زعيم العيلة _حكايات ميراااا

لمحة نيوز

أبسط.
وفي صباح شتوي...
كان يجلس في الحديقة يقرأ كتابًا، حين سمع ضحكات أطفال.
رفع رأسه.
وجد حافلة صغيرة تقف أمام البوابة.
نزل منها مجموعة من الأطفال، تتقدمهم كارما وأحمد.
كانت المؤسسة تنظم زيارة للأطفال الأيتام.
ركضت طفلة صغيرة نحو ياسين.
سألته ببراءة
هو حضرتك صاحب البيت؟
ضحك.
كنت.
استغربت.
أمال دلوقتي؟
ابتسم وقال
دلوقتي أنا مجرد راجل عنده جنينة كبيرة... وعايز الأطفال يجروا فيها.
ضحك الأطفال، وانتشروا في الحديقة.
وقف ياسين يتأملهم.
ثم لمح كارما من بعيد.
قالت وهي تبتسم
البيت بقى مليان حياة.
رد وهو ينظر إلى الأطفال
زمان كنت فاكر إن قيمة البيت في حجمه.
دلوقتي عرفت إن قيمته في الناس اللي يضحكوا جواه.
اقترب أحمد، وهو يحمل صندوقًا صغيرًا.
قال
لقينا ده وإحنا بنرتب المؤسسة.
فتح الصندوق.
كان بداخله...
الفستان الأحمر.
نظرت كارما إليه وضحكت.
معقول لسه موجود؟
قال أحمد مبتسمًا
دنيا كانت محتفظة بيه، وقالت لازم يرجع لصاحبته.
أخذت كارما الفستان بين يديها.
وقالت
الفستان ده غيّر حياتي.
ابتسم ياسين.
لا...
القرار اللي خدتيه يومها هو اللي غيّرها.
سكتوا جميعًا.
ثم قالت كارما
يمكن.
لكن الفستان خلاني أفتكر إني كنت لسه عايشة.
وقبل أن تغادر الحافلة...
اقتربت ليلى، ابنة كارما، من ياسين.
ناولته ورقة مطوية.
فتحها.
كانت رسمة جديدة.
رجل كبير يجلس تحت شجرة.
وحوله أطفال كثيرون يضحكون.
وفي أعلى الرسمة كتبت بخط طفولي
الناس الحلوة بتسيب مكانها أحسن مما لقيته.
ابتسم ياسين، واحتفظ بالرسمة داخل الكتاب الذي كان يقرأه.
ثم شاهد الحافلة وهي تبتعد ببطء.
وأدرك أن أعظم ما كسبه في حياته...
لم يكن القصر.
ولا النفوذ.
ولا المال.
بل أن قصة بدأت بخادمة أرادت أن تكون غير مرئية...
انتهت بمئات الأشخاص الذين أصبحوا يرون قيمتهم الحقيقية.
وهنا أُسدل الستار على الحكاية. بعد عدة أشهر...
كان المطر ينهمر بغزارة.
رن جرس القصر.
فتح الحارس البوابة، فوجد شابة في أوائل العشرينات، ملابسها مبللة، وعيناها ممتلئتان بالخوف.
قالت بصوت متردد
أنا... كنت جاية لمعاد مع الأستاذ ياسين.
دخلت إلى المكتب.
كان ياسين يراجع بعض الأوراق.
ابتسم لها بلطف.
اتفضلي... اقعدي.
جلست وهي تضم حقيبتها إلى صدرها.
قالت بعد لحظة صمت
أنا اسمي هناء... وبشتغل في شركة من سنة.
بلعت ريقها بصعوبة.
ومديري... بدأ يضايقني.
خفضت عينيها.
وكل ما أرفض... يهددني بالشغل.
ساد الصمت.
لم يقاطعها ياسين.
تركها تحكي حتى انتهت.
ثم فتح أحد الأدراج.
