زعيم العيلة _حكايات ميراااا

لمحة نيوز

هو اللي اتغير.
بقى يسأل كل يوم
صباح الخير يا كارما.
محتاجة حاجة؟
خدتي استراحة؟
أسئلة بسيطة...
لكن بالنسبة لها كانت جديدة.
وفي المقابل، كان حريص إن أي كلام بينهم يفضل في حدود الاحترام.
عمره ما وقفها من شغلها.
ولا طلب منها تدخل مكتبه لوحدها.
ولا خلاها تحس للحظة إنها مديونة له بأي حاجة.
وده بالذات...
كان السبب اللي خلاها ترتاح.
أما ريم...
فكانت بتراقب من بعيد.
وفي يوم، استدعت سامح.
وقالت
عايزة ملف الموظفة كارما.
استغرب سامح.
ليه يا هانم؟
ابتسمت.
مجرد فضول.
رفض سامح بأدب.
ملفات الموظفين سرية، ولا تخرج إلا بأمر من ياسين بيه.
أول مرة حد يرفض لها طلبًا داخل القصر.
خرجت وهي متضايقة.
في مساء الجمعة...
كان موعد كارما مع أحمد.
وقفت قدام المراية في أوضة العاملات.
فتحت الشنطة.
أخرجت الفستان الأحمر.
لكنها وقفت فجأة.
فضلت تبص له ثواني.
ثم رجعته مكانه.
وأخرجت فستانًا أزرق بسيطًا.
وقالت لنفسها
مش لازم أستخبى...
ومش لازم ألفت النظر.
أقدر أبقى أنا.
فردت شعرها، لكن سابته مربوط نصف ربطة، من غير الكحكة المشدودة اللي كانت بتوجعها.
ولما خرجت...
صادفت ياسين عند الباب الرئيسي.
ابتسم لما شافها.
وقال
الفستان ده لايق عليكِ.
احمرّ وشها.
شكرًا.
ثم أضاف بهدوء
أتمنى تقضي وقت لطيف.
ابتسمت.
إن شاء الله.
ركبت التاكسي ومشيت.
فضل ياسين واقف يبص للعربية لحد ما اختفت.
سأله سامح، اللي كان واقف بعيد
حضرتك مبسوط؟
سكت ياسين شوية.
ثم قال
أيوه.
طالما هي مبسوطة.
بصله سامح باستغراب.
لكن قبل ما يسأله...
رن موبايل ياسين.
كان رقم غريب.
رد.
وجاله صوت راجل متوتر
حضرتك تعرف الآنسة كارما؟
وقف قلبه لحظة.
أيوه.
أنا من مستشفى السلام...
الآنسة كارما وصلت عندنا من عشر دقايق بعد حادث سيارة.
وساد الصمت اتجمد ياسين مكانه.
حالتها إيه؟
رد الموظف
هي واعية، لكن الدكتور طالب حضور حد من أهلها أو شخص مسؤول عنها.
من غير ما يفكر، خطف مفاتيح عربيته.
سامح ناداله
يا باشا... في إيه؟
رد وهو خارج يجري
كارما عملت حادث.
بعد أقل من عشر دقائق...
كان داخل قسم الطوارئ.
لمح كارما قاعدة على السرير، جبينها عليه جرح صغير، وإيدها الشمال متجبسة مؤقتًا.
أول ما شافته...
اتسعت عينيها.
ياسين بيه؟
اقترب منها بسرعة.
إنتِ كويسة؟
هزت رأسها.
الحمد لله... مجرد خبطات.
دخل الدكتور في اللحظة دي.
قال
حضرتك قريبها؟
سكت ياسين لحظة.
ثم قال
أنا... صاحب شغلها.
ابتسم الدكتور.
أطمن، الأشعة سليمة. كسر بسيط في الرسغ وكام كدمة. المشكلة إن الشاب اللي كان معاها هو اللي أخد الإصابة الأكبر، لكنه خرج من غرفة العمليات وحالته مستقرة.
تنفست كارما الصعداء.
همست
الحمد لله... أحمد بخير.
نظر إليها ياسين.
هو اللي كان سايق؟
هزت رأسها.
عربية نقل قطعت عليهم الإشارة. حاول يبعد العربية عن ناحيتي... وكل الخبطة جات فيه.
سكت ياسين.
ثم قال بهدوء
واضح إنه راجل محترم.
ابتسمت كارما رغم الألم.
أيوه... محترم.
في اللحظة دي، دخل أحمد وهو على كرسي متحرك، وكتفه ملفوف بالضمادات.
