في ليلة زفافها حكايات ميراا
في الخارج يخف تارة ويشتد تارة أخرى.
جلست على المقعد المقابل لآدم، بينما كانت الرسالة لا تزال بين يدي.
لاحظ نظراتي إليها.
فسأل بهدوء
الرسالة دي عاملة فيكي كده ليه؟
ترددت.
ثم قلت
أمي كتبتها قبل ما تموت... ومكنتش أعرف إنها موجودة.
أشار إليها برأسه.
اقريها.
أخذت نفسًا عميقًا وفتحت الورقة.
كان الخط مهتزًا، وكأن أمي كتبتها وهي في أيامها الأخيرة.
يا نور عيني... لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجودة جنبك. فيه ناس هتحاول تقنعك إنك ضعيفة، لكن الحقيقة غير كده. أبوكي مش مات زي ما الناس قالت... هو اتقتل. والسبب حاجة أخطر من الفلوس. إوعي تثقي في أي حد قبل ما تعرفي الحقيقة بنفسك.
توقفت عن القراءة.
شعرت بأن يدي ترتجف.
نظر إليّ آدم باهتمام.
كملي.
ابتلعت ريقي وأكملت.
ولو في يوم دخلتي بيت المنشاوي... اعرفي إن القدر سبقك هناك بسنين. فيه دين قديم بين العيلتين، وهتكتشفيه في الوقت المناسب.
رفعت رأسي ببطء.
ساد صمت ثقيل.
قال آدم وهو يقطب حاجبيه
إزاي أمك كانت تعرف اسم عيلتي؟
هززت رأسي.
معرفش... دي أول مرة أسمع بالكلام ده.
وفي تلك اللحظة، سمعنا طرقًا على الباب الفولاذي.
قبض آدم على مسدسه فورًا.
جاء صوت من الخارج
يا بيه... أنا حسام.
ظل آدم صامتًا.
ثم سأل
كلمة السر؟
أجاب الرجل فورًا.
فتح آدم الباب بحذر.
دخل حسام، وكان وجهه متعبًا.
قال
الهجوم انتهى... لكن الخاين هرب.
ثم نظر إليّ للحظة قبل أن يقول
وفي خبر تاني.
اقترب آدم.
اتكلم.
قال حسام
فتشنا أوضة أحد الحراس... ولقينا صورًا للهانم.
اتسعت عيناي.
صوري؟
أومأ برأسه.
صور ليكي من قبل الجواز... ومن أيام الجامعة كمان.
تجمد الدم في عروقي.
كيف يمكن لأحد أن يراقبني منذ سنوات؟
نظر آدم إلى الصور، وتحولت ملامحه إلى صلابة لم أرها من قبل.
قال بصوت منخفض
يبقى الموضوع عمره ما كان جواز.
ثم التفت إليّ.
حد كان عارف إنك هتدخلي حياتي... وبيخطط لده من زمان.
وقبل أن أستوعب كلماته، رن هاتف حسام.
استمع لثوانٍ، ثم شحب وجهه.
رفع رأسه ببطء وقال
يا بيه...
خير؟
الطب الشرعي أكد إن الراجل اللي قبضنا عليه قبل ما يموت قال اسم واحد.
سأل آدم بحدة
مين؟
أجاب حسام
قال... الخيانة بدأت من أقرب الناس.
ساد الصمت.
ولأول مرة...
ظهر على وجه آدم شيء يشبه القلق الحقيقي.
لأنه أدرك أن العدو...
لم يكن خارج أسوار القصر.
بل كان يعيش بينهم منذ سنوات، وينتظر اللحظة المناسبة لتدمير كل شيء ساد الصمت داخل الغرفة.
ظل آدم يحدق في الفراغ لعدة ثوانٍ، ثم أغلق الملف الذي كان يحمله حسام.
قال بنبرة هادئة، لكنها حاسمة
من النهارده... محدش يدخل الجناح الشرقي غير بإذني.
أومأ حسام وانصرف.
أما أنا، فلم أستطع إبعاد تلك الفكرة عن رأسي.
من كان يراقبني منذ أيام الجامعة؟ ولماذا؟
مع شروق الشمس، عاد القصر إلى هدوئه المعتاد، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن آدم لم يغادر إلى عمله.
ظل في مكتبه طوال الصباح، يتلقى اتصالات متتالية.
وقبل الظهيرة بقليل، طلب من أمينة أن تناديني.
دخلت المكتب.
كانت الجدران مغطاة بالكتب والخرائط، وعلى الطاولة عشرات الملفات.
أشار إلى الكرسي المقابل.
اقعدي.
جلست في صمت.
فتح درج مكتبه وأخرج ملفًا بني اللون.
دفعه نحوي.
افتحيه.
فتحت الملف ببطء...
وتجمدت أنفاسي.
كانت بداخله كل تفاصيل حياتي.
شهادة ميلادي.
صور من المدرسة.
شهادات الجامعة.
حتى صورة لي وأنا أحمل ابنة خالتي الصغيرة في عيد ميلادها.
رفعت رأسي إليه في ذهول.
