ممنوع حد ياكل حكايات ميرااا
إلى روز
عرفوا إن الملفات وصلت لنا.
وصلوا القصر قبل الغروب.
كان كمال السيوفي جالسًا في الحديقة يشرب القهوة، وكأنه لا يعرف شيئًا.
أول ما شاف ياسين...
ابتسم وقال
حمد لله على السلامة يا ابني... كنت قلقان عليكم.
ابتسم ياسين ابتسامة هادئة أخفت كل ما بداخله.
الله يسلمك يا عمي.
ثم مر بجواره دون أن يقول كلمة أخرى.
كمال تابع نظره وهو يشعر لأول مرة...
أن شيئًا تغيّر.
وفي تلك الليلة...
دخل ياسين مكتبه.
فتح الخزنة.
ووضع الملفات بداخلها.
ثم التفت إلى روز وقال
من النهارده...
مش هثق غير فيكي.
نظرت إليه بدهشة.
حتى رجالتك؟
هز رأسه.
حتى أقرب الناس ليا.
وقبل أن تكمل كلامها...
انطفأت أنوار القصر كلها دفعة واحدة.
ساد الظلام.
ثم دوّى صوت إطلاق نار في الخارج.
وأعقبه صراخ أحد الحراس
يا باشا... الخزنة اتفتحت!
تبادل ياسين وروز نظرة صادمة...
ثم انطلقا نحو المكتب، دون أن يعرفا أن الخائن كان قد سبقهم بخطوة اندفع ياسين نحو المكتب.
وروز خلفه.
أول ما فتح الباب...
وقف مكانه.
باب الخزنة كان مفتوحًا.
لكن الملفات...
ما كانتش موجودة.
سكت الجميع.
ثم قال ياسين بهدوء غريب أخاف كل الموجودين
اقفلوا القصر.
محدش يخرج.
ولا حتى أنا.
بدأ الحراس يفتشوا كل الأجنحة.
كل الأوض.
كل السيارات.
لكن من غير أي نتيجة.
بعد ساعة...
دخل كمال السيوفي المكتب.
كان شكله مصدوم.
إيه اللي حصل؟
بصله ياسين.
اتسرقت الملفات.
حط كمال إيده على راسه.
يا ساتر...
دي مصيبة.
ثم قال بسرعة
لازم نبلغ الشرطة.
ابتسم ياسين لأول مرة...
لكنها كانت ابتسامة باردة.
مستعجل ليه؟
ارتبك كمال.
يعني... علشان نلحق اللي سرقها.
اقترب منه ياسين خطوة.
واللي سرقها عرف مكانها إزاي؟
سكت كمال.
رد بسرعة
أكيد حد من الخدم.
قال ياسين وهو يثبت عينه في عينه
غريبة...
أنا ما قلتش لحد إن الملفات كانت في الخزنة.
ازداد ارتباك كمال.
أما روز...
فبدأت تربط الخيوط.
في الحقيقة...
الملفات ما كانتش في الخزنة أصلًا.
قبل ما يخرج ياسين من المكتب بنصف ساعة...
كان قد بدّلها بملفات قديمة فارغة.
أما الملفات الأصلية...
فكانت مخبأة داخل صندوق الوصفات الخشبي.
في درج سري جديد اكتشفه هو وروز معًا.
كان يشك...
إن الخائن هيتحرك الليلة.
وفعلًا...
وقع في الفخ.
ابتسم ياسين وهو يخرج هاتفه.
وشغّل تسجيلًا من كاميرا صغيرة مخفية داخل المكتب.
ظهر كمال...
يدخل بعد انقطاع الكهرباء بدقائق.
يفتح الخزنة بمفتاح مطابق.
ويأخذ الملفات.
ثم يخرج مسرعًا.
ساد الصمت.
سقط الهاتف من يد كمال.
عرف أن كل شيء انتهى.
همس
اسمعني يا ياسين...
الأمر أكبر مني.
رد ياسين ببرود
عارف.