أول ما شاف كارما، قال بقلق
إنتِ كويسة؟
ردت بسرعة
أنا كويسة... إنت اللي وجعتني عليك.
ابتسم أحمد.
ثم التفت لياسين.
حضرتك أكيد أستاذ ياسين.
مد يده السليمة.
كارما بتحكي عن احترامك في الشغل.
صافحه ياسين.
وقال
وأنا مدين لك... لأنك حميت حياتها.
ابتسم أحمد.
أي واحد مكانّي كان هيعمل كده.
نظر ياسين إلى الاثنين.
ورأى في عيون كارما راحة لم يرها من قبل.
راحة فتاة بدأت تستعيد ثقتها في الناس.
ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
خدي إجازة لحد ما تخفي.
الشغل آخر حاجة تفكري فيها.
اعترضت كارما تلقائيًا
بس...
قاطعها بابتسامة
دي أوامر المدير.
ضحكت لأول مرة منذ الحادث.
ولما خرج ياسين من المستشفى، كان سامح مستنيه عند العربية.
سأله
هترجع القصر؟
نظر ياسين إلى باب المستشفى لحظة، ثم قال بهدوء
أيوه.
وسامح لاحظ لأول مرة إن ملامح ياسين كانت هادئة.
مش لأنه كسب قلب كارما...
لكن لأنه اطمأن إنها بخير، وإن الشخص اللي اختارته يبدو شخصًا يستحقها.
وفي تلك الليلة، رجع ياسين إلى القصر، ونظر إلى بطاقة دعوة زفافه الموضوعة على مكتبه.
ظل يتأملها طويلًا...
وكأنه بدأ يسأل نفسه لأول مرة
هل أنا ماشي في الطريق اللي اخترته... ولا الطريق اللي اختاره غيري ليا؟مرّ أسبوعان.
رجعت كارما للشغل بعد ما الدكتور سمح لها تتحرك، لكن رسغها كان لسه عليه دعامة.
أول ما دخلت المطبخ، لقت ياسين واقف هناك.
بص لإيدها وقال
الدكتور قال إيه؟
ابتسمت.
أسبوعين كمان وهشيل الدعامة.
هز رأسه.
كويس.
حاولت تمد إيدها تشيل صينية القهوة.
سبقها هو.
سيبيها.
استغربت.
دي شغلتي.
رد بهدوء
وشغلي إني أتأكد إن اللي بيشتغلوا معايا مش بيأذوا نفسهم.
ابتسمت من غير ما ترد.
في نفس اليوم...
وصلت ريم القصر.
كانت متوترة.
دخلت مكتب ياسين وقفلت الباب.
وقالت مباشرة
لازم نتكلم.
رفع عينه من الملف اللي قدامه.
اتفضلي.
أخذت نفسًا عميقًا.
إنت اتغيرت.
سكت.
بقيت بعيد... ومش زي الأول.
قال بهدوء
يمكن.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
أنا مش بسألك عن الشغل.
أنا بسألك...
لسه عايز تتجوزني؟
ساد الصمت.
طويلًا.
ولأول مرة...
ماعرفش يجاوب بسرعة.
مش لأنه وقع في حب كارما.
لكن لأنه اكتشف إنه كان داخل على الجواز لأنه المفروض يتجوز.
مش لأنه اختار ده فعلًا.
لاحظت ريم التردد.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت
السكوت أوقات بيكون أوضح من أي إجابة.
قامت من مكانها.
خلعت دبلة الخطوبة، وحطتها على المكتب.
أنا عايزة حد يبقى متأكد إنه اختارني.
مش حد بيكمل طريق لأنه متعود يمشي فيه.
خرجت بهدوء.
وسابت ياسين قاعد لوحده.
باصص للدبلة.
ولأول مرة من سنين...
سأل نفسه السؤال اللي كان بيهرب منه
أنا عايز إيه فعلًا؟
في آخر اليوم...
كانت كارما بتلم شنطتها عشان تمشي.
سمعت خبر فسخ الخطوبة من العاملات.
واحدة منهم همست
شكل الفرح اتلغى.
ردت التانية
ربنا يعوضهم.
كارما سكتت.
ما فرحتش.
وما علقتش.
كل اللي فكرت فيه...
إنها تتمنى ألا يكون حد اتوجع.
وفي نفس اللحظة...
كان ياسين واقف في مكتبه، ينظر من الشباك إلى الحديقة.
رأى كارما وهي تخرج من البوابة، وأحمد مستنيها بعربيته.
ابتسم أحمد لما شافها، وفتح لها الباب.
