في ليلة زفافها حكايات ميراا

لمحة نيوز


من اللحظة دي... أي حد يدخل المكتب من غير إذني يعتبر خائن.
أومأ الاثنان في صمت.
ثم بدأ آدم يقلب صفحات الدفتر صفحةً صفحة.
كانت معظم الصفحات تحتوي على مواعيد وأسماء ورموز غير مفهومة.
لكن في منتصف الدفتر...
سقط مفتاح صغير من بين الأوراق.
كان المفتاح الفضي نفسه الذي وجدناه في المصنع، وقد لُفَّت حوله ورقة كُتب عليها
خزنة رقم 17 بنك النيل.
نظر آدم إليّ.
تعرفي عنها حاجة؟
هززت رأسي.
أول مرة أشوف المفتاح ده.
قال حسام
لو فيه خزنة... أكيد فيها باقي الحقيقة.
في صباح اليوم التالي...
خرج آدم متخفيًا مع حسام إلى البنك، بينما بقيت في القصر بناءً على إصراره.
كان القصر هادئًا على غير العادة.
جلست في المكتبة أحاول قراءة أي كتاب، لكن ذهني كان مشغولًا.
وبينما كنت أعيد أحد الكتب إلى الرف...
لاحظت كتابًا سميكًا بارزًا قليلًا عن بقية الكتب.
دفعته بيدي.
فصدر صوت خفيف.
ثم تحرك جزء من المكتبة إلى الخلف، كاشفًا عن تجويف صغير داخل الجدار.
اتسعت عيناي.
داخل التجويف...
كانت هناك علبة مخملية سوداء.
فتحتها بحذر.
لم أجد مجوهرات.
بل وجدت خاتمًا قديمًا منقوشًا عليه حرفان
س. م.
وتحته ورقة صغيرة.
فتحتها.
وكان مكتوبًا فيها
إذا وصلتِ إلى هذا المكان، فاعلمي أن هناك شخصًا في هذا القصر كان يعرف والدتك قبل سنوات طويلة.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وفي اللحظة نفسها...
سمعت صوت خطوات خلفي.
استدرت بسرعة.
كانت أمينة.
لكنها لم تبدُ متفاجئة برؤيتي أمام التجويف السري.
بل أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت خافت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
حدقت فيها بذهول.
إنتِ... تعرفي أمي؟
تنهدت أمينة، وجلسَت ببطء على أقرب مقعد.
ثم قالت
عرفتها... من خمسة وعشرين سنة.
شعرت بأن الأرض تميد بي.
جلست أمامها دون أن أنطق.
أكملت وهي تنظر إلى الخاتم
أمك كانت هنا... في القصر ده... قبل ما إنتِ تتولدي.
تسارعت أنفاسي.
إزاي؟
لأنها كانت جاية تقابل والد آدم... الحاج سليم.
وقبل أن تشرح أكثر...
رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة، فتغير لون وجهها.
رفعت المكالمة.
لم تقل سوى كلمة واحدة
نعم؟
ثم ساد صمت.
وبعد ثوانٍ، سقط الهاتف من يدها.
نظرت إليّ بعينين امتلأتا بالخوف، وهمست
آدم... اتخطف.
وفي اللحظة نفسها، وصل إلى هاتفي مقطع فيديو مجهول.
ظهر فيه آدم مكبل اليدين، وعلى وجهه آثار ضرب.
ثم اقترب شخص ملثم من الكاميرا وقال بصوت بارد
لو عايزة تشوفي جوزك عايش...
هاتيلنا الخاتم... والرسالة... وجيلي لوحدك.
ثم انقطع الفيديو، تاركًا قلبي يغرق في صدمة لم أكن أتخيلها ظللت أحدق في شاشة الهاتف وكأن عقلي يرفض تصديق ما رأيته.
