"إنتِ طالق يا فاتن

لمحة نيوز

كل ما ينجح في حاجة...
يحس إن فيه حاجة ناقصة.
كل ليلة قبل ما ينام، يفتكر نفس السؤال
هي نامت فين أول ليلة؟
كان يهز دماغه ويطرد الفكرة.
لكنها كانت ترجع أقوى.
وفي يوم...
دخل سليم مشغل أمينة.
كان جاي يسلّم على خالته، لأن أمينة كانت قريبة والدته.
أمينة ابتسمت أول ما شافته.
يا ألف مرحب.
وبينما هي بتتكلم معاه...
كان صوت ماكينة خياطة شغال في آخر الورشة.
سليم بص ناحية الصوت.
وشاف بنت قاعدة منحنية على القماش، مركزة بكل حواسها.
فاتن.
كانت لابسة مريلة زرقا، ورافعة كم العباية، وشعرها مستخبي تحت إيشارب بسيط.
ملامحها اختلفت.
لسه هادئة...
بس الخوف اللي شافه في المطار اختفى.
أمينة نادت
يا فاتن.
رفعت رأسها.
وأول ما شافت سليم...
وقفت بسرعة.
السلام عليكم.
ابتسم باحترام.
وعليكم السلام.
قالت بخجل
أنا... ملحقتش أشكرك على
اللي عملته يوم المطار.
رد بهدوء
ما عملتش حاجة تستحق الشكر.
ابتسمت لأول مرة قدامه.
ابتسامة صغيرة...
لكنها كانت صادقة.
ولأول مرة، شاف في عينيها نور ما كانش موجود يوم لقائها الأول.
وفي نفس اللحظة تقريبًا...
كان دياب خارج من الجامعة.
رن موبايله.
المتصل...
الجد.
رد بسرعة.
السلام عليكم يا جدي.
جاءه صوت الرجل العجوز هادئًا هذه المرة.
أنا تعبان يا دياب.
دياب اتوتر.
مالك يا جدي؟
الدكتور طالب يشوفك... لو تقدر تنزل إجازة.
قلب دياب انقبض.
هحاول.
لكن قبل ما يقفل...
قال الجد جملة واحدة
وبالمناسبة... فاتن بخير.
دياب اتجمد.
إيه؟
عرفت توصل لناس محترمين وقفوا جنبها.
سكت لحظة ثم أكمل
واضح إن ربنا كان أرحم بيها منك.
انتهت المكالمة...
لكن الجملة فضلت ترن في ودنه.
ربنا كان أرحم بيها منك.
ولأول مرة منذ تركها في المطار...
شعر دياب بندم حقيقي.
ندم لم
يكن يعرف أنه سيكبر يومًا بعد يوم، حتى يتحول إلى عبء لن يستطيع الهروب منه مرّ عام كامل...
فاتن ما بقيتش البنت اللي نزلت من الطيارة وهي مرعوبة.
بقت تتكلم إنجليزي بسيط، وتفهم الزباين، وتشتغل في مشغل أمينة كأنها واحدة من أهل المكان.
وفي نهاية السنة، أمينة نادتها إلى المكتب.
قالت وهي بتحط قدامها ظرفًا
افتحيه.
فاتن فتحته باستغراب.
كان فيه عقد شراكة.
رفعت عينيها بدهشة.
ده إيه؟
أمينة ابتسمت.
أنا كبرت في السن، والمشغل محتاج حد أمين. إنتِ أثبتِّي إنك تستحقي الثقة. لو وافقتِ، هتبقي شريكة معايا بنسبة من الأرباح.
فاتن دمعت عينيها.
أنا؟
أيوه... لأنك اشتغلتي بضمير، وعُمرك ما استغليتِ حد.
وافقت فاتن، وهي لأول مرة تحس إن تعبها بدأ يثمر.
في نفس الأسبوع...
كان سليم بيمر على المشغل علشان يسلّم على أمينة.
ولما دخل، لقى فاتن واقفة مع زبونة أمريكية، بتشرح لها المقاسات بالإنجليزية.
الكلمات كانت بسيطة، لكن واثقة.
الزبونة ابتسمت ومشيت راضية.
