في ليلة زفافها حكايات ميراا
كلمة لطيفة تخرج منه منذ عرفته.
لكن لا أنا...
ولا هو...
كنا نعلم أن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد.
فبعد أيام قليلة، وفي الليلة التي قرر فيها أن يجعل زواجنا زواجًا حقيقيًا...
سيكتشف السر الذي أخفيته عن الجميع طوال حياتي.
السر الذي سيجعله يحدق بي في ذهول، ويهمس
مستحيل... أنتِ لم يمسسك رجل من قبل!
يتبع...انطلقت السيارة السوداء التي أقلّتنا بعيدًا عن قاعة الزفاف، بينما كانت كاميرات الصحافة لا تزال تلتقط الصور الأخيرة.
ساد الصمت.
لم يحاول آدم أن يمسك يدي، ولم يحاول حتى أن ينظر إليّ.
كان ينظر من النافذة، وكأنه يفكر في شيء أخطر بكثير من ليلة زفافه.
بعد عشر دقائق فقط، قال دون أن يلتفت
أوضتك هتبقى في الجناح الشرقي.
نظرت إليه باستغراب.
يعني؟
قال بهدوء
كل واحد فينا هيعيش حياته. الجواز ده اتفاق... مش قصة حب.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وأنا أصلًا ما طلبتش قصة حب.
لأول مرة، التفت إليّ.
كانت نظرته حادة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما يدور في رأسي.
ثم قال
كويس إننا فاهمين بعض.
وعاد ينظر إلى الطريق.
وصلنا إلى قصر المنشاوي.
كان أشبه بفندق فاخر أكثر منه منزلًا.
بوابات حديدية ضخمة.
حدائق تمتد على مسافات طويلة.
وعشرات الحراس المنتشرين في كل مكان.
استقبلتنا مديرة المنزل، وهي سيدة خمسينية تُدعى أمينة.
ابتسمت لي بحنان وقالت
البيت نور يا هانم.
كانت أول ابتسامة صادقة أراها منذ يومين.
شكرتها بصوت خافت.
لكن قبل أن أصعد، اقترب رجل من آدم وهمس في أذنه.
تغيّر وجهه فجأة.
اختفت برودته، وحلّ مكانها غضب مكتوم.
قال للرجل
اتأكد إن محدش يعرف.
ثم التفت إليّ.
عندي شغل ضروري... ارتاحي.
وغادر القصر بعد أقل من خمس دقائق على وصولنا.
نظرت إلى سيارته وهي تبتعد، وشعرت أن هذا الرجل لا يعيش حياة طبيعية.
مرّت ساعتان.
كنت أتجول في المكتبة الكبيرة بالقصر عندما سمعت أصواتًا مرتفعة قادمة من الطابق السفلي.
توقفت دون قصد.
كان الصوت لاثنين من الحراس.
قال الأول
لو الزعيم ما لحقش الاجتماع الليلة، ممكن تحصل حرب.
رد الثاني
من ساعة وفاة الحاج سليم، وكل العائلات مستنية توقعه.
تجمدت في مكاني.
حرب؟
أي حرب؟
أدركت أن الشائعات التي كنت أسمعها عن عائلة المنشاوي ربما كانت أقل بكثير من الحقيقة.
في منتصف الليل...
عاد آدم.
كانت بدلته ممزقة قليلًا عند الكتف.
وعلى يده آثار دماء.
شهقت دون أن أشعر.
نظر إلى يده، ثم إليّ.
وقال ببرود
مش دمي.
ثم صعد السلم.
بعد دقائق، سمعت صوت شيء يسقط داخل غرفته.
ترددت كثيرًا...
لكنني طرقت الباب.
لم يجب.
فتحت الباب ببطء.
وجدته يجلس على الأرض، يحاول نزع رصاصة خدشت كتفه، بينما يمنع الطبيب من استدعاء أي مستشفى.
رفع رأسه نحوي بغضب.
مين سمحلك تدخلي؟
لكنني لم أتحرك.
قلت بهدوء
النزيف هيزيد.
نظر إليّ ساخرًا.
وإنتِ دكتورة؟
هززت رأسي.
لأ... بس درست إسعافات أولية في الجامعة.
ظل يراقبني لثوانٍ.
ثم ألقى قطعة الشاش على الطاولة وقال
اعملي اللي شايفاه.
اقتربت منه بحذر.
نظفت الجرح، وأوقفت النزيف، وربطت كتفه بيدي المرتجفتين.
ورغم أنه كان يُعرف بالرجل الذي لا يخاف أحدًا...
لاحظت شيئًا غريبًا.
كان يتحمل ألم الرصاصة بصمت...
لكنه كان يتجنب النظر مباشرة في عيني.
وعندما انتهيت، قال لأول مرة بصوت أقل قسوة
شكرًا.
كانت أول كلمة لطيفة تخرج منه منذ عرفته.
لكن لا أنا...
ولا هو...
كنا نعلم أن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد.
فبعد أيام قليلة، وفي الليلة التي قرر فيها أن يجعل زواجنا زواجًا حقيقيًا...