كان آدم يبدو مرهقًا، لكن أكثر ما لفت انتباهي أنه، قبل أن ينقطع الفيديو بثانية واحدة، حرّك يده المقيدة حركة صغيرة جدًا.
كررها مرتين.
ضيقت عيني.
لم تكن حركة عشوائية.
كانت إشارة.
دخل حسام المكتب في تلك اللحظة، وهو يلهث.
الهانم... الفيديو وصلنا إحنا كمان.
ناولته الهاتف.
شاهد المقطع أكثر من مرة، ثم أوقفه عند الثانية الأخيرة.
قال فجأة
استني...
كبّر الصورة.
ظهر خاتم آدم الفضي في يده اليسرى، وكان يطرق به على الكرسي المعدني.
ثلاث طرقات...
ثم طَرْقَتان...
ثم ثلاث طرقات.
همس حسام
ده كود.
نظرت إليه بسرعة.
يعني إيه؟
آدم استخدم الإشارة دي زمان مع رجال الأمن بتوعه... معناها ما تنفذوش الطلب... ده فخ.
تنفست ببطء.
إذًا...
كان يحاول أن يحذرنا.
بعد أقل من ساعة...
اجتمع رجال آدم في غرفة الاجتماعات.
قال أحدهم بغضب
لازم نسلمهم الخاتم.
اعترض حسام فورًا.
لو سلمناه... هيقتلوا البيه والهانم مع بعض.
ساد الجدال.
أما أنا...
فكنت صامتة.
ثم رفعت رأسي وقلت
هروح.
التفت الجميع نحوي.
قال حسام بحزم
مستحيل.
أجبته بهدوء
أنا قلت هروح... لكن مش لوحدي.
ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ اختطاف آدم.
بدأت الخطة تتشكل.
في الليلة نفسها...
تحرك موكب صغير نحو المكان الذي حدده الخاطفون.
كان مخزنًا قديمًا على أطراف المدينة.
دخلت وحدي، كما طلبوا.
كانت العلبة التي تحتوي على الخاتم في يدي.
ساد الظلام.
ثم أضاءت مصابيح قوية فجأة.
خرج أربعة رجال ملثمين.
تقدم أحدهم وقال
حطي العلبة على الأرض.
فعلت ما طلب.
ثم قلت بثبات
فين آدم؟
ابتسم الرجل.
وأشار إلى الأعلى.
رفعت رأسي.
كان آدم مقيدًا على منصة حديدية مرتفعة.
رفع عينيه نحوي.
ورغم الكدمات التي تغطي وجهه...
ابتسم.
ابتسامة صغيرة...
كأنه يقول لي متخافيش.
لكن في اللحظة التالية...
خلع الرجل الملثم قناعه.
شهقت.
لم أكن أعرفه.
أما آدم...
فاتسعت عيناه في صدمة حقيقية.
همس باسمه
إنت؟!
نظر الرجل إليه ببرود.
أيوه... أنا.
ثم التفت إليّ وقال
واضح إنه عمره ما حكالك عني.
أجبت بصوت مرتجف
أنت مين؟
ابتسم ابتسامة باردة وقال
أنا أخوه.
ساد الصمت.
التفتُّ إلى آدم.
كانت ملامحه تؤكد أنه لم يتوقع ظهور ذلك الرجل.
قال آدم بصوت منخفض
أخويا... مات من عشرين سنة.
ضحك الرجل.
لا... خليوك تصدق كده.
ثم اقترب خطوة وأضاف
والحقيقة إن كل اللي حصل... من أول جوازكم... كان عشان أوصل للي في إيدك.
نظرت إلى العلبة.
ثم إليه.
بدأت أدرك أن الخاتم الذي ظننته مجرد ذكرى قديمة...
قد يكون المفتاح لسر أكبر بكثير مما تخيلت.
يتبع...تجمدت في مكاني.
نظرت إلى آدم، ثم إلى الرجل الذي يدّعي أنه شقيقه.