سليم وقف يتابعها من بعيد.
لما خلصت، قال لها
واضح إن الإنجليزي بقى أحسن.
ابتسمت بخجل.
لسه بتعلم.
رد بابتسامة خفيفة
التقدم أهم من الكمال.
ولأول مرة، قعدوا يشربوا قهوة في استراحة المشغل ويتكلموا.
عرف إنها بتحب القراءة، وإنها كانت نفسها تكمل تعليمها، لكن الظروف منعتها.
وحكت له إنها ما بقتش تدعي على دياب.
قالت بهدوء
في الأول كنت زعلانة منه أوي... لكن دلوقتي بدعي إن ربنا يهديه. كل واحد فينا هيتحاسب على أفعاله.
سليم بص لها بإعجاب.
القوة اللي فيها ما كانتش في الصوت العالي... كانت في إنها خرجت من محنتها من غير ما يتحول قلبها لقسوة.
أما دياب...
فأنهى سنته الأولى بتفوق.
ونال إشادة من أساتذته.
لكن فرحته ما كملتش.
وصلته رسالة من المحامي الذي كان يتابع إجراءات الطلاق.
قرأها أكثر من مرة.
نظرًا لعدم استكمال الإجراءات في الوقت المحدد، وبسبب مغادرة الزوجة دون إنهاء المعاملات القانونية، يلزم حضور الطرفين لإتمام الملف.
دياب تنهد.
كان يظن أن كل شيء انتهى يوم تركها في المطار.
لكن الماضي لم ينتهِ.
وفي المساء، اتصل بالمحامي.
يعني لازم أقابلها؟
جاءه الرد
إذا أردت إنهاء الإجراءات بشكل قانوني، نعم.
أغلق الهاتف وهو شارد.
بعد سنة كاملة...
سيقف أمام فاتن مرة أخرى.
لكنها لن تكون تلك الفتاة المرتجفة التي تركها في المطار.
ولن يكون هو الشاب الواثق من قراره.
فالأيام غيّرت الاثنين... وكلٌ منهما يحمل الآن قصة مختلفة تمامًا بعد أسبوع...
وصل إلى فاتن اتصال من المحامي ريتشارد.
قال لها بهدوء
يا فاتن، لازم تيجي المكتب بكرة الصبح. فيه موضوع قانوني يخص جوازك.
قلبها دق بسرعة.
رغم إن سنة كاملة عدّت، إلا إن كلمة جوازك رجّعت لها كل الوجع.
...
في اليوم التالي...
دخلت مكتب ريتشارد.
كان سليم موجودًا بالصدفة، لأنه كان جاي يوقّع على أوراق تخص إحدى شركاته مع المكتب نفسه.
لما شافها، وقف باحترام.
صباح الخير.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
صباح النور.
خرج سليم إلى قاعة الانتظار حتى يترك لها خصوصيتها.
جلس ريتشارد أمامها وقال
دياب قدّم طلب لاستكمال إجراءات الطلاق.
فاتن أغمضت عينيها لثوانٍ.
ثم قالت بثبات
تمام.
استغرب ريتشارد.
مش هتسألي عن السبب؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
هو قال السبب من أول يوم... كان شايفني عائق في حياته.
هز ريتشارد رأسه.
الإجراءات بتتطلب حضور الطرفين.
سكتت قليلًا.
ثم قالت
أنا موافقة.
...
بعد ثلاثة أيام...
دخل دياب قاعة المكتب.
كان أول مرة يشوف فاتن من سنة كاملة.
لكنه اتجمد مكانه.
دي مش فاتن اللي سابها في المطار.
كانت واقفة بثقة، ملابسها بسيطة وأنيقة، ملامحها هادئة، وعينيها ما بقاش فيهم خوف.
أما فاتن...
فلما شافته، قلبها وجعها للحظة.
لكنها تماسكت.
وقف دياب قدامها وقال بصوت منخفض
السلام عليكم.
ردت بهدوء
وعليكم السلام.
ساد صمت ثقيل.
أخيرًا قال
إنتِ... عاملة إيه؟
ردت باختصار
الحمد لله.