وأخرج النظارة السوداء القديمة.
نظر إليها لحظة، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
سألته هناء باستغراب
حضرتك بتبص للنظارة ليه؟
قال
لأنها بتفكرني بحد علمني إن الخوف ممكن يخلي الإنسان يستخبى سنين.
أعادها إلى الدرج برفق.
ثم أمسك الهاتف.
قال
أول حاجة... مش هترجعي الشغل ده تاني لحد ما تبقي في أمان.
ارتبكت.
بس أنا محتاجة المرتب.
ابتسم.
ومحدش قال إنك هتفضلي من غير شغل.
بعد أسبوع...
بدأت هناء العمل في إحدى الشركات التابعة للمجموعة.
وكان أول يوم لها...
دخلت المكتب وهي متوترة.
لكنها فوجئت بأن باب مكتب المدير كله من الزجاج.
وأن كل الموظفين يعرفون بوضوح سياسات الاحترام والشكاوى.
ابتسمت لأول مرة منذ شهور.
وفي نهاية اليوم...
وقفت أمام ياسين وقالت
شكرًا.
رد بابتسامة
متشكرنيش.
اشكري واحدة اسمها كارما.
استغربت.
مين كارما؟
نظر من النافذة إلى الحديقة.
وقال بهدوء
إنسانة اشتغلت هنا زمان...
من غير ما تقصد، غيرت حياة ناس كتير.
ابتسمت هناء وهي تغادر.
أما ياسين...
فأغلق الدرج مرة أخرى.
ولم يخرج النظارة بعد ذلك أبدًا.
لأنه لم يعد يحتاجها ليتذكر.
فقد أصبح يرى الناس...
من أول نظرة. بعد عام...
كان ياسين مدعوًا لإلقاء كلمة في حفل تخريج دفعة جديدة من الشباب.
وقف على المنصة، وأمام مئات الوجوه المتحمسة قال
الناس بتفتكر إن النجاح هو الفلوس أو المنصب.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
لكن في رأيي... النجاح الحقيقي إن حد يشتغل معاك وهو حاسس بالأمان.
ساد هدوء في القاعة.
ثم بدأ التصفيق.
بعد انتهاء الحفل...
اقتربت منه فتاة تحمل شهادة التخرج.
قالت بخجل
ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
ابتسم.
اتفضلي.
قالت
لو حد فقد ثقته في نفسه... يرجعها إزاي؟
ظل صامتًا ثواني.
ثم قال
الثقة مبتترجعش مرة واحدة.
بترجع كل مرة حد يعاملك باحترام.
وكل مرة تنجح في خطوة صغيرة.
وكل مرة تصدق إن غلط غيرك في حقك... مش معناه إن فيك عيب.
اغرورقت عينا الفتاة بالدموع.
شكرته وانصرفت.
في المساء...
عاد ياسين إلى القصر.
وجد رسالة على مكتبه.
لم يكن عليها اسم المرسل.
فتحها.
كانت ورقة واحدة.
مكتوب فيها
أنا كارما.
عدّى سنين كتير، لكن في حاجة عمري ما عرفتش أقولهالك.
شكرًا... لأنك لما شفت خوفي، ما استغلتوش.
شكراً لأنك أثبتّ لي إن مش كل الرجال نسخة من الماضي.
يمكن إنت نسيت مواقف كتير، لكن أنا ما نسيتهاش.
وربنا يجعل الخير اللي عملته في ميزان حسناتك.
قرأ الرسالة مرة...
ثم طواها بعناية.
ووضعها داخل كتابه المفضل.
ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال لنفسه
الحمد لله.
ثم أطفأ نور المكتب.
وأغلق الباب.
هذه المرة...
من الخارج.
ولم يعد هناك أحد يخاف من باب يُغلق خلفه.
النهاية. بعد سنوات طويلة...
في أحد أيام الشتاء الهادئة، تلقى ياسين دعوة لم يكن يتوقعها.