كان الشبه بينهما واضحًا؛ نفس العينين الحادتين، ونفس نبرة الصوت الهادئة التي تخفي غضبًا عميقًا.
قال آدم أخيرًا
اسمير...
إذن كان يعرفه.
ابتسم الرجل بسخرية.
افتكرت إنك هتنساني؟
رد آدم ببرود
أنا اللي حضرت جنازتك.
ضحك سمير ضحكة قصيرة.
والجنازة كانت لرجل تاني... أما أنا فكنت لازم أختفي.
اقترب مني، لكن آدم صاح بغضب
خطوة كمان ناحيتها، وهعتبرها آخر خطوة في حياتك.
توقف سمير مكانه، ثم قال
لسه بتحاول تحميها... زي أبوك زمان.
عقدت حاجبي.
إيه علاقة والد آدم بالموضوع؟
تنهد سمير، ثم جلس على صندوق خشبي وكأنه قرر أن يحكي قصة قديمة.
من خمسة وعشرين سنة، كان فيه أربع عائلات كبيرة بتتقاسم النفوذ. لكن حد فيهم خان الباقيين وسرق ملفات خطيرة... ملفات كانت تقدر تدمر الكل.
نظر إليّ مباشرة.
والدتك كانت شاهدة على اللي حصل.
شعرت بقشعريرة.
أمي؟
أيوه... وعشان كده فضلت مطاردة طول عمرها.
سأل آدم بحدة
والخاتم؟
ابتسم سمير.
الخاتم مش مجرد خاتم.
أشار إليه.
جواه مفتاح إلكتروني صغير.
فتح علبة الخاتم وأدارها بطريقة معينة.
سمعنا صوت طَق.
انفصل الجزء الداخلي للخاتم، وظهر بداخله شريحة معدنية دقيقة.
اتسعت عيناي.
قال سمير
الشريحة دي بتفتح خزنة محدش عرف يوصلها من خمسة وعشرين سنة.
نظر آدم إلى الشريحة، ثم قال
يعني كل اللي حصل... كان بسببها؟
أجاب سمير
لأ.
ثم أشار إليّ.
كان بسببها هي.
ساد الصمت.
ابتلعت ريقي.
أنا؟
لأن الخزنة مش هتفتح غير ببصمة آخر فرد من عيلة والدها.
شعرت أن قلبي توقف للحظة.
همست
يعني... أنا؟
أومأ سمير.
عشان كده فضلتِ تحت المراقبة من وإنتِ طفلة.
نظر آدم إليّ، ثم إلى سمير.
كانت ملامحه تمتزج بين الغضب والذهول.
قال بصوت منخفض
يبقى هي كانت الهدف... من قبل ما أعرفها.
وقبل أن يجيب سمير...
انطلق صوت إنذار حاد داخل المخزن.
دخل أحد رجاله مسرعًا وهو يصرخ
الشرطة... المكان اتملى قوات!
نظر سمير إلى ساعته، ثم ابتسم.
يبدو إن وقت الحكايات خلص.
ضغط زرًا صغيرًا في جهاز كان بيده.
فانطفأت الأنوار كلها.
وخلال ثوانٍ، عمّ المكان الظلام.
سمعت أصوات اشتباك وصراخ.
ثم شعرت بيد قوية تمسك معصمي.
كدت أصرخ...
لكن الصوت همس في أذني
متخافيش... أنا آدم.
شدني خلفه عبر ممر جانبي، بينما كانت أصوات الفوضى تزداد خلفنا.
وبينما كنا نقترب من باب الخروج...
دوّى انفجار هائل هزّ المخزن بأكمله، وانهار جزء من السقف خلفنا، ليغلق الطريق الذي خرج منه سمير.
اختفى مرة أخرى...
لكن هذه المرة، لم يعد مجرد شبح من الماضي.
أصبح العدو الذي يملك نصف الحقيقة...
