ممنوع حد ياكل حكايات ميرااا

لمحة نيوز

المطبخ لأول مرة.
كانت روز بتحضر العشا.
بص لها وقال بهدوء
بكرة...
اعملي أكل يكفي الكل.
استغربت.
الكل؟
كل أفراد العيلة... والحراس... والسواقين... والخدم.
ابتسمت.
حاضر.
وفي اليوم التالي...
لأول مرة منذ أكثر من عشرين سنة...
اتمدت سفرة طويلة في حديقة القصر.
جلس عليها الخدم بجوار الحراس.
والمدير بجوار السائق.
والكل كان مترددًا.
لكن ياسين خرج من القصر، وجلس في أول الكرسي، ثم قال
اللي هيقوم من السفرة قبل ما يخلص أكله... هيزعلني.
انطلقت الضحكات لأول مرة داخل أسوار القصر.
وروز كانت واقفة تراقب المشهد، وعينيها تلمعان بالسعادة...
دون أن تعرف أن شخصًا آخر كان يراقبها من خارج البوابة، وفي عينيه حقد قديم، ويتمتم
طالما هي عايشة... مستحيل أخد اللي جاي آخده.
يتبع...في اليوم اللي بعده...
القصر كله كان بيتكلم عن السفرة.
حتى أقدم الخدم قال وهو بيصب الشاي
أول مرة من عشرين سنة أسمع ضحك خارج من الجنينة.
أما ياسين...
فكان قاعد في مكتبه، قدامه ملفات كتير، لكن تركيزه كان في حاجة واحدة.
روز.
إزاي قدرت تغيّر الجو ده كله في شهور قليلة؟
قطع أفكاره صوت مدير الأمن.
يا باشا... في مشكلة.
رفع ياسين عينه.
خير؟
مخزن المؤن الرئيسي ناقص.
عقد حاجبيه.
ناقص إيه؟
لحوم... وخضار... ودقيق... بكميات كبيرة.
وقف ياسين فجأة.
حد بيسرق؟
ده اللي افتكرناه... لحد ما راجعنا الكاميرات.
شغّل التسجيل.
ظهر الخدم وهم بينقلوا كراتين أكل.
لكنهم ما خرجوش بيها بره القصر...
كانوا رايحين ناحية البوابة الخلفية.
بعد دقائق...
ظهرت روز بنفسها.
واقفة ومعاها عشرات العلب المجهزة.
تدي كل علبة لحد من العمال اللي بره.
عامل نظافة.
عامل بناء.
سواق ميكروباص كبير في السن.
وست أرملة ماسكة إيد طفلين.
كل واحد ياخد أكله ويمشي وهو بيدعي لها.
مدير الأمن قال بسرعة
والله يا باشا... هي ما خدتش جنيه من خزنة القصر.
كل حاجة كانت بتتحاسب من مصروفها الشخصي.
بس هي طلبت من الطباخ يخزن المكونات هنا علشان المكان أكبر.
فضل ياسين ساكت.
وبعدين سأل
بقالها قد إيه بتعمل كده؟
تقريبًا من أول شهر بعد الجواز.
اتنهد ياسين.
يعني كل يوم؟
تقريبًا كل يوم.
في نفس اللحظة...
كانت روز قاعدة قدام طفل صغير عند البوابة.
الولد كان رفيع جدًا.
ناولته طبق شوربة.
وقالت بابتسامة
كله بالراحة... الأكل مش هيخلص.
الولد ابتسم لأول مرة.
ولما خلص...
طلع من جيبه وردة صغيرة صفراء.
دي ليكي.
أخدتها كأنها أغلى هدية في الدنيا.
وفي اللحظة دي...
كان ياسين واقف بعيد، بيتفرج من غير ما تحس بيه.
لأول مرة...
فهم ليه كل الناس بتحبها.
هي ما كانتش بتشتري قلوبهم.
كانت بتكسبها.
وفي الليل...
لما رجعت أوضتها...
اتفاجئت بوجود صندوق خشب جديد فوق السرير.
فتحته.
لقيت طقم سكاكين احترافي من أفضل الأنواع.
ومعاه ورقة صغيرة.
مكتوب فيها
لسه عندي صعوبة أقول اللي جوايا... لكن واضح إنك بتعملي خير كتير. اعتبري دي هدية بسيطة... ياسين.
