بابا... ضهري بيوجعني حكايات ميرااا
المحتويات
في التاسعة من عمره.
كان يقف مترددًا، ويضم حقيبته إلى صدره.
ابتسمت له وقالت
محتاج حاجة يا بطل؟
نظر إلى الأرض قبل أن يجيب
هو... لو الطفل خاف يحكي، يبقى غلطان؟
انحنت ريم حتى أصبحت في مستوى عينيه.
لا... عمره ما يكون غلطان.
سكت الطفل لحظات، ثم قال
أصل أنا سمعت كلام حضرتك... وحسيت إنك فاهماني.
أشارت إلى الأخصائية الاجتماعية الموجودة في المدرسة، وقالت برفق
تعال نقعد كلنا سوا، ونسمع اللي مضايقك.
ظل أحمد يراقب المشهد من بعيد.
رأى ابنته تتحدث مع الطفل بهدوء وثقة، فتذكر تلك الليلة التي حملها فيها إلى المستشفى، وهي تعتذر لأنها لم تستطع حمل أخيها.
همس لنفسه
سبحان مَن يبدّل الألم قوة.
في طريق العودة، كانت السيارة تسير في هدوء.
قطع عمر الصمت وهو يبتسم
فاكر يا بابا لما كنت صغير، وريم كانت بتزعقلي عشان ما أجريش في الشارع؟
ضحكت ريم وقالت
كنت بخاف عليك.
رد عمر مازحًا
ولسه بتخافي.
ابتسم أحمد وهو ينظر إليهما، وقال
وربنا يديم المحبة بينكم.
عندما وصلوا إلى المنزل، دخل رعد، الذي كبر في العمر وأصبح يتحرك ببطء، ليستقبلهم كعادته.
اقتربت ريم، وربتت على رأسه.
لولاك في اليوم ده، كان كل شيء ممكن يتأخر.
هز الكلب ذيله في هدوء، وكأنه لا يزال يؤدي مهمته في حراسة العائلة.
في تلك الليلة، جلست ريم أمام نافذتها، وأخرجت من درج مكتبها الورقة القديمة التي كتبتها وهي طفلة.
قرأت كلماتها بصمت، ثم أغلقتها للمرة الأخيرة.
وضعتها داخل صندوق صغير، وهمست
خلاص... مكانك بقى في الماضي.
أغلقت الصندوق، وابتسمت.
لأنها أدركت أن الذكريات المؤلمة لا تختفي، لكنها لم تعد تتحكم في حياتها.
ومنذ ذلك اليوم، قطعت على نفسها وعدًا
أن تكون دائمًا صوتًا لكل طفل يخاف أن يتكلم، وألا تسمح بأن يشعر أي طفل بأنه وحيد كما شعرت هي يومًا الفصل الأخير حياة تستحق أن تُعاش
مرت سنوات أخرى، وأصبح اسم ريم معروفًا بين العائلات التي كانت تلجأ إلى المركز طلبًا للعلاج.
لم تكن تكتفي بعلاج الألم الجسدي، بل كانت تحرص على أن يشعر كل طفل بالأمان.
وذات صباح، دخل أحمد إلى المركز يحمل باقة صغيرة من الزهور.
تعجبت ريم وقالت مبتسمة
خير يا بابا؟ في مناسبة وأنا ناسية؟
ابتسم وهو يناولها الزهور.
النهارده بالظبط اليوم اللي رجعت فيه البيت بدري... اليوم اللي سمعنا فيه جملتك بابا... ضهري بيوجعني.
ساد صمت قصير.
ثم احتضنت والدها وقالت
لو ما كنتش جيت في الوقت ده... كان زمان حياتنا كلها مختلفة.
ربت أحمد على كتفها وقال
الفضل لله أولًا... وبعدها لشجاعتك. رغم خوفك، قدرتي تطلبي المساعدة.
في المساء، اجتمع أفراد العائلة في المنزل.
كان عمر قد أنهى دراسته الجامعية، واستعد لبدء عمله، بينما جلس رعد بجوارهم وقد غزا الشيب فراءه، لكنه ما زال يراقبهم بعينيه الهادئتين.
نظر عمر إلى أخته وقال
عارفة؟ طول عمري كنت فاكر إن أنا اللي محتاج أحميكي.
ابتسمت ريم.
وإحنا الاتنين كنا بنحمي بعض.
ضحك الجميع، وشعر أحمد أن البيت الذي عرف يومًا الخوف، أصبح مليئًا بالدفء والسكينة.
وقبل أن ينتهي المساء، أخرج أحمد إطارًا صغيرًا وضع بداخله أول رسم رسمته ريم بعد تعافيها.
كان الرسم بسيطًا...
رجل وفتاة وطفل وكلب، يمسكون أيدي بعضهم تحت شمس مشرقة.
علّق الإطار على حائط غرفة المعيشة، وقال
ده هيفضل هنا دايمًا... عشان يفضل يفكرنا إن أصعب الأيام ممكن تنتهي، وإن الأسرة تقدر تبدأ من جديد مهما كانت الجراح.
رفعت ريم رأسها إلى الرسم، ثم ابتسمت في هدوء.
لم تعد تتذكر تلك الطفلة التي كانت تعتذر عن أشياء لم ترتكبها.
صارت امرأة تعرف قيمتها، وتعرف أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، وأن الرحمة قد تغيّر مصير إنسان.
