بابا... ضهري بيوجعني حكايات ميرااا

لمحة نيوز

في حالة مستعجلة.
وقفت ريم على الفور.
كانت طفلة في السادسة من عمرها، تتشبث بيد جدتها وترتجف.
جلست ريم أمامها وقالت برفق
اسمك إيه؟
همست الطفلة
سارة.
ابتسمت ريم.
سارة... تحبي ترسمي؟
هزت الطفلة رأسها موافقة.
وضعت أمامها ورقة وألوانًا.
بعد دقائق، رسمت بيتًا صغيرًا، وبجانبه فتاة تبكي.
سألتها ريم بهدوء
مين دي؟
أجابت بصوت خافت
أنا.
شعرت ريم بانقباض في قلبها، لكنها حافظت على هدوئها.
تعلمت خلال سنوات عملها أن أهم ما يحتاجه الطفل هو الشعور بالأمان.
وبينما كانت تستكمل الحديث مع الجدة، خرج أحمد من الغرفة في صمت.
جلس في الممر يتأمل الأطفال الذين ينتظرون دورهم.
قال لنفسه
قد إيه في أطفال بيتألموا من غير ما حد يحس بيهم.
وفي المساء، عاد الجميع إلى المنزل.
كان عمر قد أعد العشاء بنفسه.
ضحك وهو يقول
النهارده الدور عليّ.
تذوق أحمد الطعام، ثم قال مازحًا
واضح إنك اتعلمت أحسن مني.
ضحكت ريم لأول مرة منذ الصباح.
قال عمر وهو ينظر إليها
شكلك تعبانة.
تنهدت.
كل حالة بشوفها بتفكرني بالماضي... لكن في نفس الوقت بتأكدلي إن اللي مرينا بيه خلاني أقدر أساعد غيري.
اقترب أحمد ووضع يده على كتفها.
المهم متنسيش إنك إنتِ كمان محتاجة ترتاحي.
ابتسمت ريم.
حاضر يا بابا.
وفي تلك الليلة، وقفت أمام نافذة غرفتها تنظر إلى السماء.
تذكرت الطفلة الصغيرة التي كانت تخاف من الكلام، ثم نظرت إلى صورتها مع والدها وعمر المعلقة على الحائط.
همست لنفسها
الحمد لله... الطريق كان طويل، لكنه وصلنا للمكان اللي كنا بندور عليه.
وأغلقت النافذة، بينما امتلأ البيت من جديد بصوت الضحكات، بعد أن صار الأمان جزءًا من حياتهم اليومية الفصل الثالث عشر الرسالة التي لم تكن متوقعة
مرّت أشهر أخرى، واستقرت حياة الأسرة أكثر من أي وقت مضى.
أصبح عمر في عامه الجامعي الأول، بينما كانت ريم تقضي معظم يومها بين المرضى، ثم تعود إلى المنزل لتجلس مع والدها على الشرفة، يحتسيان الشاي ويتحدثان عن تفاصيل اليوم.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت ترتب ملفاتها في المركز، لاحظت ظرفًا أبيض بين الأوراق.
لم يكن يحمل اسم المرسل.
فتحته بهدوء.
كانت بداخله ورقة واحدة.
شكرًا... لأنك أنقذتِ بنتي.
توقفت عن القراءة للحظة.
وفي أسفل الصفحة وجدت توقيعًا بسيطًا
والدة سارة.
ابتسمت ريم دون أن تشعر.
تذكرت الطفلة الصغيرة التي جاءت إلى المركز قبل أشهر، وكانت ترتجف من الخوف ولا تكاد تنطق بكلمة.
تذكرت كيف بدأت جلساتها بالرسم، ثم بالكلمات القليلة، حتى استعادت ثقتها بنفسها شيئًا فشيئًا.
دخلت زميلتها إلى المكتب.
مالك مبتسمة؟
ناولتها الرسالة.
قرأتها ثم قالت
ساعات كلمة شكر واحدة بتخلينا ننسى تعب سنين.
هزت ريم رأسها موافقة.
في المساء، عاد أحمد من عمله متعبًا.
لاحظ عمر ذلك فقال
بابا... كفاية شغل بقى.
ضحك أحمد.
أهو لسه فيا حيل.
رد عمر
الحيل دي بقت لازم تتصرف علينا شوية.
ابتسم أحمد، لكنه شعر أن ابنه أصبح رجلًا بالفعل.
جلسوا جميعًا إلى مائدة العشاء.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن الحديث عن الماضي.
كانوا يتحدثون عن السفر، وعن خطط عمر بعد التخرج، وعن حلم ريم بإنشاء مركز مجاني للأطفال غير القادرين.
قال أحمد وهو ينظر إليهما
فاكرين زمان لما كنا بنتمنى يوم عادي؟
سكت الاثنان.
ثم قالت ريم
دلوقتي عرفت إن اليوم العادي أكبر نعمة.
بعد عدة أسابيع، تلقت ريم اتصالًا من إحدى الجمعيات الخيرية.
أخبروها أنهم يرغبون في التعاون معها لإنشاء حملة توعية في المحافظات المختلفة.
وافقت فورًا.
بدأت الجولة من مدرسة صغيرة.
وقف عشرات الأطفال ينظرون إليها.
لم تكن تريد أن تروي قصتها.
أرادت فقط أن توصل رسالة.
قالت لهم
لو حد ضايقكم... أو خلاكم تخافوا... أو حملكم مسؤولية أكبر من سنكم... اتكلموا.
السكوت عمره ما كان حماية.
رفعت طفلة يدها.
ولو محدش صدقنا؟
ابتسمت ريم.
دوري على حد تاني.
ولو ده ما صدقكيش... دوري على حد تالت.
في النهاية هتلاقي حد يسمعك.
ماتسكتيش أبدًا.
صفق الأطفال بحرارة.
وكان أحمد يقف في آخر القاعة يراقبها.
شعر أن ابنته لم تعد فقط قد تعافت...
بل أصبحت سببًا في شفاء آخرين.
في طريق العودة، توقفت السيارة أمام كورنيش النيل.
قال أحمد
ننزل نتمشى؟
وافق الجميع.
كان الهواء لطيفًا.
والشمس تميل إلى الغروب.
وقف عمر بجوار أخته وقال
تعرفي؟
أنا مش فاكر من طفولتي غير حاجات بسيطة.
بس كل ما أكبر... أفهم أكتر إنك ضحيتي بحاجات كتير عشاني.
ابتسمت ريم وربتت على كتفه.
أهم حاجة إنك متحسش بالذنب.
إنت كنت طفل.
رد عمر
وأنا دلوقتي أخ كبير.
ولو في يوم احتجتيني... هكون أول واحد جنبك.
دمعت عينا ريم.
لكنها لم تبكِ.
كانت تلك الدموع مختلفة.
دموع راحة.
وفي تلك الليلة، فتح أحمد ألبوم الصور القديم.
كانت أول صورة فيه لريم وهي في السابعة من عمرها.
ثم قلب الصفحات حتى وصل إلى صورة حديثة تجمعهم جميعًا.
ابتسم وقال
الزمن بيغير كل حاجة.
لكن الحاجة الوحيدة اللي لازم تفضل ثابتة...
إن البيت يبقى مكان للأمان.
أغلق الألبوم.
وأطفأ الأنوار.
وفي أرجاء المنزل، لم يعد هناك صوت بكاء أو خوف.
كان هناك فقط بيتٌ امتلأ بالسكينة، وعائلة تعلمت أن الجراح قد تلتئم، إذا وجدت حبًا صادقًا، ويدًا تمتد في الوقت المناسب.

تم نسخ الرابط