كان يتوقع منها لومًا... أو دموعًا... أو غضبًا.
لكنه لقى هدوءً أربكه أكثر.
دخل ريتشارد بالأوراق.
دي أوراق الطلاق.
وضعها أمام الاثنين.
أمسك دياب بالقلم.
لكن يده توقفت.
رفع عينيه إليها.
وقال لأول مرة منذ سنة
أنا آسف.
فاتن نظرت إليه في صمت.
أكمل وهو يخفض رأسه
أنا ظلمتك.
لم ترد.
قال بصوت مكسور
كل يوم من السنة دي كنت فاكر اليوم اللي سيبتك فيه.
تنهدت فاتن.
ثم قالت بهدوء شديد
الاعتذار كويس... لكنه ما بيرجعش اللي اتكسر.
خفض رأسه أكثر.
عارف.
ثم وقع على الأوراق.
أخذت فاتن القلم بعده.
نظرت إلى اسمها المكتوب بجوار اسمه.
ثم وقعت هي أيضًا.
في تلك اللحظة...
انتهى الزواج رسميًا.
لكن الذي انتهى على الورق، كان قد انتهى في قلبها منذ وقفت وحدها في ذلك المطار.
خرج دياب من المكتب وهو يشعر أن خسارته لم تكن زوجة فقط...
بل إنسانة لم يعرف قيمتها إلا بعدما فقدها.
أما فاتن...
فخرجت إلى الشارع، واستنشقت الهواء بعمق.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
لأول مرة منذ سنوات...
شعرت أنها حرة.
وبينما كانت تنزل درجات المبنى، سمعت صوتًا خلفها
آنسة فاتن.
التفتت.
كان سليم واقفًا، يحمل في يده ملفًا.
ابتسم وقال
بما إن الصفحة دي اتقفلت... تسمحي أعزمك على فنجان قهوة؟
نظرت إليه لحظة...
ثم ابتسمت ابتسامة صادقة لأول مرة منذ بداية الحكاية.
وقالت
أظن... القهوة المرة، بعد كل اللي فات، ممكن يبقى طعمها حلو جلسا في مقهى هادئ يطل على النهر.
لم يكن اللقاء يشبه أي لقاء بين رجل وامرأة.
لا مجاملات زائدة... ولا نظرات طويلة.
كان مجرد حديث بين شخصين جمعتهما ظروف صعبة.
سليم سألها وهو يقلب فنجان القهوة
إيه أول حاجة عملتيها بعد ما خرجتي من المطار يومها؟
ابتسمت فاتن ابتسامة صغيرة.
عيطت.
ثم ضحكت بخفة لأول مرة وهي تكمل
وبعدين شربت أول كوب شاي في بيت الأستاذ ريتشارد... وكان مالح من كتر دموعي.
ضحك سليم هو الآخر.
وقال
دلوقتي بقيتي أقوى بكتير.
هزت رأسها.
لا... أنا لسه بخاف.
استغرب.
من إيه؟
إني أصدق حد بسهولة.
ساد صمت قصير.
ثم قال سليم بكل هدوء
وده حقك.
...
في الأيام التالية...
أصبح يمر على المشغل كل فترة بحجة الاطمئنان على خالته أمينة.
وكانت ساندي تبتسم كلما رأته.
وتقول لأمينة
أخويا عمره ما كان بيزور المشغل كل الأسبوعين!
فتضحك أمينة دون تعليق.
أما فاتن...
فكانت تتعامل معه باحترام وحدود واضحة.
لم تسمح لقلبها أن يسبق عقلها.
...
وفي أحد الأيام...
رن هاتف فاتن.
كان الرقم من مصر.
ردت بسرعة.
ألو؟
جاءها صوت جارتهم القديمة.
يا بنتي... جدك تعبان أوي.
تجمدت.
إيه؟
بقاله يومين في المستشفى... وكل شوية يقول عايز أطمن على فاتن.
دموعها نزلت فورًا.
أغلقت الهاتف وهي ترتجف.
دخلت عليها أمينة.
مالك؟
قالت بصوت مبحوح
جدي... لازم أرجع مصر.
في أقل من ساعة...
كان سليم قد أنهى إجراءات حجز أول رحلة متاحة.