بينما النصف الآخر لا يزال ينتظرهما داخل الخزنة التي قد تغيّر مصير الجميع خرج آدم بي وهو يحيطني بذراعه حتى ابتعدنا عن المخزن.
في الخارج، كانت سيارات الشرطة والإسعاف تملأ المكان، وأضواءها الزرقاء والحمراء تنعكس على الدخان المتصاعد.
نظر أحد الضباط إلى آدم.
أستاذ آدم، لازم تيجي معانا وتدلي بأقوالك.
أجابه آدم بهدوء
بعدين... دلوقتي عندي حاجة أهم.
أمسك بيدي واتجه نحو السيارة.
لم يعترض أحد.
طوال الطريق، لم ينطق بكلمة.
كان يضغط على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.
وأخيرًا قال
لازم أعتذرلك.
التفتُّ إليه باستغراب.
تعتذر ليه؟
تنهد.
دخلتك عالم عمرك ما اخترتيه... وكل يوم حياتك بتبقى في خطر بسببي.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
يمكن... بس أنا اخترت أفضل جنبك.
نظر إليّ للحظة، ثم أعاد عينيه إلى الطريق.
ولأول مرة، لم يخفِ ما بداخله.
قال بصوت خافت
لو كنت أعرف إن وجودك هيبقى أهم من حياتي... مكنتش وافقت على الجواز من الأساس.
شعرت بأن قلبي يخفق بقوة.
لم تكن هذه اعترافًا صريحًا بالحب...
لكنها كانت أقرب شيء إليه.
في صباح اليوم التالي، توجهنا إلى بنك النيل.
دخلنا إلى قسم الخزائن الخاصة.
أخرج آدم المفتاح الفضي.
وسلّمه للموظف.
بعد دقائق، اصطحبنا إلى ممر طويل ينتهي بباب فولاذي ضخم.
توقف أمام الخزنة رقم 17.
أدار المفتاح.
لكن الباب لم يفتح.
قال الموظف
الخزنة عليها شرط إضافي... بصمة صاحب الحق.
نظرت إلى آدم.
ثم وضعت إصبعي على جهاز البصمة.
صدر صوت إلكتروني.
تم التحقق.
وانفتح الباب ببطء.
في الداخل...
لم تكن هناك أموال.
ولا سبائك ذهب.
بل صندوق خشبي صغير، ورسالة مختومة بالشمع الأحمر.
فتح آدم الرسالة بحذر.
وبدأ يقرأ
إذا وصلتما إلى هنا، فهذا يعني أن نصف الأسرار انكشف... وبقي النصف الأخطر.
ثم توقف.
لأن تحت الرسالة مباشرة كانت صورة قديمة.
التقطتها بيدي.
شهقت.
كانت الصورة تجمع أربعة أشخاص.
والدتي...
والد آدم...
الرجل الذي قيل إنه والدي...
ورجل رابع...
ما إن رآه آدم حتى تغير وجهه بالكامل.
همس
مستحيل...
سألته بسرعة
تعرفه؟
أجاب وعيناه لا تفارقان الصورة
ده... الدكتور فؤاد.
مين الدكتور فؤاد؟
ابتلع ريقه.
الطبيب اللي شهد رسميًا إن أخويا سمير مات.
تجمدت في مكاني.
إذا كان الطبيب الذي أعلن وفاة سمير موجودًا في الصورة مع والدتي ووالد آدم قبل خمسة وعشرين عامًا...
فهذا يعني أن قصة موت سمير ربما لم تكن الكذبة الوحيدة.
وفي أسفل الصورة...
كانت هناك جملة مكتوبة بخط اليد
لا تبحثوا عن القاتل... ابحثوا عمّن كتب شهادة الوفاة.
نظر آدم إليّ بصمت.
وأدركنا معًا أن كل خيط كنا نتبعه حتى الآن...
كان يقودنا إلى شخص لم نشك فيه يومًا.

تم نسخ الرابط