أما أحمد، فكان كلما سمع ضحكة ابنته، يحمد الله على أنه لم يتجاهل تلك الكلمات التي سمعها عبر الهاتف في ذلك اليوم.
فقد بدأت القصة بجملة صغيرة
بابا... ضهري بيوجعني.
وانتهت بعائلة استعادت حياتها، وأدركت أن الحب والاهتمام قد ينقذان طفلًا... ويمنحانه عمرًا جديدًا.
تمت بحمد الله الفصل الحادي عشر بداية مختلفة
مرت ثلاث سنوات أخرى.
لم يعد المنزل الذي شهد أصعب أيام الأسرة كما كان.
اختفت آثار الخوف من جدرانه، وحلت محلها صور جديدة تجمع أحمد وريم وعمر في مناسبات مختلفة؛ أول يوم دراسي، رحلات قصيرة، وأعياد ميلاد لم يعد ينقصها سوى الضحكات.
في إحدى الأمسيات، عاد أحمد من عمله يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
وضعه على الطاولة وقال
لقيته وأنا برتب المخزن.
اقترب عمر، الذي أصبح شابًا يافعًا، وسأل بفضول
إيه اللي فيه؟
فتح أحمد الصندوق ببطء.
كان مليئًا بأشياء صغيرة احتفظ بها طوال السنوات الماضية؛ أول حذاء ارتدته ريم، ولعبة عمر المفضلة، وصور عائلية قديمة، ورسومات رسمتها ريم وهي طفلة.
توقفت ريم عند ورقة صفراء مطوية.
فتحتها بحذر.
كانت رسالة كتبها أحمد بخط يده، لكنه لم يرسلها لأحد.
قرأتها بصوت منخفض
لو قرأت هذه الرسالة يومًا، فأعلم أنني كنت أشعر بالذنب لأنني لم ألاحظ ما كانت تمر به ابنتي. كنت أظن أن العمل هو أفضل وسيلة لحماية أسرتي، ثم اكتشفت أن وجودي بينهم كان أثمن من أي شيء آخر.
امتلأت عينا ريم بالدموع.
قالت وهي تنظر إلى والدها
عمري ما حملتك المسؤولية يا بابا.
ابتسم أحمد بحزن.
لكن الإنسان بيتعلم... وأغلى الدروس هي اللي بتوجع.
في اليوم التالي، تلقت ريم اتصالًا من إدارة المستشفى التي تعمل بها.
أخبرها المدير أن المستشفى قررت إنشاء برنامج لدعم الأطفال الذين يتعرضون للإهمال أو العنف داخل الأسرة، وأنهم يريدونها ضمن الفريق المؤسس.
وافقت دون تردد.
لم تكن ترى في الأمر وظيفة جديدة، بل رسالة عاشت من أجلها سنوات.
وبعد أشهر، افتتح البرنامج رسميًا.
دخلت أول طفلة إلى العيادة وهي تمسك يد جدتها.
كانت في الثامنة من عمرها، قليلة الكلام، وتنظر إلى الأرض باستمرار.
جلست ريم أمامها، وقد تذكرت نفسها قبل سنوات طويلة.
ابتسمت لها وقالت
مش لازم تتكلمي دلوقتي... خدي وقتك.
رفعت الطفلة رأسها ببطء، ثم سألت
هو ممكن حد يصدقني؟
شعرت ريم بوخزة في قلبها.
أمسكت بيدها برفق وقالت
أيوه... وفي ناس شغلها إنها تسمعك وتحميكي.
خرجت الطفلة من الجلسة وهي أكثر اطمئنانًا.
وعندما أغلقت ريم ملفها، أدركت أن أكثر ما كانت تحتاجه وهي صغيرة لم يكن القوة... بل شخصًا يسمعها.
في المساء، اجتمع أفراد الأسرة حول مائدة العشاء.
قال عمر وهو يبتسم
فاكرين لما كنا بنقول إن البيت الآمن هو أكبر نعمة؟
ضحك أحمد وقال
ولسه بقولها كل يوم.
ردت ريم
لأن الأمان مش في الجدران... الأمان في الناس اللي يخلوك تحس إنك مش لوحدك.
ساد الصمت للحظة.
ثم رفع أحمد كوب الشاي وقال
ربنا يديم عليكم النعمة دي.
وفي الخارج، كانت الأمطار تهطل بهدوء.
أما داخل المنزل، فلم يعد هناك مكان للخوف.
كان هناك بيت صغير، عرف الألم يومًا، لكنه اختار أن يبني مستقبله على الرحمة، والصدق، والمحبة.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعر أحمد أن الماضي لم يعد يطارده... بل أصبح مجرد ذكرى علمتهم كيف يتمسكون بالحياة الفصل الثاني عشر اختبار جديد
بعد مرور عام على افتتاح برنامج دعم الأطفال، أصبحت ريم تستقبل عشرات الحالات كل شهر.
وفي صباح هادئ، دخل أحمد إلى مكتبها يحمل كوبين من القهوة.
ابتسمت وهي تقول
إيه اللي جابك بدري؟
جلس أمامها وقال
وحشتيني... قولت أعدي أشوفك قبل ما أروح الشغل.
وقبل أن ترد، طرق أحدهم الباب.
دخلت الممرضة وهمست
متابعة القراءة