في ناس لو ذكرت أسماءهم... مش هتعيش للصبح.
وأنا من زمان بطلت أخاف.
اقترب كمال، ودموعه في عينيه.
أنا غلطت...
بس كنت فاكر إني بحميك.
بحميني؟
اللي قتل أبوك... مش شخص واحد.
دي منظمة كاملة.
ولو كانوا عرفوا إنك معاك الملفات الحقيقية...
كانوا قتلوك وقتها.
وقبل أن يكمل...
انطلقت رصاصة من خارج نافذة المكتب.
اخترقت الزجاج...
واستقرت في صدر كمال.
وقع على الأرض.
جري ياسين نحوه.
كمال كان بيلفظ أنفاسه الأخيرة.
مسك إيد ياسين بقوة.
وقال بصعوبة
دور...
على...
العقرب...
هو...
الزعيم...
ثم أغمض عينيه.
خرج الحراس يطاردون القناص.
لكن لم يجدوا أحدًا.
أما ياسين...
فظل ينظر إلى كمال طويلًا.
رغم خيانته...
إلا أنه مات وهو يحاول أن يترك آخر خيط يقود إلى الحقيقة.
وروز كانت تضم صندوق الوصفات إلى صدرها...
لأنها أدركت أن الرحلة لم تنتهِ بعد.
بل بدأت الآن...
مع رجل غامض لا يعرف أحد اسمه الحقيقي...
ويُلقب فقط ب العقرب مرّ أسبوع...
القصر اتغيّر بالكامل.
الحراسة اتضاعفت.
الكاميرات اتبدلت.
وكل واحد يدخل أو يخرج، حتى أفراد العيلة، بقى يتفتش.
لكن اسم واحد كان مسيطر على تفكير الجميع...
العقرب.
لا صورة.
لا اسم حقيقي.
ولا أي معلومة مؤكدة.
في إحدى الليالي...
كانت روز قاعدة في المطبخ، بتحضر صينية كنافة.
دخل ياسين بهدوء.
بقى من عادته كل ليلة يعدي عليها قبل ما ينام.
ابتسم وقال
هو إنتِ ناوية تخلّي كل اللي في القصر يزيد وزنه؟
ضحكت.
أهو يبقى عندهم سبب يجروا الصبح.
قعد قدامها لأول مرة من غير أي ملفات أو تليفونات.
بص لإيديها وهي بتفرد الكنافة.
وقال بصوت هادي
عمري ما شكرتك.
رفعت عينيها باستغراب.
على إيه؟
على إنك غيرتي البيت ده.
ثم سكت لحظة وأكمل
وغيرتيني أنا كمان.
احمرّ وشها.
ولأول مرة من يوم جوازهم...
ما لقتش رد.
في نفس اللحظة...
وصل ظرف أسود إلى بوابة القصر.
من غير اسم مرسل.
فتحوه بسرعة.
كان فيه هاتف صغير جدًا.
وفور تشغيله...
اشتغل تسجيل صوتي.
صوت رجل خشن قال
يا ياسين...
أنت بتدور على العقرب...
وأنا من زمان بتفرج عليك.
لو عايز تعرف الحقيقة...
تعال وحدك.
الساعة اتناشر بالليل.
المخزن القديم في الميناء.
ولو جبت معاك حد...
هتخسر روز.
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
مدير الأمن قال فورًا
ده فخ.
هز ياسين رأسه.
عارف.
يبقى مش هتروح.
نظر ياسين إلى روز.
ثم قال بهدوء
لازم أروح.
قبل منتصف الليل...
خرج ياسين وحده كما طلبوا.
لكن من غير ما يعرف...
روز كانت مستيقظة.
ولما شافت سيارته تخرج...
فتحت صندوق الوصفات.
وأخرجت منه ظرفًا صغيرًا ما كانتش فتحته قبل كده.
كان مكتوب عليه
لا يُفتح إلا إذا أصبح ياسين في خطر.
فتحت الظرف بسرعة.
وفيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها
العقرب لا يثق بأحد...