حفل مرور عشرين عامًا على تأسيس مؤسسة كارما وأحمد.
ابتسم وهو يقرأها.
قال لنفسه
عشرين سنة... كأنها امبارح.
وصل إلى المؤسسة، فوجد المكان أكبر مما تخيل.
ورش تدريب.
فصول تعليم.
مكتبة.
وحضانة مجانية لأطفال الأمهات العاملات.
وعلى المدخل لوحة كبيرة كُتب عليها
لا أحد يضطر أن يختفي حتى يشعر بالأمان.
وقف ياسين يقرأها طويلًا.
ثم سمع صوتًا خلفه.
عجبتك؟
التفت.
كانت كارما.
ظهر في شعرها بعض الخصلات البيضاء، لكنها ما زالت تبتسم بنفس الهدوء.
قال
دي أحسن جملة شوفتها من سنين.
ابتسمت.
دي مش جملتي.
أمال بتاعة مين؟
قالت
بتاعة البنت اللي كنتها زمان.
بدأ الاحتفال.
وبعد كلمات الضيوف، صعدت كارما إلى المنصة.
قالت
الناس فاكرة إن المؤسسة دي بدأت بفكرة.
لكن الحقيقة...
بدأت بسؤال.
سكت الجميع.
أكملت
في يوم، حد سألني ليه كنتِ مخبية نفسك؟
وأول مرة حسيت إن حد بيسأل عشان يفهم... مش عشان يحكم.
لو السؤال ده ما اتسألش...
يمكن ما كنتش واقفة هنا النهارده.
نظرت إلى ياسين بين الحضور.
ورفعت رأسها بابتسامة امتنان.
فبادلها الابتسامة.
بعد انتهاء الحفل...
اقترب شاب صغير من ياسين.
كان في أوائل العشرينات.
قال
حضرتك تعرفني؟
ابتسم ياسين.
لأ.
قال الشاب
أمي كانت أول دفعة اتدربت هنا.
كانت مطلقة، وماكانش معاها شغل.
المؤسسة علمتها مهنة.
وربتنا أنا وأختي.
أنا النهارده مهندس.
وأختي دكتورة.
مد يده وصافحه.
يمكن حضرتك متعرفش عملت إيه...
بس أنا واحد من الناس اللي حياتهم اتغيرت بسبب قرار خدته من سنين.
نظر ياسين إلى الشاب، ثم إلى كارما التي كانت تتحدث مع المتدربين.
وأدرك أن الخير لا يقف عند الشخص الذي يصنعه...
بل يمتد إلى أشخاص قد لا يقابلهم أبدًا.
خرج من المؤسسة قبل انتهاء الاحتفال.
كان الغروب قد بدأ.
رفع عينيه إلى السماء، وابتسم.
هذه المرة...
لم يشعر أنه أنهى قصة.
بل شعر أنه ترك أثرًا...
وسيظل هذا الأثر يكبر، حتى بعد أن يغيب أصحابه. بعد عامين...
كان ياسين قد تجاوز الستين.
أصبح حضوره في الشركة قليلًا، لكنه لم ينقطع عن زيارة المؤسسة كلما سمح له وقته.
وفي صباح أحد الأيام...
وصلته رسالة من كارما.
لم تكن طويلة.
لو فاضي النهارده... تعالى. في حد نفسه يشوفك.
ابتسم.
وأخذ سيارته بنفسه.
دخل المؤسسة.
فوجد الأطفال مجتمعين في قاعة صغيرة.
وفي المنتصف...
كانت سيدة مسنة تجلس على كرسي متحرك.
اقترب ياسين.
استغرب.
همست كارما
تعرف مين دي؟
هز رأسه.
قالت بابتسامة
دي أمي.
نظر إليها بدهشة.
كانت هذه أول مرة يراها.
ابتسمت السيدة بصعوبة.