إيه ده؟
قال بهدوء
الملف ده كان موجود في خزنة الراجل اللي هاجم القصر.
قلبت الصفحات بسرعة.
ثم توقفت عند آخر ورقة.
كانت هناك جملة مكتوبة بخط اليد
الهدف لا يُقتل... بل يُسلَّم حيًا.
شعرت بقشعريرة.
يعني كانوا عايزين يخطفوني؟
هز رأسه ببطء.
أيوه.
ليه؟
تنهد طويلًا.
لحد دلوقتي... معرفش.
في تلك الليلة، رفض آدم أن أعود إلى الجناح الشرقي.
قال بلهجة لا تقبل النقاش
هتباتي في الجناح الرئيسي.
نظرت إليه باستغراب.
وإنت؟
وأنا كمان.
ترددت.
ابتسم لأول مرة ابتسامة خفيفة.
متقلقيش... الكنبة كبيرة.
رغم الموقف، ضحكت دون إرادة.
كانت أول ضحكة أطلقها منذ زواجي.
نظر إليّ للحظة، ثم قال
الضحكة لايقة عليكي أكتر من الخوف.
شعرت بحرارة وجهي، فخفضت بصري.
في منتصف الليل...
استيقظت على صوت مكتوم.
فتحت عيني ببطء.
كان آدم يقف أمام النافذة، يحمل مسدسه وينظر إلى الحديقة.
همس دون أن يلتفت
اصحي... في حد بره.
نهضت بسرعة.
وبعد ثوانٍ، ظهر شخص يرتدي ملابس سوداء يقف عند سور القصر.
لم يحاول الدخول.
بل رفع شيئًا صغيرًا وألقاه داخل الحديقة، ثم اختفى في الظلام.
خرج الحراس مسرعين.
وبعد دقائق عاد أحدهم يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وضعه أمام آدم.
تفحصه بحذر.
ثم فتحه.
في الداخل...
لم يكن هناك سلاح.
ولا متفجرات.
بل كانت هناك لعبة أطفال قديمة...
ومعها ظرف أبيض.
فتح آدم الظرف.
قرأ السطر الأول، فتغير لون وجهه.
انتزعت الورقة من يده.
كان مكتوبًا فيها
إذا أردت أن تعرف الحقيقة عن زوجتك... فاسألها عن الليلة التي وُلدت فيها.
نظرت إلى آدم بذهول.
ثم همست
أنا... معرفش أي حاجة عن ليلة ولادتي.
رفع عينيه نحوي ببطء.
ولأول مرة منذ التقينا...
لم تكن نظرته مليئة بالشك...
بل بالحيرة.
لأنه بدأ يدرك أن السر الذي يحيط بي...
قد يكون أكبر بكثير من عالم المافيا نفسه أخذ آدم الرسالة من يدي مرة أخرى، وقرأها ببطء، كأنه يبحث بين الكلمات عن معنى خفي.
ثم مزق الظرف من الداخل.
سقطت ورقة صغيرة أخرى لم نكن قد انتبهنا إليها.
التقطها حسام بسرعة.
كانت خريطة قديمة لمدينة القاهرة، وعليها دائرة حمراء حول مبنى مهجور في حي قديم.
وفي أسفلها كُتبت عبارة واحدة
الحقيقة تبدأ هنا.
نظر آدم إلى حسام.
جهز العربية... هنطلع دلوقتي.
اعترضت أمينة فورًا عندما سمعت بالخطة.
يا بيه، ده فخ واضح.
أجابها آدم دون تردد
عارف... لكن اللي بيلعب معانا عايزنا نوصل للمكان ده. وأنا عايز أعرف ليه.
ثم التفت إليّ.
هتيجي معايا.
سألته بدهشة
بعد كل اللي حصل؟
الرسالة بتتكلم عنك... مستحيل أسيبك هنا لوحدك.
بعد أقل من ساعة...
وصلنا إلى المبنى المهجور.
كان مصنعًا قديمًا أغلق أبوابه منذ سنوات.
الأبواب الحديدية صدئة، والنوافذ مكسورة، والغبار يغطي كل شيء.
دخل آدم أولًا، يتقدمه أربعة من رجاله.
كنت أسير خلفه مباشرة.
وفجأة...
قال أحد الحراس
يا بيه... في حد كان هنا من وقت قريب.
كانت آثار أقدام واضحة فوق طبقة الغبار.
تبعناها حتى وصلنا إلى مكتب قديم في آخر الممر.
فتح آدم الباب.
لم نجد أحدًا.
لكن فوق المكتب...
كان يوجد صندوق خشبي صغير، يشبه الصندوق الذي وصل إلى القصر.
فتحه بحذر.
في داخله شريط فيديو قديم، ومفتاح فضي، وصورة.
أمسكت الصورة.
شهقت.
كانت لأمي...
تقف بجوار رجل لا أعرفه.
لكن الصدمة لم تكن في الرجل.
بل في الطفل الذي كانت تحمله بين ذراعيها.
لم يكن رضيعًا...
بل طفلًا في الثالثة من عمره.