إلا بابنه.
وتحت الجملة...
صورة قديمة لرجل يحمل طفلًا صغيرًا.
تأملت الصورة...
ثم شهقت.
لأنها عرفت الطفل فورًا.
كان سامح المنشاوي.
وقع الظرف من يدها.
وهمست وهي ترتجف
مستحيل...
يبقى سامح... ابن العقرب؟
وفي نفس اللحظة...
كان ياسين يدخل المخزن القديم...
غير مدرك أن الحقيقة التي يبحث عنها منذ سنوات أصبحت أقرب إليه من أي وقت مضى... لكنها أيضًا أخطر من أي وقت مضى دخل ياسين المخزن ببطء.
المكان كان مهجورًا.
صناديق خشب قديمة.
ورائحة البحر تملأ الجو.
قال بصوت ثابت
أنا جيت.
اخرج.
ردّ عليه صوت من الظلام
كنت عارف إنك هتيجي.
خرج رجل ملثم.
وقف على بعد أمتار.
وقال
قبل ما تسأل أنا مين...
جاوبني على سؤال.
لو عرفت إن أقرب واحد ليك طول عمره ضحية مش مجرم...
هتسامحه؟
رد ياسين من غير تردد
على حسب الحقيقة.
ضحك الرجل.
الحقيقة عمرها ما كانت سهلة.
وفي اللحظة دي...
دوّى صوت سيارة فراملها صرخت بره المخزن.
التفت ياسين بسرعة.
ودخلت روز تجرى للداخل، وخلفها اثنان من الحراس.
صرخ ياسين
إنتِ جيتي هنا ليه؟!
ردت وهي تلهث
لأنك في خطر... ولازم تعرف اللي في الظرف.
وقبل ما تكمل...
خلع الرجل الملثم القناع عن وجهه.
شهق ياسين.
الراجل كان في الستين من عمره...
لكن ملامحه مألوفة بشكل غريب.
قال بهدوء
أنا مش العقرب.
أنا أخوه.
والعقرب الحقيقي...
مات من عشر سنين.
ساد صمت ثقيل.
روز بصت للصورة اللي في إيدها...
ثم للرجل.
قالت
يبقى... سامح؟
هز الرجل رأسه بالنفي.
سامح مش ابن العقرب.
سامح ابن أخويا... لكنه اتربى بعيد عن كل اللي حصل.
هو نفسه ما يعرفش الحقيقة.
تنفس ياسين ببطء.
يبقى مين اللي بيدير كل ده؟
ابتسم الرجل بحزن.
الشخص اللي ورث اسم العقرب... مش لازم يكون من العيلة.
الاسم بيتسلم...
زي المنصب.
وقبل أن يكمل كلامه...
انطفأت أنوار المخزن.
ثم سُمع تصفيق بطيء من آخر القاعة.
اشتغلت كشافات قوية فجأة.
وظهر شخص يرتدي بدلة سوداء.
وجهه واضح.
ابتسامته هادئة.
ولما شافه ياسين...
تجمّد مكانه.
همس
مستحيل...
أنت؟
ابتسم الرجل وقال
وحشتني يا ياسين.
أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان.
ثم نظر إلى روز وقال
ويبدو إن طبخك الجميل... عطّل خططي أكتر مما كنت أتوقع.
وتوقفت روز عن التنفس عندما أدركت أن هذا الرجل...
كان أحد كبار رجال الأعمال الذين كانوا يزورون القصر باستمرار، ويجلس مع ياسين على المائدة، ويظهر دائمًا كصديق للعائلة... بينما كان يخفي وراء ابتسامته أخطر أسرار السنوات الماضية ابتسم الرجل وهو يخلع قفازه ببطء.
وقال بهدوء
تعرف يا ياسين... أكتر حاجة ضيعت خططي؟
ما كانتش الملفات...
ولا الخزنة...
ولا حتى كمال.
كانت... روز.
نظر إليها باستخفاف.