وقالت
أخيرًا شوفت الراجل اللي بنتي كانت تدعي له كل ليلة.
جلس ياسين أمامها.
وقال بخجل
أنا ما عملتش حاجة تستاهل.
ابتسمت الأم.
بنتي كانت ترجع من الشغل كل يوم تقول...
فيه مكان بحس فيه إني آمنة.
ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان.
الأم ما بتنساش مين طمّن قلب بنتها.
ساد صمت طويل.
لم يجد ياسين كلمات يرد بها.
اكتفى بأن انحنى قليلًا احترامًا لها.
بعد انتهاء الزيارة...
خرج يتمشى في حديقة المؤسسة.
ركضت نحوه ليلى، التي أصبحت شابة في الجامعة.
قالت ضاحكة
ماما لسه محتفظة بالفستان الأحمر.
ضحك ياسين.
بجد؟
أيوه.
سألتها مرة ليه.
قالت
مش عشان الفستان...
عشان اليوم اللي افتكرت فيه إني أستحق أعيش.
ابتسم ياسين.
وقال
يبقى تحتفظ بيه.
لأنه بقى ذكرى لبداية جديدة.
وقبل أن يغادر...
وقفت كارما بجانبه.
قالت
تعرف؟
زمان كنت فاكرة إن أقوى حاجة عملتها في حياتي...
إني استخبيت.
ضحك بخفة.
ودلوقتي؟
نظرت إلى عشرات البنات داخل القاعات.
ثم قالت
دلوقتي أقوى حاجة عملتها...
إني بطلت أستخبى.
نظر إليها ياسين، ثم إلى المؤسسة، ثم قال
ويمكن... ده كان الدرس اللي كلنا احتجناه.
ابتسم الاثنان.
ولم يكن بينهما سوى الاحترام...
وامتنان صادق لرحلة بدأت بالخوف...
وانتهت بأن صار الأمان هديةً يتقاسمها الجميع. ابتسمت كارما، ثم أكملت كلامها أمام مجلس الإدارة
أول فرع اتبنى علشان الناس تحس بالأمان... مش علشان يحمل اسم حد. والفرع الجديد هيكون بنفس الفكرة.
سألها أحد الأعضاء
يعني هنسميه إيه؟
نظرت إلى اللوحة التي أمامها، ثم قالت
بيت البداية.
ساد الصمت.
ثم وافق الجميع.
في يوم الافتتاح...
كان ياسين يجلس في الصف الأول، وقد أصبح شعره أبيض بالكامل.
صعدت كارما إلى المنصة.
وقالت
من سنين طويلة، كنت فاكرة إن القوة هي إني أبقى غير مرئية.
ابتسمت وهي تنظر إلى الحضور.
لكن اكتشفت إن القوة الحقيقية... إن الإنسان يلاقي مكان يقدر يكون فيه نفسه من غير خوف.
ثم أشارت إلى إحدى الفتيات الجالسات في الصفوف الأولى.
دي مريم.
أول ما جت المؤسسة، كانت بتتكلم وهي باصة في الأرض.
كانت خايفة من أي صوت عالي.
النهارده...
هي مدربة هنا، وبتعلم غيرها.
صفق الجميع بحرارة.
بعد انتهاء الحفل...
اقتربت مريم من ياسين.
وقالت
حضرتك متعرفنيش.
لكن أنا أعرف حضرتك من الحكايات اللي كانت بتحكيهالنا أستاذة كارما.
ابتسم.
كانت بتحكي إيه؟
ضحكت.
كانت تقول إن فيه مدير علّمها إن الاحترام مش ضعف.
وإن أول مكان حسّت فيه بالأمان... غيّر حياتها كلها.
سكت ياسين لحظة.
ثم قال
الفضل لله... ثم لإصرارها هي.
قبل أن يغادر...
أوقفتْه كارما.
ناولته صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال باستغراب
إيه ده؟
ابتسمت.