ابتسمت هي أيضًا، وركبت.
تابع العربية وهي بتتحرك.
ثم قال لنفسه بصوت منخفض
يمكن... السعادة مش إن الإنسان ياخد اللي هو عايزه.
يمكن السعادة...
إنه يتمنى الخير للي يستحقه.
وبهذا بدأت حياة جديدة لكل واحد منهم، من غير خيانة، ومن غير أن تتحول القصة إلى صراع على الحب، بل إلى رحلة لاكتشاف الذات واتخاذ القرارات الصادقة بعد ثلاثة أشهر...
كان القصر أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
انتهت الخطوبة باحترام.
ريم أرسلت رسالة قصيرة لياسين
أتمنى تلاقي الحياة اللي تناسبك... وأتمنى ألا نكون أضعنا عمر بعض.
رد عليها
وأنا أتمنى لكِ السعادة.
وكان ذلك آخر تواصل بينهما.
أما كارما...
فكانت تلاحظ أن ياسين أصبح مختلفًا مع جميع الموظفين، وليس معها وحدها.
أصبح يجتمع بهم مرة كل شهر.
يسأل عن احتياجاتهم.
خصص صندوقًا للطوارئ لأي موظف يمر بأزمة.
وأصدر قرارًا بمنع أي مدير من مقابلة موظفة بمفردها في مكتب مغلق، وأن تكون جميع المقابلات الإدارية في مكاتب زجاجية أو بحضور شخص ثالث إذا طلب الموظف ذلك.
في أول اجتماع، قال
الاحترام مش ميزة...
الاحترام حق.
وكانت كارما تعرف أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ.
في مساء أحد الأيام...
كانت ترتب الكتب في المكتبة.
دخل ياسين بهدوء.
قال
عندك دقيقة؟
ابتسمت.
أكيد.
ناولها ظرفًا.
فتحته.
كان عقدًا لدورة تدريبية في إدارة الفنادق، مدفوعة بالكامل.
نظرت إليه باستغراب.
ده إيه؟
قال
فاكر لما قلتي إنك كنتِ بتحلمي تكملي تعليمك؟
هزت رأسها.
الحلم لسه ينفع.
سكتت لحظة.
ثم قالت
ليه بتعمل كل ده؟
ابتسم.
لأن المدير الحقيقي المفروض يسيب الناس أحسن مما لقاهم.
أغلقت الملف.
وقالت بامتنان
شكرًا.
ثم أضافت بابتسامة صغيرة
وأوعدك... اليوم اللي أسيب فيه الشغل هنا، هيكون عشان أبدأ خطوة أكبر... مش عشان أهرب.
ابتسم ياسين.
وده بالضبط اللي كنت أتمنى أسمعه.
بعد عام...
كانت كارما تقف على منصة صغيرة في حفل تخرجها من البرنامج التدريبي.
في الصف الأول...
كان أبوها.
ودنيا.
وأحمد.
وياسين.
بعد انتهاء الحفل، اقترب أحمد وابتسم.
ثم أخرج خاتمًا بسيطًا.
وقال
كارما...
تحبي تكملي بقية الطريق معايا؟
نظرت إليه، ثم إلى والدها الذي كانت عيناه مليئتين بالدموع.
ابتسمت وقالت
أيوه.
صفق الجميع.
وكان أول من صفق...
ياسين.
لأنه أدرك أن أحيانًا أعظم أثر تتركه في حياة شخص، ليس أن يصبح جزءًا من حياته...
بل أن تساعده ليصل إلى الحياة التي كان يستحقها منذ البداية بعد ستة أشهر...
امتلأت الحديقة الصغيرة أمام بيت والد كارما بالأنوار.
لم يكن الفرح فخمًا.
ولا فيه مئات المدعوين.
لكن كان فيه شيء أهم...
الراحة.
كانت كارما ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وتبتسم من قلبها.
وأحمد لم يرفع عينيه عنها طوال الحفل.
في آخر الصفوف...
وصل ياسين.
بدلة كحلية، من غير حراسة ظاهرة، ومن غير مظاهر استعراض.
سلّم على والد كارما أولًا.
ثم وقف بعيدًا حتى لا يلفت الأنظار.
اقتربت منه دنيا، صديقة كارما، وقالت ضاحكة
أول مرة أشوف صاحب شغل يحضر فرح موظفة.
ابتسم.
النهارده مش جاي بصفتي صاحب شغل.
أمال؟
نظر إلى كارما وهي تضحك مع أهلها.
وقال
جاي أشوف إن نهاية الحكاية طلعت أحسن من بدايتها.