سيكتشف السر الذي أخفيته عن الجميع طوال حياتي.
السر الذي سيجعله يحدق بي في ذهول، ويهمس
مستحيل... أنتِ لم يمسسك رجل من قبل!
أغمضت عيني تلك الليلة وأنا أظن أن ما حدث انتهى.
لكن الحقيقة كانت تبدأ للتو.
منذ تلك اللحظة، تغيّر شيء خفي بيني وبين آدم.
لم يعد يتجاهل وجودي تمامًا كما كان يفعل في اليوم الأول.
لم يصبح حنونًا، ولم يتحول إلى زوجٍ عاشق، لكنه صار يرسل أمينة كل صباح لتسألني إن كنت أحتاج شيئًا، وإذا تأخرتُ عن الإفطار كان يطلب الاحتفاظ بالطعام حتى أنزل.
كانت تصرفات صغيرة...
لكنها لم تكن تشبه الرجل الذي قال لي ببرود
الجواز ده اتفاق... مش قصة حب.
مرت ثلاثة أيام.
وفي مساء اليوم الرابع، كنت أجلس في شرفة الجناح الشرقي أقرأ كتابًا، حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
دخلت أمينة وهي تبدو مترددة.
يا هانم... البيه طالب حضرتك على العشا.
رفعت رأسي بدهشة.
أنا؟
ابتسمت.
أيوه... وأول مرة يطلب حد يشاركه السفرة من سنين.
ارتديت فستانًا بسيطًا ونزلت.
كانت السفرة الطويلة تتسع لعشرين شخصًا، لكن لم يجلس عليها سوى اثنين.
أنا...
وآدم.
ساد الصمت لدقائق.
ثم قال وهو يقطع قطعة من اللحم
أمينة قالت إنك بتحبي الكتب.
ابتسمت بخفة.
الكتب أهدى من البشر.
رفع حاجبه.
واضح إن عندك تجربة سيئة معاهم.
نظرت إليه.
وأنت؟
أجاب بعد لحظة صمت
أنا بطلت أثق في الناس من زمان.
ثم انتهى الحديث.
لكن تلك الجملة بقيت تدور في رأسي طويلًا.
بعد العشاء، وبينما كنت أصعد إلى غرفتي، انطفأت أنوار القصر فجأة.
غرق المكان في الظلام.
وبعد ثوانٍ...
دوّى صوت إنذار حاد.
ركض الحراس في الممرات وهم يصرخون
اقفلوا البوابات!
محدش يخرج!
سمعت صوت إطلاق نار بعيد.
ثم اقتحم آدم الممر بخطوات سريعة.
كان يحمل مسدسه، وعيناه تمسحان المكان في لحظة.
ما إن رآني حتى أمسك بذراعي.
انزلي معايا.
قلت بارتباك
فيه إيه؟
قال بلهجة لا تقبل النقاش
دلوقتي مش وقت الأسئلة.
قادني عبر ممر خلفي لم أكن أعرف بوجوده.
فتح بابًا خشبيًا قديمًا يقود إلى غرفة إسمنتية تحت الأرض.
داخلها شاشات مراقبة وخزائن حديدية.
أغلق الباب الفولاذي خلفنا.
في الخارج، استمرت أصوات الرصاص.
أما في الداخل...
فلم أسمع إلا أنفاسي المتسارعة.
اقترب من إحدى الشاشات، يتابع ما يحدث في ساحة القصر.
ظهر رجال ملثمون يحاولون اقتحام البوابة الرئيسية.
لكن حراس المنشاوي كانوا قد تصدوا لهم.
بعد دقائق انتهى كل شيء.
ساد الصمت.
تنفس آدم ببطء، ثم أعاد المسدس إلى حزامه.
استدرت نحوه.
دول مين؟
ظل صامتًا.
ثم قال
ناس فاكرة إن موتي هيخليها تكسب.
وقبل أن أسأله سؤالًا آخر، دخل أحد الحراس مسرعًا.
كان وجهه شاحبًا.
قال وهو يلهث
يا بيه... قبضنا على واحد منهم.
تجمدت ملامح آدم.
اتكلم.
ابتلع الحارس ريقه وقال
الراجل قبل ما يغمى عليه قال إن اللي بعتهم... واحد من جوه القصر.
ساد صمت ثقيل.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
إذا كان الخائن يعيش داخل هذا القصر...
فهذا يعني أن أحد الوجوه التي أراها كل يوم يخفي وراء ابتسامته خنجرًا.
نظر آدم إلى الشاشات طويلًا، ثم قال بصوت منخفض
من النهارده... ما تثقيش في حد.
حتى أمينة...
خلي بالك منها.
اتسعت عيناي.
حتى أمينة؟
لم يجب.
لكن نظرته وحدها كانت كافية لأفهم أن اللعبة التي دخلت إليها أخطر بكثير مما تخيلت.
ولم أكن أعلم أن بعد أقل من أسبوع...
سيجبرنا خطر أكبر على النوم في غرفة واحدة لأول مرة.
وهناك...