افتحه في البيت.
عاد إلى القصر.
فتح الصندوق ببطء.
وجد بداخله ثلاثة أشياء
النظارة السوداء القديمة.
بطاقة العمل الأولى الخاصة بكارما، عندما بدأت خادمة في القصر.
وصورة جماعية لكل العاملين في المؤسسة.
وتحتهم رسالة قصيرة بخط يدها
كنت محتفظ بالنظارة عشان تفتكر اليوم اللي بدأت تشوف فيه الناس. دلوقتي مش محتاجها. لأنك بقيت تشوفهم بقلبك.
ظل ياسين يقرأ الرسالة أكثر من مرة.
ثم أغلق الصندوق.
ووضعه على مكتبه، في مكان كانت توضع فيه قديمًا ملفات الصفقات.
ابتسم وقال بهدوء
سبحان الله...
أكبر استثمار عملته في حياتي...
مكنش صفقة.
كان إنسان.
وأغلق المكتب، وخرج يتمشى في الحديقة، بينما كان صوت ضحكات الأطفال القادمين من المؤسسة الجديدة يصل إليه مع نسيم المساء، ليعرف أن الحكاية لم تنتهِ حقًا...
بل أصبحت حياةً يعيشها آخرون كل يوم. مرّت سنوات أخرى...
وفي صباح ربيعي هادئ، كانت كارما ترتب بعض الملفات في مكتبها داخل مؤسسة بيت البداية.
دخلت السكرتيرة وقالت
أستاذة كارما... في بنت بره، بتقول إنها لازم تقابلك.
قالت
دخليها.
دخلت فتاة لا يتجاوز عمرها عشرين سنة.
كانت ترتدي ملابس واسعة جدًا، وشعرها مربوط بقوة، ونظارة كبيرة تخفي نصف وجهها.
وقفت كارما للحظة...
وشعرت كأنها تنظر إلى نفسها قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
ابتسمت بلطف.
اتفضلي، اقعدي.
جلست الفتاة وهي تنظر إلى الأرض.
قالت بصوت خافت
أنا اسمي نور.
وبعدين... سكتت.
لم تستعجلها كارما.
انتظرت.
بعد دقائق، رفعت نور رأسها وقالت
أنا تعبت من إني أستخبى.
اغرورقت عينا كارما بالدموع.
لأنها سمعت نفس الجملة التي كانت تريد أن تقولها يومًا، لكنها لم تجد من يسمعها.
قالت بهدوء
وأنا كمان...
تعبت منها زمان.
ثم قامت من مكانها، وفتحت أحد الأدراج.
أخرجت الفستان الأحمر القديم.
كانت تحتفظ به بعناية طوال تلك السنين.
ابتسمت نور باستغراب.
سألت
الفستان ده ليه؟
ضحكت كارما.
ده مش مجرد فستان.
ده بيفكرني باليوم اللي قررت أعيش فيه.
ثم أمسكت يد نور.
وقالت
لكن إنتِ مش محتاجة فستان عشان تبدئي.
إنتِ محتاجة تصدقي إنك تستحقي تعيشي من غير خوف.
في نفس الوقت...
كان ياسين يجلس في شرفة بيته، يقرأ كتابًا.
رن هاتفه.
كانت كارما.
رد مبتسمًا
صباح الخير.
قالت وهي تضحك
فاكر زمان لما قلتلي إن المدير الحقيقي يسيب الناس أحسن مما لقاهم؟
ابتسم.
فاكر.
قالت
النهارده فهمت إن الكلام ده ماكانش عن الشركات.
كان عن البشر.
نظر ياسين إلى السماء.
ثم قال بهدوء
وأنا كمان... اتعلمته منك.
انتهت المكالمة.
وأغلق الكتاب.