همست
مستحيل... أنا ماعنديش أخ.
أخذ آدم الصورة مني، وقلبها.
كان مكتوبًا على ظهرها
العائلة لم تكن كما أخبروك أبدًا.
وفي اللحظة نفسها...
دوى صوت إطلاق نار من خارج المبنى.
صرخ أحد الحراس
كمين!
انخفض الجميع إلى الأرض.
تحطمت النوافذ تحت وابل الرصاص.
أمسك آدم بيدي وسحبني خلف جدار خرساني.
ثم نظر إلى حسام وقال
خدها واخرج من المخرج الخلفي.
هززت رأسي بعناد.
لأ... مش هسيبك.
ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم الرصاص الذي يحيط بنا.
أول مرة حد يرفض يهرب ويسيبني.
ثم رفع سلاحه واستعد للرد.
لكن قبل أن يطلق الرصاصة الأولى...
انطلق صوت عبر مكبر صغير في الخارج
يا آدم المنشاوي... دورك خلص.
سلّم البنت...
وهتعرف الحقيقة اللي مخبينها عنكم من خمسة وعشرين سنة.
نظر آدم إليّ ببطء.
ثم شد على يدي وقال بصوت ثابت
مهما كانت الحقيقة...
مش هسلمك لحد.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن هذا الزواج الذي بدأ كصفقة باردة...
تحول إلى معركة سيخوضها آدم وهو مستعد أن يخسر كل شيء... إلا أنا انفجرت المعركة خارج المصنع.
تقدم رجال آدم بسرعة، بينما دوّى صوت الرصاص في المكان المهجور.
لكن آدم لم يندفع خلفهم.
ظل واقفًا أمامي، يحجبني بجسده.
قال لحسام دون أن يرفع عينيه عن الباب
خرجها من الممر الخلفي... دلوقتي.
وقبل أن يتحرك أحد...
ارتفع صوت الرجل نفسه عبر مكبر الصوت
لو خرجتوا، هتموتوا من غير ما تعرفوا الحقيقة!
ساد صمت قصير.
ثم خرج رجل مسن من بين الظلال، رافعًا يديه ليُظهر أنه غير مسلح.
كان شعره أبيض بالكامل، لكنه كان يتحرك بثقة غريبة.
صرخ أحد الحراس
مكانك!
لكن الرجل لم يتوقف.
نظر مباشرة إلى آدم وقال
أنا مش جاي أقاتلك... أنا جاي أسلم الأمانة.
أشار آدم إلى رجاله ألا يطلقوا النار.
اقترب الرجل ببطء، ثم أخرج من معطفه دفترًا جلديًا قديمًا.
مده نحوي.
ده كان عند والدتك.
ترددت قبل أن آخذه.
سألته بصوت مرتجف
إنت مين؟
أجاب بعد لحظة صمت
كنت محامي والدك.
اتسعت عيناي.
بس... قالوا إن بابا مات في حادث!
هز رأسه بأسى.
دي كانت الرواية اللي اتقالت للناس.
فتح آدم الدفتر بسرعة، لكن معظم صفحاته كانت قديمة ومتآكلة.
وفي الصفحة الأخيرة، وجد ورقة مطوية بإحكام.
فتحها.
كان فيها خطاب بخط يد رجل.
قرأ آدم أول سطر بصوت منخفض
إذا وصلت هذه الرسالة إلى ابنتي، فاعلمي أنني لم أتركك بإرادتي...
حبست أنفاسي.
تابع القراءة
هناك من أراد الاستيلاء على كل ما أملك، وعندما رفضت، قرر أن يمحو عائلتي. إن نجوتِ يومًا، فلا تبحثي عن الانتقام... ابحثي عن الحقيقة.
وقبل أن يكمل...
انطلقت رصاصة من مكان مجهول.
أصابت الرجل المسن في صدره.
سقط على الأرض.
ركضت نحوه.
أمسك بيدي بصعوبة، وهمس بكلمات متقطعة
الخاين... مش... من رجال... آدم...
ثم انقطعت أنفاسه.
نظر آدم حوله بعينين غاضبتين.
كان القاتل قد اختفى.
لكن الرسالة...
بقيت بين يديه.
ولأول مرة، أدرك أن كل ما كان يعتقده عن الصراع بين العائلات لم يكن سوى جزء صغير من قصة أكبر، وأن الحقيقة التي يقتربان منها أصبحت أخطر من أي معركة خاضها في حياته.
يتبع...عادوا إلى القصر قبل الفجر.
لم يتبادل أحد كلمة واحدة طوال الطريق.
كان آدم يقود السيارة بنفسه، بينما بقيت الرسالة والدفتر الجلدي على المقعد بيننا.
كلما نظرت إليهما، شعرت أن حياتي التي عرفتها طوال خمسة وعشرين عامًا كانت تنهار قطعةً بعد أخرى.
ما إن دخلنا القصر حتى أغلق آدم أبواب مكتبه بنفسه.
وضع الدفتر على الطاولة، ثم استدعى حسام وأمينة.
قال بصوت هادئ