زعيم العيلة _حكايات ميراااا

لمحة نيوز

ولا تصله شكوى من موظف شعر بالظلم.
في صباح هادئ...
وصلت إلى المؤسسة رسالة قديمة.
كان الظرف أصفر من أثر الزمن.
وجدته كارما أثناء ترتيب أرشيف القصر الذي تبرع به ياسين للمؤسسة.
على الظرف كان مكتوب
لا يُفتح إلا بعد عشرين سنة.
اتصلت بياسين.
لازم تيجي.
بعد ساعة...
جلس الاثنان في المكتب.
فتحت كارما الظرف بحذر.
كان بداخله خطاب بخط يد والد ياسين.
بدأت تقرأ
يا ياسين...
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
أنا علمتك تبقى قوي...
لكن للأسف ما علمتكش تبقى رحيم.
ولو ربنا رزقك الفرصة تتعلم الرحمة من حد أقل منك في المنصب...
أوعى تضيعها.
لأن القوة بتحمي الإنسان...
لكن الرحمة هي اللي بتخليه إنسان.
سكتت كارما.
لم تستطع أن تكمل.
أما ياسين...
فأخذ الرسالة بيد مرتجفة.
وظل يقرأ آخر سطر أكثر من مرة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
سبحان الله...
كنت فاكر إني اتعلمت الرحمة متأخر.
طلع أبويا كان بيتمنى أتعلمها أصلًا.
خرج الاثنان إلى الحديقة.
كان الأطفال يركضون بين الأشجار.
وفجأة...
ركض طفل صغير، وتعثر، وسقط على الأرض.
بكى.
وقبل أن يتحرك أحد...
انحنى ياسين بنفسه.
حمله برفق.
ونفض التراب عن ملابسه.
وقال مبتسمًا
البطل بيقوم تاني.
ضحك الطفل، ومسح دموعه.
ثم ركض يكمل لعب.
وقفت كارما تراقب المشهد.
وقالت
تعرف؟
لو شافك حد من زمان...
ما كانش هيصدق إنك نفس الشخص.
ضحك ياسين.
وأنا كمان.
نظر إلى يديه.
ثم قال
زمان كانوا بيخافوا من إيدي...
النهارده بتطمن طفل وقع.
وأنا راضي بده جدًا.
وقبل غروب الشمس...
جلسا على المقعد الخشبي في الحديقة.
قالت كارما
لو رجع بيك الزمن...
كنت هتغير حاجة؟
فكر طويلًا.
ثم قال
أيوه.
إيه؟
ابتسم.
كنت هسأل عن اسم الخدامة...
من أول يوم دخلت فيه بيتي.
ابتسمت كارما، والدموع تلمع في عينيها.
وقالت
وأنا...
كنت هصدق من بدري...
إني أستحق أكون مرئية.
ساد الصمت.
لكن هذه المرة...
لم يكن صمت خوف.
بل صمت راحة.
وكأن الحياة، بعد رحلة طويلة، أعادت لكل واحد منهما الشيء الذي فقده يومًا
لياسين... إنسانيته.
ولكارما... نفسها. بعد ذلك بعام...
اتخذ ياسين قرارًا لم يفهمه أحد في البداية.
جمع أفراد العائلة، والمحامين، ومديري الشركات.
وقال بهدوء
القصر هيتحول إلى متحف صغير ومركز تدريب.
ساد الصمت.
اعترض أحد أقاربه
معقول؟! ده بيت العيلة من خمسين سنة.
ابتسم ياسين.
عشان كده لازم يعيش بعدنا... مش يقفل بابه.
استغرقت أعمال التجهيز عامًا كاملًا.
وفي يوم الافتتاح...
دخل الزوار يتجولون في القاعات.
في إحدى الغرف كانت صور قديمة للعائلة.
وفي غرفة أخرى، وثائق عن تاريخ الشركة.
أما في آخر الممر...
فكانت غرفة صغيرة جدًا.
لم تكن أفخم غرفة.
لكنها كانت أكثر غرفة يقف الناس أمامها.
على بابها لافتة مكتوب عليها
غرفة البداية.
دخل الزوار.
وجدوا بداخلها كرسيًا خشبيًا قديمًا.
وفنجان قهوة أبيض.
ونظارة سوداء.
وفستانًا أحمر داخل صندوق زجاجي.
ولم تكن هناك أسماء.
فقط لوحة صغيرة كتب عليها
في هذا المكان، تعلّم شخص أن يرى... وتعلّم شخص آخر ألا يختبئ.
وقفت كارما أمام الصندوق الزجاجي.
تأملت الفستان.
ثم ابتسمت.
اقتربت منها فتاة صغيرة وسألتها
هو الفستان ده غالي؟
نظرت كارما إليه.
ثم إلى الطفلة.
وقالت
لا.
قيمته عمرها ما كانت في تمنه.
قيمته في الشجاعة اللي احتاجها صاحبه عشان يلبسه.
ابتسمت الطفلة، وكأنها فهمت أكثر مما يُتوقع من عمرها.
في المساء...
بعد أن غادر الجميع...
وقف ياسين في الحديقة للمرة الأخيرة.
قال لكارما
فاكرة أول كلمة قولتهالك؟
ضحكت.
لأ... أول كلمة كانت تسلمي.
ضحك هو أيضًا.
وأول كلمة قولتيهالي؟
ابتسمت.
العفو يا ياسين بيه.
هز رأسه.
غريبة...
قصة كاملة بدأت بكلمتين عاديين.
ردت بهدوء
لأن اللي بيغير الحياة...
مش دايمًا الكلام الكبير.
أوقات بيكون...
طريقة الكلام.
نظر الاثنان إلى القصر.
كانت الأنوار مضاءة.
والناس تدخل وتخرج.
ولم يعد البيت مكانًا للسلطة فقط...
بل أصبح مكانًا يحكي للناس أن الاحترام قد يغيّر مصير إنسان.
ومع آخر ضوء للشمس...
ابتسم ياسين وقال
دلوقتي أقدر أقول إن البيت ده...
بقى فعلًا بيت.
وانتهت الحكاية كما بدأت...
بباب فُتح.
لكن هذه المرة...
لم يخرج منه أحد خائفًا.
بل دخل منه كثيرون... وهم يشعرون بالأمان.

تم نسخ الرابط