كانت آخر صفحة فيه تحمل عبارة وضعها بنفسه منذ سنوات
قد لا تستطيع تغيير ماضي إنسان... لكنك تستطيع أن تكون سببًا في ألا يخاف من مستقبله.
أغلق الكتاب.
وابتسم.
وفي مكان آخر...
كانت نور تخرج من المؤسسة لأول مرة، وهي لا تشد شعرها بقوة، ولا تخفض رأسها وهي تمشي.
وكان ذلك...
بداية حكاية جديدة. بعد عام...
عادت نور إلى المؤسسة.
لكنها لم تكن الفتاة نفسها.
دخلت بثقة، تحمل ملفات في يدها، وتبتسم لكل من يقابلها.
استقبلتها كارما عند الباب.
وقالت وهي تضحك
شكلك اتغير.
ضحكت نور.
لا...
أنا اللي اتغيرت.
في ذلك اليوم...
كان ياسين حاضرًا لافتتاح برنامج جديد لتدريب الشباب.
وبعد انتهاء الحفل، طلبت نور أن تتحدث.
وقفت أمام الجميع.
وقالت
أول مرة دخلت المكان ده...
كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
كنت بلبس هدوم واسعة عشان محدش يبصلي.
وبربط شعري بقوة.
وبخاف من أي باب يتقفل.
ثم نظرت إلى كارما.
لقيت واحدة فهمت خوفي... من غير ما أشرحه.
ونظرت إلى ياسين.
ولقيت راجل علّم المكان كله إن الاحترام مش كلمة في لائحة... الاحترام أسلوب حياة.
صفق الجميع.
أما ياسين...
فاكتفى بالابتسام.
لم يعد يشعر بالحاجة إلى الكلام.
كان يرى أمامه أثرًا حيًا.
الأثر الذي بدأ بإنسانة واحدة.
ثم صار اثنتين.
ثم عشرات.
ثم مئات.
بعد انتهاء الاحتفال...
خرج الثلاثة يتمشون في حديقة المؤسسة.
قالت نور وهي تنظر إلى كارما
هو صحيح إنك كنتِ خدامة في يوم من الأيام؟
ابتسمت كارما.
أيوه.
ومكسوفة من ده؟
هزت رأسها.
أبدًا.
أنا مكسوفة بس من حاجة واحدة...
إني زمان كنت فاكرة إن قيمتي بتتحدد بالشغل اللي بشتغله.
ابتسم ياسين وقال
وقيمة الإنسان عمرها ما كانت في وظيفته.
ردت كارما
ولا في فلوسه.
وأضافت نور
ولا في شكله.
ضحك الثلاثة.
وقبل أن يركب ياسين سيارته...
أوقفته نور.
ناولته وردة بيضاء.
وقالت
دي من كل البنات اللي اتعلموا هنا.
ابتسم وهو يأخذها.
ثم سأل
ليه وردة بيضا؟
قالت
لأن الأبيض بيبدأ صفحة جديدة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
حافظوا على المكان ده.
يمكن بعد سنين محدش يفتكر اسمي...
لكن أتمنى يفضلوا فاكرين الفكرة.
ابتسمت كارما.
وقالت
متقلقش...
الأفكار الحلوة عمرها ما بتموت.
تحركت السيارة ببطء.
وظلت كارما ونور واقفتين تلوحان له.
ولأول مرة...
لم تكن الحكاية عن ياسين.
ولا عن كارما.
بل عن كل شخص خرج من هذا المكان...
وهو يعرف أن كرامته لا تحتاج أن يثبتها لأحد.
وهنا انتهت الحكاية فعلًا. بعد خمسة عشر عامًا...
لم يعد أحد يناديه في الجرائد
زعيم العيلة.
صاروا يكتبون
رجل الأعمال ياسين المنشاوي.
أما هو...
فلم يكن يهتم بالألقاب كما كان يفعل يومًا.
كان يهتم بشيء واحد فقط...
أن يمر أسبوع،
تم نسخ الرابط