ناولها التذكرة.
قال
هتلحقي إن شاء الله.
نظرت إليه بامتنان.
أنا هرجعلك تمنها.
ابتسم.
لما تقدري.
...
في اليوم التالي...
وصلت فاتن إلى مصر.
دخلت المستشفى تجري.
ولما دخلت الغرفة...
كان الجد مستلقيًا على السرير، وجهه شاحب، لكن أول ما شافها، ابتسم.
جات بنتي.
ارتمت على يده تبكي.
أنا هنا يا جدي.
ربت على رأسها بصعوبة.
سامحيني.
رفعت رأسها بسرعة.
على إيه؟
قال وهو يلتقط أنفاسه
افتكرت إني بجوزك راجل يحافظ عليكي.
مسكت يده بكلتا يديها.
اللي حصل خلاص فات.
هز رأسه.
لا... في حاجات لازم تتصلح.
ثم أشار إلى درج الكومود.
افتحيه.
فتحت الدرج.
وجدت ملفًا أزرق.
ناولها إياه.
قال
ده حقك.
فتحت الملف...
واتسعت عيناها من الصدمة.
كان يحتوي على أوراق تثبت أن الجد كتب قبل سفره بأشهر قطعة أرض كبيرة ومنزلًا قديمًا باسمها، بالإضافة إلى حساب ادخار جمعه لها على مدار سنوات.
همست بدهشة
كل ده... باسمي؟
ابتسم الجد بصعوبة.
كنت عايز يبقى ليكي سند... حتى لو أنا مش موجود.
انفجرت في البكاء وهي تحتضنه.
وفي الخارج...
كان شخص يقف خلف باب الغرفة، وقد وصل لتوه بعد أن علم بمرض الجد.
وقف مترددًا، لا يملك الجرأة على الدخول.
كان دياب.
سمع كل كلمة قيلت في الداخل.
وأدرك للمرة الثانية أن الرجل الذي ظن أنه أجبره على الزواج... كان في الحقيقة يحاول أن يؤمّن مستقبل حفيدته بكل ما يملك.
لكن السؤال الذي ظل يطارده وهو واقف خلف الباب كان أصعب من أي شيء
هل فات الأوان ليطلب الصفح... أم أن بعض الأبواب إذا أُغلقت، لا تُفتح مرة أخرى؟دياب ظل واقفًا خلف الباب، كأن قدميه اتثبتوا في الأرض.
سمع بكاء فاتن...
وسمع صوت الجد الضعيف وهو يقول
يا بنتي... أوعي في يوم تشيلي كره لحد. الكره بيأكل صاحبه.
أغمض دياب عينيه.
أول مرة يحس إن كل كلمة قالها لها في المطار بترجع تضربه في قلبه.
قرر يدخل.
خبط على الباب بخفة.
فاتن التفتت.
أول ما شافته، وشها اتغير، لكنها ما قالتش كلمة.
الجد رفع عينيه بصعوبة.
دياب... تعالى.
دخل بخطوات بطيئة، ووقف عند آخر السرير.
السلام عليكم.
رد الجد
وعليكم السلام.
أما فاتن، فاكتفت بإيماءة بسيطة.
فضل دياب واقف، ثم قال بصوت مكسور
أنا عرفت إن حضرتك تعبان... فجيت أطمن.
الجد ابتسم ابتسامة خفيفة.
كويس إنك جيت.
ثم أشار إلى الكرسي.
اقعد.
جلس دياب وهو لا يستطيع رفع عينيه.
وبعد لحظات من الصمت، قال
أنا غلطت.
الجد سأله بهدوء
تعرف غلطت في إيه؟
رد بسرعة
سيبتها.
هز الجد رأسه بالنفي.
لا.
استغرب دياب.
قال الجد
إنت غلطت قبل ما تسيبها.
سكت الجميع.
ثم أكمل
لما حكمت عليها من تعليمها... ومن لبسها... ومن ظروفها... قبل ما تعرف قلبها.
انخفض رأس دياب أكثر.
حضرتك عندك حق.
قال الجد
أنا أجبرتك على الجواز... وده كان غلطي أنا.