ابتسمت روز وهي تقرأ الورقة أكثر من مرة.
ولأول مرة منذ زواجهما...
شعرت أن الجدار بينهما بدأ يتصدع.
لكن في الجهة الأخرى من المدينة...
كان رجل يجلس داخل سيارة سوداء، ينظر إلى صورة قديمة لروز وهي طفلة.
ثم قال بغضب
لو ياسين عرف الحقيقة... كل حاجة هتضيع.
وأخرج هاتفه...
واتصل بشخص مجهول قائلاً
جهزوا... قرب وقت دخول القصر رنّ الهاتف في منتصف الليل.
ردّ الرجل الآخر بصوت خافت
كله جاهز... بس متأكد إنك عايز تعملها؟
رد ببرود
طول ما روز جوه القصر... أنا ماليش مكان.
وأغلق الخط.
في صباح اليوم التالي...
كانت روز في المطبخ، بتحضّر فطير مشلتت وعسل وسمن بلدي.
دخل ياسين، لأول مرة من غير ما يبلغ حد.
بص لها وهي واقفة قدام الفرن، وشعرها مربوط، وعلى وشها شوية دقيق.
ابتسم من غير ما يحس.
رفعت عينيها وشافته.
اتلخبطت بسرعة.
صباح الخير.
صباح النور.
ساد صمت بسيط.
ثم سألها
بتصحّي كل يوم بدري كده؟
ضحكت.
من وأنا صغيرة... جدي كان بيقول إن البركة بتنزل قبل الشروق.
هز رأسه.
واضح إنه كان راجل حكيم.
قطعت له حتة فطير وحطتها قدامه.
دوق.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
لو الرجالة شافوني باكل هنا... هيزعلوا.
ضحكت لأول مرة قدامه بصوت واضح.
ليه؟
لأنهم مقتنعين إنهم أصحاب امتياز في المطبخ.
ضحك هو كمان.
وكانت دي أول مرة الخدم يشوفوا ياسين المنشاوي بيضحك من قلبه.
بعد الضهر...
وصلت شحنة خضار كبيرة للقصر.
وأثناء إنزالها...
وقعت على الأرض محفظة جلد قديمة.
أحد العمال فتحها علشان يعرف صاحبها.
لكن أول ما شاف البطاقة...
جري على مدير الأمن.
بعد دقائق...
كانت المحفظة فوق مكتب ياسين.
فتحها...
ولقى بطاقة باسم
فؤاد عبدالرحمن.
والد روز.
لكن والدها متوفي من سنين.
استغرب.
وقلب باقي الأوراق.
كانت كلها قديمة...
إلا ورقة واحدة.
مطوية بعناية.
فتحها.
وفيها جملة واحدة فقط
اسأل عن الحريق اللي حصل من خمسة وعشرين سنة... وهتعرف مين أنقذ حياتك وإنت طفل.
اتسعت عينا ياسين.
الحريق ده...
عمره ما نسيه.
كان عمره وقتها سبع سنين.
وكل اللي فاكره إن راجل مجهول أنقذه من وسط النار واختفى قبل ما يشكره.
رفع رأسه ببطء.
ولو كانت الورقة دي صحيحة...
يبقى والد روز ما أنقذش شركات عيلته بس...
ده أنقذ حياته هو كمان.
وفي نفس اللحظة...
كانت روز في الحديقة، تسقي الورد، من غير ما تعرف إن سرًا قديمًا بدأ يخرج للنور...
وسرّ واحد فقط كان كفيلًا بتغيير علاقتها بياسين إلى الأبد ياسين ما قالش لحد على الورقة.
قفل درج مكتبه، لكن عقله فضل مشغول.
بعد ساعة...
استدعى أقدم راجل في العيلة.
العم راضي.
كان مع أبوه من أكتر من أربعين سنة.
دخل الرجل وقال
أمرت يا باشا؟
طلع ياسين الورقة وحطها قدامه.
تعرف عنها حاجة؟
أول ما العم راضي قراها...
وشه اتغير.
وقعد من غير ما يطلب منه.
سأله ياسين بحدة
إيه اللي مخبيه عني؟
تنهد الرجل طويلًا.
لأن أبوك الله يرحمه أمرنا ما نفتحش السيرة دي أبدًا.
ضرب ياسين المكتب بإيده.