بعد انتهاء الحفل...
اقتربت كارما منه.
وقالت بابتسامة
كنت فاكرة إن حضرتك مش هتعرف تيجي.
أخرج علبة صغيرة.
دي هدية بسيطة.
فتحتها.
وجدت مفتاحًا، ومعه ورقة.
نظرت إليه باستغراب.
قال
دي مقدمة شقة.
الباقي هتقسطوه براحتكم.
وقبل أن تعترض، رفع يده بلطف.
دي مكافأة نهاية خدمة.
ضحكت.
أنا لسه ما استقلتش.
ابتسم.
استقالتك وصلتني من أسبوع.
رفعت حاجبها.
وزعلت؟
هز رأسه.
لا.
افتخرت.
لأنك خرجت من هنا وإنتِ رايحة لحاجة أكبر.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان.
ثم قالت
عارف أكتر حاجة اتغيرت في حياتي؟
إيه؟
ابتسمت.
بقيت ما بخافش أبص في المراية.
سكت ياسين.
كان يعرف معنى الجملة.
أكتر من أي حد.
بعد عامين...
مرت سيارة ياسين أمام فندق جديد في القاهرة.
على اللافتة كان مكتوب
مديرة التشغيل كارما عادل.
ابتسم.
دخل الفندق.
استقبلته موظفة الاستقبال.
وبعد دقائق خرجت كارما.
لكنها لم تكن ترتدي ملابس العمل القديمة.
كانت ترتدي بدلة رسمية أنيقة، وشارة باسمها.
تمشي بثقة.
وتبتسم بثقة.
قالت وهي تمد يدها
أهلاً يا ياسين بيه.
صافحها.
وقال مبتسمًا
واضح إنك بقيتي مديرة شاطرة.
ضحكت.
لسه بتعلم.
ثم أشارت إلى أحمد، الذي كان يحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه.
أحب أعرفك...
دي ليلى.
بنتنا.
اقترب ياسين، ولاعب الطفلة الصغيرة التي أمسكت إصبعه وضحكت.
ضحك هو الآخر.
وفي تلك اللحظة...
تذكر أول يوم رأى فيه كارما بفستانها الأحمر.
ويومها ظن أن قصته بدأت.
لكنه فهم الآن...
أن دوره الحقيقي لم يكن أن يكون بطل قصة حبها.
بل أن يكون الشخص الذي ساعدها تستعيد حياتها، حتى تكتب قصتها بنفسها.
ابتسم وهو يغادر الفندق.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
شعر أنه هو أيضًا وجد السلام الذي كان يبحث عنه. 
تمت بعد خمس سنوات...
كان اسم مجموعة المنشاوي يتردد في كل مؤتمر اقتصادي كبير.
لكن الناس لم تعد تتحدث فقط عن نجاحها.
بل عن سياسة جديدة جعلتها مختلفة.
لا يوجد موظف يعمل ساعات إضافية دون مقابل.
لا يوجد مدير يلتقي موظفة خلف باب مغلق.
ويوجد صندوق تعليمي لأبناء العاملين، يمول منحًا دراسية كاملة.
في أحد المؤتمرات، وقف أحد الصحفيين وسأل ياسين
إيه سبب التغيير الكبير في طريقة إدارتك خلال السنين الأخيرة؟
ابتسم ياسين قليلًا.
ثم قال
لأن المؤسسة اللي تنجح على حساب كرامة الناس... فشلها مجرد مسألة وقت.
صفق الحضور.
لكن أحدًا لم يعرف أن الجملة بدأت قبل سنوات...
بسبب فتاة كانت تخفي نفسها خلف نظارة بلا عدسات.
في مساء اليوم نفسه...
عاد إلى مكتبه.
وجد ظرفًا أبيض على المكتب.
فتح الظرف.
كانت بطاقة دعوة.
يسرنا دعوتكم لحضور افتتاح مؤسسة كارما وأحمد للتدريب المهني.
وفي آخر البطاقة بخط يد كارما
لولا إنك شجعتني أصدق إن أحلامي لسه ينفع تتحقق... ما كانش اليوم ده جه.
ابتسم.
وأغلق البطاقة بهدوء.
يوم الافتتاح...
دخل ياسين المبنى.
كان مليئًا بالشباب والبنات الذين يتعلمون الحرف والإدارة واللغات.
استقبلته كارما وأحمد.
قالت وهي تشير إلى القاعات
هنا بندرب أي بنت اضطرت تسيب تعليمها.
وهنا الشباب اللي محتاجين فرصة شغل.
وهنا ورش عن بيئة العمل الآمنة.