فاتن رفعت رأسها بسرعة.
يا جدي...
أشار إليها أن تسكت.
ثم أكمل وهو ينظر إلى دياب
لكن اللي عملته بعد كده... كان اختيارك إنت.
امتلأت عينا دياب بالدموع.
أنا مستعد أتحمل أي نتيجة.
ابتسم الجد بتعب.
النتائج بدأت من يوم سبتها في المطار.
...
بعد ساعة...
خرج دياب من المستشفى.
وقف في ساحة المستشفى وحده.
رن هاتفه.
كان المشرف الأكاديمي من الجامعة.
دكتور دياب، المنحة فيها مرحلة جديدة، ولازم ترجع خلال أسبوع.
نظر إلى السماء.
ثم قال
هارجع.
أغلق الهاتف.
وكان يعلم أن عودته هذه المرة لن تكون كما كانت.
فهو سيعود حاملًا نجاحًا علميًا...
وإحساسًا بالفشل الإنساني لا يفارقه.
...
داخل المستشفى...
كانت فاتن تساعد جدها يشرب الدواء.
ابتسم لها وقال
سعيدة؟
ابتسمت لأول مرة منذ وصولها.
الحمد لله.
ولو رجع الزمن... كنتِ هتوافقي على الجوازة دي؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت
يمكن... لو ما كانتش حصلت، ما كنتش هعرف قوتي.
ابتسم الجد.
يبقى ربنا طلع من الوجع خير.
هزت رأسها.
أيوه... لكن الثمن كان غالي.
...
في المساء...
وقبل سفر دياب بيوم، كتب رسالة بخط يده.
تركها عند الاستقبال باسم فاتن، ثم غادر إلى المطار دون أن يحاول رؤيتها.
كانت الرسالة قصيرة
يا فاتن... مش بطلب ترجعي، ولا بطلب تسامحيني. أنا بس بطلب منك تصدقي إن ندمان. كنت ضعيف، وخوفت على مستقبلي، فضيعت إنسانيتي. أتمنى تلاقي في حياتك كل الخير اللي أنا حرمتك منه. دياب.
أخذت فاتن الرسالة، وقرأتها بهدوء.
ثم طوتها بعناية.
وضعتها داخل الملف الأزرق، بجوار خطاب جدها.
ولم تمزقها...
ولم تحتفظ بها لأنها اشتاقت إليه...
بل لأنها كانت آخر صفحة من قصة قررت أن تغلقها، وتمضي إلى مستقبل اختارت أن تبنيه بنفسها مرّت ستة أشهر...
تحسنت صحة الجد تدريجيًا، وبدأ يستعيد قوته.
أما فاتن، فكانت تقضي معظم وقتها في مصر بجواره، تُرتب أملاكها، وتزور والدتها، ثم بدأت تُجهز للعودة إلى نيويورك لاستكمال حياتها وعملها.
وفي يوم السفر...
كان الجد يجلس في شرفة البيت.
ناولها صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال مبتسمًا
افتحيه في الطيارة.
قبلت يده، وودعته، ثم غادرت.
بعد ساعات...
كانت الطائرة تحلق فوق المحيط.
فتحت الصندوق.
وجدت داخله خاتمًا فضيًا قديمًا، ورسالة.
فتحت الرسالة.
كان مكتوبًا فيها
يا فاتن... يمكن ما بقيتش أقدر أمشي معاكي في باقي الطريق. لكن عايزك تفتكري حاجة واحدة. الإنسان ما بيتقاسش بعدد اللي ظلموه... بيتقاس بعدد المرات اللي وقع فيها وقام. وأنا فخور بيكي. جدك.
أغلقت الرسالة وهي تبتسم والدموع تلمع في عينيها.
في نيويورك...
كان سليم في انتظارها بالمطار، ومعه ساندي.
أول ما خرجت، ساندي جريت حضنتها.
وحشتينا.
ضحكت فاتن.
وإنتوا كمان.
أما سليم، فاكتفى بابتسامة هادئة.
الحمد لله على السلامة.
بدأت الأيام ترجع لطبيعتها.
لكن هذه المرة، كان هناك شيء مختلف.
