامًا.
ملامحه حادة، نظرته ثابتة، وبدلته أنيقة.
رجل بنى إمبراطوريته قبل الأربعين ويقال إنه لا يخلط العاطفة بالعمل أبدًا.
لكن عندما رفع عينيه نحوها
حدث شيء غريب.
لم يكن هناك سخرية.
ولا رفض.
بل فضول.
ارتبكت مريم من ذلك.
وقالت بثبات رغم ارتجاف أصابعها
أنا عارفة إن شكلي مش مناسب لمقابلة بس بطلب منكم 10 دقايق بس.
ساد الصمت.
اتكأ سيف قليلًا للخلف دون أن يبعد عينيه عنها.
اتفضلي.
فتحت مريم الملف الشيء الوحيد الذي نجا من الطين.
بدأت تتحدث عن حملات تسويق بسيطة لمشاريع صغيرة
عن مكتبة زادت مبيعاتها بدون ميزانية
عن مخبز نجا بسبب قصص على السوشيال ميديا
عن كافيه رجّع زباينه بفيديوهات مصورة بموبايل قديم.
لم تكن تتحدث كمن يحفظ كلامًا
بل كمن عاش كل فشل وكل ديون وكل ليلة بلا نوم.
فجأة سأل سيف سؤالًا غير متوقع
ليه ما لغيتيش المقابلة؟
نظرت له مباشرة وقالت
لأن دي كانت آخر فرصة ليا.
ساد الصمت في القاعة.
ولأول مرة شعرت مريم بشيء يشبه الأمل.
لكن فجأة
انفتح الباب بعنف.
دخلت امرأة أنيقة بكعب أحمر، وفستان أسود، وثقة معتادة على الفوز.
ليلى عزام مديرة العلاقات العامة والمقربة من سيف.
نظرت إلى مريم باحتقار واضح وقالت
آسفة على التأخير
ما كنتش أعرف إننا بنعمل مقابلات لعمال النظافة النهارده.
وتجمّد الهواء داخل الغرفة
والجميع انتظر رد سيف.
يتبع
باقي القصة مدهشة هتنزل بعد التفاعل في التعليقات
اترك تعليق وهرد عليك باللينك فوراً بعد قليل
القصة كاملة للنهاية في اول تعليق مثبت واضح إنك عايزة تكملي القصة. دي تكملة مقترحة بنفس الأسلوب
ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
كانت ليلى تنتظر أن يبتسم سيف أو يطلب من الأمن إخراج مريم، كما اعتادت أن يحدث مع أي شخص لا يليق بصورة الشركة.
لكن سيف لم ينظر إليها حتى.
ظل يثبت عينيه على مريم، ثم قال بهدوء
الناس اللي بتحكم من أول نظرة... عمرها ما بنت شركات ناجحة.
اختفت ابتسامة ليلى.
أما مريم، فلم تستوعب ما سمعته.
أغلق سيف الملف أمامه، ثم سألها
وأنتِ... لو الشركة دي كانت شركتك، وأديتك ميزانية محدودة، هتعملي إيه في أول شهر؟
تنفست مريم بعمق، وبدأت تشرح خطة كاملة دون أن تنظر إلى أوراقها.
تحدثت عن دراسة العملاء، وعن صناعة محتوى حقيقي بدل الإعلانات المكلفة، وعن تحويل قصص الموظفين والعملاء إلى حملات تسويقية تصنع الثقة قبل البيع.
كل دقيقة كانت تتحدث فيها... كانت نظرات أعضاء اللجنة تتغير.
لم يعودوا يرون الطين على ملابسها.
صاروا يرون عقلًا يعرف ماذا يفعل.
وعندما انتهت...
قال أحد المدراء بصوت منخفض
الخطة دي أفضل من اللي قدمتها أكبر وكالة اتعاقدنا معاها السنة اللي فاتت.
ابتسم سيف لأول مرة.
ثم وقف من مقعده وقال
الطين اللي على هدومك سببه عربية مستهترة... لكن الطريقة اللي واجهتِ بيها الموقف دي اختيارك أنتِ.
ثم مد يده إليها أمام الجميع.
أهلاً بيكي في مجموعة المنصوري... من النهارده أنتِ مديرة مشروع تحت الاختبار.
لم تتمالك مريم دموعها.
أما ليلى... فكانت الصدمة أكبر من أن تنطق بكلمة.
لكن أحدًا لم يكن يعلم أن قرار سيف هذا سيكشف خلال الأيام التالية سرًا قديمًا، ويقلب حياة الشركة كلها رأسًا على عقب...تجمدت ليلى في مكانها.
لم تتخيل يومًا أن فتاة دخلت القاعة بملابس مغطاة بالطين ستخرج منها بعقد عمل.
ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت
أكيد حضرتك بتهزر يا سيف... الشركة ليها سمعتها.
نظر إليها سيف بهدوء وقال
وسمعة الشركة بتتبني بالكفاءة... مش بشكل الهدوم.
ساد الصمت.
خرجت مريم من القاعة وهي لا تزال غير مصدقة ما حدث.
وقبل أن تغادر، أوقفها عمر المساعد.
استني لحظة.
عاد بعد دقائق يحمل حقيبة أنيقة.
دي هدية من الأستاذ سيف... علشان تقدري تبدئي أول يوم شغل بشكل يليق بيكي.
فتحت الحقيبة، فوجدت ملابس رسمية جديدة، وحذاءً بدل المكسور، وبطاقة دخول الموظفين.
اغرورقت عيناها بالدموع.
في المساء، عادت إلى شقتها الصغيرة.
ما إن فتحت الباب حتى ركضت سلمى نحوها.
إيه اللي حصل؟
لم تستطع مريم الكلام.
أخرجت العقد من الحقيبة ووضعته في يد أختها.
قرأت سلمى اسم الشركة أكثر من مرة، ثم انفجرت بالبكاء وهي تحتضنها.
كنت عارفة... ربنا عمره ما هيضيع تعبك.
بعد أسبوعين فقط، بدأت نتائج أول حملة تسويقية أعدتها مريم تظهر.
ارتفعت مبيعات أحد مشاريع المجموعة بنسبة كبيرة، وأصبح اسمها يتردد بين الإدارات.
لكن النجاح