ابتسم ياسين.
واضح إنكم عملتوا حاجة أكبر بكتير من اللي كنتوا بتحلموا بيه.
ضحك أحمد.
الحلم بيكبر لما حد يصدقك.
وقبل أن يغادر...
اقتربت منه فتاة صغيرة لا تتجاوز التاسعة.
قالت بخجل
حضرتك أستاذ ياسين؟
ابتسم.
أيوه.
ناولته ورقة مرسومًا عليها رجل يرتدي بدلة، وبجانبه فتاة تبتسم.
وقالت
ميس كارما قالت لنا إن في ناس مش بيغيروا العالم بالفلوس...
بيغيروه لأنهم عاملوا حد باحترام في وقت كان محتاجه.
نظر ياسين إلى الرسمة طويلًا.
ثم طواها بعناية ووضعها في جيب بدلته.
ولما خرج من المؤسسة، رفع عينيه إلى السماء، وابتسم.
لم يكن يفكر في الإمبراطورية التي بناها.
ولا في الصفقات التي ربحها.
بل في حقيقة بسيطة اكتشفها متأخرًا
أن أعظم أثر يتركه الإنسان... هو أن يمنح شخصًا آخر فرصة ليعيش حياته بلا خوف.
النهاية. بعد عشر سنوات...
كان ياسين قد ابتعد تدريجيًا عن إدارة أعماله اليومية.
سلّم أغلب المسؤوليات إلى فريق محترف، واحتفظ فقط بالقرارات الكبرى.
وفي صباح هادئ...
جلس في مكتبه القديم.
فتح درجًا لم يفتحه منذ سنوات.
وجد داخله...
نظارة بإطار أسود.
ابتسم.
كانت نفس النظارة التي تركتها كارما يوم ظهرت أمامه لأول مرة بفستانها الأحمر.
لم يرمها.
ولم يحتفظ بها لأنها تخص كارما...
بل لأنها كانت تذكره بالرجل الذي كانه.
رجل كان يمر بجوار الناس كل يوم...
ولا يراهم.
في ذلك اليوم...
زار مؤسسة كارما وأحمد دون موعد.
دخل بهدوء.
فوجد عشرات الشباب يتدربون.
ورأى صورة كبيرة على الحائط.
مكتوب تحتها
الكرامة أول خطوة نحو النجاح.
اقترب أكثر.
ولاحظ لوحة صغيرة بجانبها.
إهداء إلى كل إنسان منح فرصة دون أن ينتظر مقابلًا.
في اللحظة نفسها...
خرجت كارما من إحدى القاعات.
لما رأته، ابتسمت بنفس الهدوء الذي عرفه فيها منذ سنوات.
وقالت
كنت حاسة إنك هتيجي.
ضحك.
بقيتي تعرفي تتوقعي.
قالت وهي تنظر إلى القاعات
فاكر أول مرة سألتني ليه كنت مخبية نفسي؟
هز رأسه.
أيوه.
ابتسمت.
النهارده عندنا أكتر من مية بنت اتعلموا هنا إنهم مش محتاجين يستخبوا.
سكت ياسين.
وشعر أن الجملة وحدها تكفي عمرًا كاملًا.
قبل أن يغادر...
ركضت نحوه فتاة صغيرة، عمرها حوالي سبع سنوات.
كانت بنت أحمد وكارما.
قالت وهي تمسك يده
بابا بيقول إنك صاحب فضل علينا.
ضحك.
بابا بيبالغ.
هزت رأسها بقوة.
لا.
ماما قالت إنك أول واحد عاملها كأنها إنسانة... مش مجرد موظفة.
نظر إلى كارما.
فابتسمت له من بعيد.
لم يكن في نظرتها حب قديم.
ولا ندم.
ولا ماذا لو؟
كان فيها امتنان فقط.
وامتلأ قلبه بالراحة.
لأنه أدرك أن بعض العلاقات لا تتحول إلى قصة حب...
ومع ذلك، تظل من أجمل العلاقات التي يمر بها الإنسان.
غادر المؤسسة بخطوات هادئة.
وفي جيبه...
كانت ما تزال تلك النظارة القديمة.
تذكارًا من اليوم الذي تعلم فيه أن يرى الناس كما هم...
لا كما تبدو أدوارهم.
تمت الحكاية. بعد عشرين سنة...
كان القصر هادئًا على غير عادته.
لم تعد السيارات الفارهة تدخل كل ساعة.
ولا الاجتماعات تمتد حتى الفجر.
اختار ياسين أن يعيش حياة
تم نسخ الرابط