سيكتشف آدم السر الذي أخفيته عن الجميع طوال حياتي، وهو السر الذي سيقلب كل ما كان يعتقده عني رأسًا على عقب في الليلة التالية...
لم يغمض لي جفن.
كلمات آدم كانت تتردد في رأسي باستمرار
ما تثقيش في حد... حتى أمينة.
كيف يمكن أن أشك في المرأة الوحيدة التي عاملتني بلطف منذ أن دخلت هذا القصر؟
في صباح اليوم التالي...
بدت الحياة وكأن شيئًا لم يحدث.
الخدم ينظفون الحديقة.
الطهاة يعدّون الإفطار.
والحراس يقفون في أماكنهم كالمعتاد.
لكنني بدأت ألاحظ أشياء لم أنتبه لها من قبل.
نظرات سريعة بين بعض العاملين.
همسات تتوقف فور مروري.
وأبواب تُغلق بمجرد اقترابي.
كان القصر كله يخفي أسرارًا.
في المساء...
كانت أمينة ترتب ملابسي داخل الخزانة.
أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا كانت أمي قد وضعته بين أمتعتي.
ابتسمت وقالت
واضح إن الحاجة دي غالية عليكي.
أخذته منها بسرعة.
دي آخر حاجة فضلت من ماما.
هزت رأسها باحترام، ثم خرجت.
فتحت الصندوق ببطء.
كانت بداخله سلسلة فضية قديمة...
وصورة باهتة لأمي وهي تحملني وأنا رضيعة.
وتحت الصورة...
ظرف أصفر لم أره من قبل.
ارتجفت يداي.
مزقت الظرف بحذر.
كانت بداخله رسالة قصيرة بخط أمي.
لو وصلتي لليوم اللي هتتجوزي فيه... افتحي الرسالة دي. في حقيقة عن ميلادك محدش يعرفها غيري.
تسارعت أنفاسي.
لكن قبل أن أقرأ بقية الرسالة...
انقطع التيار الكهربائي مرة أخرى.
ثم انطلقت صفارات الإنذار في القصر.
سمعت صراخ الحراس في الخارج.
اقفلوا كل المداخل!
حد دخل الجناح الشرقي!
ارتبكت.
وفي اللحظة نفسها...
انفتح باب غرفتي بقوة.
شهقت...
لكن الذي دخل كان آدم.
أغلق الباب خلفه بسرعة وهو يلهث.
كان يحمل مسدسه، وملابسه مغطاة بالغبار.
اقترب مني مباشرة.
مفيش وقت.
قلت بقلق
حصل إيه؟
أجاب وهو يفتح بابًا سريًا خلف إحدى المكتبات
الخاين عرف مكانك.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
يعني إيه؟
نظر إليّ بجدية لأول مرة.
الهدف الحقيقي الليلة... إنتِ.
تجمدت في مكاني.
أنا؟
لماذا أنا؟
أمسك بيدي دون تردد هذه المرة، وقادني عبر الممر السري.
كان ضيقًا ومظلمًا، ولا يُسمع فيه إلا صوت خطواتنا.
وفجأة...
دوى انفجار هائل فوقنا.
اهتزت الجدران، وتناثر الغبار من السقف.
دفَعني آدم بقوة نحو الحائط، وأحاطني بجسده ليحميني من الحجارة المتساقطة.
توقفت أنفاسي.
كانت هذه أول مرة أشعر بقربه بهذا الشكل.
ولأول مرة...
لم أرَ زعيم المافيا القاسي.
رأيت رجلًا يخشى أن يصيبني مكروه.
بعد دقائق وصلنا إلى غرفة محصنة أسفل القصر.
أغلق الباب الفولاذي بإحكام.
جلس على الكرسي وهو يحاول التقاط أنفاسه.
ثم نظر إلى كتفه.
كان الجرح القديم قد انفتح من جديد، والدم بدأ ينزف بغزارة.
تنهد بضيق.
واضح إنك هتضطري تعالجيني للمرة التانية.
ابتسمت رغم خوفي.
وأحضرت صندوق الإسعافات.
اقتربت منه وبدأت أنظف الجرح.
لكن بينما كنت أفك أزرار قميصه للوصول إلى الكتف المصاب...
توقفت فجأة.
فقد رفع هو رأسه في اللحظة نفسها.
وأصبحت المسافة بين وجوهنا لا تتجاوز سنتيمترات قليلة.
نظر إلى عيني طويلًا...
ثم همس بصوت خافت
تعرفي...
أول مرة حد يلمسني من غير خوف.
وقبل أن أجد ردًا...
دوى صوت إطلاق نار عنيف خلف الباب الفولاذي.
نظر آدم نحو الباب، ثم عاد ينظر إليّ.
وقال بنبرة حاسمة
الليلة دي... هنفضل هنا سوا.
ولم يكن أيٌّ منا يعلم...
أن الساعات القادمة ستكشف السر الذي أخفته والدتي في تلك الرسالة، وأن الحقيقة لن تغيّر حياتي وحدي... بل ستقلب إمبراطورية المنشاوي بأكملها مرت الدقائق بطيئة داخل الغرفة المحصنة.
كان صوت الرصاص