لما دخلت القصر، افتكرت إنها هتبقى مجرد زوجة هادئة، تعيش في جناحها وخلاص.
لكنها عملت حاجة ما كانتش في حساباتي.
سأل ياسين ببرود
إيه هي؟
رد الرجل وهو يبتسم
خلت الناس تحب بعضها.
ساد الصمت.
ثم أكمل
طول السنين اللي فاتت، كنت بزرع الشك بين رجالتك.
كل واحد يخاف من التاني.
كل واحد يفكر في نفسه.
وده اللي كان مخليني أتحكم فيهم.
لكن الست دي...
رجعتهم يقعدوا على سفرة واحدة.
خلت الحارس يحترم الخادم.
والمدير يسلم على السواق.
ولما الناس بقت عيلة...
بقى أصعب عليا أشتري ذممهم.
بصت له روز بثبات وقالت
اللي يبني بالمحبة... بيكسب.
ابتسم بسخرية.
وإحنا عمرنا ما كنا بنؤمن بالمحبة.
ثم أخرج جهازًا صغيرًا من جيبه.
ضغط عليه.
في اللحظة نفسها...
دوّى إنذار في القصر عبر أجهزة الاتصال.
جاء صوت مدير الأمن
يا باشا! في محاولة اقتحام من البوابة الشرقية!
نظر الرجل إلى ياسين وقال
اختر...
إما تفضل هنا وتمسكني...
أو ترجع تنقذ بيتك.
كان واضحًا أنه خطط لكل شيء.
لو بقي ياسين، القصر هيتعرض للخطر.
ولو رجع، الرجل هيهرب.
لكن قبل أن يتكلم ياسين...
رفعت روز يدها
بهدوء.
وقالت
ولا واحدة فيهم.
نظر الجميع إليها.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
ثم قالت
البوابة الشرقية مجرد تشتيت.
الحقيقة إن هدفهم مخزن المطبخ.
استغرب ياسين.
عرفتي منين؟
قالت
لأن كل مرة كانوا يهاجموا فيها... كانوا بيدوروا على صندوق الوصفات.
وأنا...
من يوم ما خرجنا من البيت القديم...
ما سيبتوش في أوضتي.
خبّيته في آخر مكان ممكن حد يفكر يدور فيه.
سألها الرجل بحدة
فين؟
ابتسمت وقالت
وسط أواني المطبخ القديمة.
المكان الوحيد اللي محدش بيبص فيه.
في اللحظة دي...
رن جهاز أحد الحراس.
رد بسرعة.
ثم ابتسم.
وقال
يا باشا...
مسكنا أربعة كانوا متسللين للمطبخ فعلًا.
كلهم اعترفوا إنهم كانوا بيدوروا على صندوق خشبي.
اختفت ابتسامة الرجل.
ولأول مرة...
ظهر عليه الارتباك.
ابتسم ياسين ببطء.
ثم قال
شكلك خسرت الجولة دي.
لكن الرجل لم يهرب...
ولم يقاوم.
بل ابتسم ابتسامة غامضة وقال
يمكن...
لكن اللعبة لسه ما خلصتش.
ثم ألقى على الأرض بطاقة صغيرة.
كانت تحمل اسم شركة قديمة جدًا...
وعنوانًا في مدينة أخرى.
وقال قبل أن يقبض عليه الحراس
هناك...
هتلاقوا بداية الحقيقة.
مش نهايتها.
وبينما كان الحراس يقتادونه خارج المخزن...
نظر ياسين إلى روز.
ولأول مرة منذ زواجهما...
أمسك يدها أمام الجميع.
وقال بابتسامة صادقة
واضح إن أكلة المحشي اللي بدأت منها الحكاية...
هي اللي أنقذت العيلة كلها.
ابتسمت روز، وضحك الحراس والخدم الذين وصلوا إلى المكان، وكأن التوتر الذي خيم على القصر لأشهر بدأ يزول... لكن الملفات التي تقود إلى الحقيقة الكاملة ما زالت تنتظر من يفتحها.