وجود سليم في حياتها أصبح ثابتًا.
لم يكن يفرض نفسه.
ولم يكن يكثر الكلام.
لكنه كان دائمًا موجودًا وقت الحاجة.
إذا تعطلت سيارتها... ظهر.
إذا احتاجت مساعدة في الأوراق... وجدته.
إذا مرضت أمينة... كان أول من حضر.
وذات مساء...
كانت فاتن تغلق المشغل.
قال لها سليم
تمشي نتمشى شوية؟
وافقت.
سارا على ضفة النهر في صمت.
ثم توقف سليم فجأة.
وقال
فاتن...
نظرت إليه.
أنا هقول كلام، ولو رفضتيه، مش هيتغير بينا أي احترام.
انتظرت بصمت.
أخذ نفسًا عميقًا.
أنا معجب بيكي من زمان.
خفضت عينيها.
أكمل
مش لأنك جميلة... رغم إنك جميلة.
ابتسمت بخجل.
ولا لأنك قوية بس.
ثم قال
أنا معجب بالطريقة اللي خرجتي بيها من أصعب أيام حياتك من غير ما تفقدي احترامك لنفسك ولا رحمتك بالناس.
ساد الصمت.
وأضاف
لو يومًا حسّيتي إن قلبك مستعد يبدأ من جديد... يشرفني أطلب إيدك.
فاتن لم تجب فورًا.
ظلت تنظر إلى مياه النهر.
ثم قالت بهدوء
أنا خايفة.
ابتسم.
عارف.
وخوفي مش منك.
عارف برضه.
أنا محتاجة وقت.
ابتسم ابتسامة واسعة لأول مرة.
وده حقك.
ثم مد يده.
أصدقاء؟
ابتسمت، وصافحته.
أصدقاء.
وفي مكان آخر...
كان دياب ينشر بحثه العلمي الجديد، وسط تصفيق الحضور.
الجميع يهنئه.
لكنه، عندما عاد إلى شقته، وجد على مكتبه صورة قديمة التُقطت له يوم السفر.
نظر إليها طويلًا.
ثم وضعها داخل درج، وأغلقه.
همس لنفسه
بعض النجاحات... تيجي بعد خسارة عمر.
وفي تلك اللحظة، كان كل واحد منهم يسير في طريقه...
فاتن تتعلم أن تثق بالحياة من جديد.
وسليم ينتظر بصبر.
ودياب يتعلم، متأخرًا، أن الطموح لا يبرر القسوة، وأن بعض القرارات قد تغيّر مصير إنسان إلى الأبد مرّت أربعة أشهر أخرى...
وفي صباح خريفي هادئ، كانت فاتن في المشغل تراجع طلبية كبيرة، لما سمعت صوت أمينة بتناديها
يا فاتن... في حد مستنيكي برة.
خرجت وهي فاكرة إنه زبون.
لكنها لقت راجل كبير في السن، لابس بدلة رمادي، وماسك ملف.
ابتسم باحترام.
حضرتك الأستاذة فاتن؟
أيوه.
ناولها بطاقة.
أنا المستشار القانوني لمؤسسة الهلالي.
اتسعت عيناها.
اسم الهلالي رجّع لها ذكريات كانت فاكرة إنها انتهت.
قال الرجل
الحاج عبد الرحيم طلب اجتماع مع عائلة الهلالي في مصر... قبل وفاته.
فاتن عقدت حاجبيها.
قبل وفاته؟
هز رأسه بحزن.
حضرتك لسه ما عرفتيش؟
تجمدت مكانها.
أعرف إيه؟
خفض الرجل رأسه.
الحاج عبد الرحيم توفي من أسبوع.
وقع الملف من يدها.
وشعرت أن الأرض بتدور بها.
آخر مرة كلمته كانت قبل يومين من سفرها، وكان يضحك ويقول لها
خلي بالك من نفسك يا بنتي.
ولم يخبرها أحد... تنفيذًا لوصيته حتى لا يقطعوا عليها بداية حياتها من جديد.
جلست على أقرب كرسي وهي تبكي بحرقة.
ساندي احتضنتها.
وسليم وقف بعيدًا،
تم نسخ الرابط