اتكلم.
قال العم راضي بصوت هادي
ليلة الحريق... ماكانش حادث.
كانت محاولة قتل.
اتسعت عينا ياسين.
إيه؟
كان في ناس عايزين يخلصوا من عيلة المنشاوي كلها... والقصر القديم ولع.
حضرتك كنت محبوس في أوضة فوق.
وكل الناس كانت فاكرة إن مفيش حد يقدر يدخل ينقذك.
سكت لحظة ثم أكمل
إلا راجل واحد.
فؤاد عبدالرحمن.
أبو روز.
فضل ياسين ساكت.
العم راضي كمل
دخل النار بنفسه... وطلعك شايلك على كتفه.
واتحرق جزء كبير من دراعه.
لكن قبل ما حد يشكره...
مشي.
لأنه قال إن اللي عمله واجب.
حس ياسين إن الأرض بتميد بيه.
طول عمره كان فاكر إن جوازه من روز مجرد رد جميل بسبب مساعدات مالية.
لكن الحقيقة...
إن والدها أنقذ حياته قبل ما ينقذ شركاتهم بسنين.
همس لنفسه
وأنا... عمري ما شكرتها حتى.
في نفس الوقت...
كانت روز قاعدة في غرفة جدها القديمة داخل جناحها.
بتقلب في مفكرة الوصفات.
وفجأة...
وقعت منها ورقة صغيرة كانت مخبية بين الصفحات.
فتحتها باستغراب.
وكان مكتوب بخط جدها
يا روز...
لو قريتي الرسالة دي، يبقى جه اليوم اللي لازم تعرفي فيه الحقيقة.
فؤاد... أبوكي...
ماكانش مدين لعيلة المنشاوي.
عيلة المنشاوي هي اللي كانت مدينة له.
ولو في يوم حسيت إن وجودك بينهم تقيل...
افتكري إنك داخلة بيت ليكي فيه فضل كبير.
لكن أوعي في يوم تعايري حد بالجميل.
الخير اللي يتقال عليه... بيضيع.
نزلت دموع روز.
قفلت الرسالة وحطتها في حضنها.
وقالت بصوت واطي
حاضر يا جدي.
مش هقول لحد أبدًا.
لكنها ما كانتش تعرف...
إن ياسين كان واقف خارج الباب.
وسمع آخر جملة قالتها.
ولأول مرة...
فهم إن الست دي، رغم كل اللي قدمته هي وأبوها لعيلته...
ولا مرة حاولت تكسب احترامه بالمعايرة.
بل كانت بتكسبه بأخلاقها كل يوم.
ابتسم بحزن...
واتخذ قرارًا سيغيّر حياتهما معًا.
لكن قبل أن ينفذه...
دوّى صوت انفجار قوي عند البوابة الرئيسية للقصر.
واهتزت النوافذ...
وانطلق الحراس يركضون بأسلحتهم.
أما ياسين...
فأول كلمة خرجت من فمه لم تكن أمرًا بالحماية...
بل كانت
روز!اهتز القصر كله.
الإنذار اشتغل في كل الأجنحة.
الحراس انتشروا في ثوانٍ.
وياسين جري ناحية جناح روز من غير ما يفكر.
فتح الباب بعنف.
لقاها واقفة مكانها، مصدومة من صوت الانفجار.
أول ما شافها...
شدها ناحيته بغريزة، وحاوطها بإيده.
إنتِ كويسة؟
بصتله بدهشة.
دي أول مرة تشوف الخوف في عينيه.
هزت رأسها.
أنا كويسة... إيه اللي حصل؟
رد في جهاز الاتصال
اقفلوا كل البوابات... محدش يدخل ولا يخرج.
جاله صوت مدير الأمن
يا باشا... الانفجار كان في عربية فاضية عند البوابة الغربية... واضح إنه مجرد رسالة تهديد.
شد فكه بغضب.
فتشوا كل شبر في القصر.
بعد ساعة...
دخل مدير الأمن المكتب.
لقينا دي.
وحط ظرف أبيض على الترابيزة.
كان مكتوب عليه بخط كبير
ابعدوا روز... وإلا المرة الجاية مش هتكون رسالة.
قرأ ياسين الجملة أكثر من مرة.
ثم مزق الورقة بإيده.
وقال بصوت
تم نسخ الرابط