بابا... ضهري بيوجعني حكايات ميرااا

لمحة نيوز

من آلام ظهرها، مؤكدًا أن الأطفال لا ينبغي أن يتحملوا أعباءً تفوق طاقتهم.
عاد أحمد بطفليه إلى المنزل، لكنه لم يعد يراه كما كان من قبل.
كانت كل زاوية فيه تذكره بما مرت به ابنته في غيابه.
في اليوم التالي، استعان بإحدى قريباته للإقامة معهما مؤقتًا حتى يستطيع رعاية الطفلين دون أن يتركهما وحدهما، كما بدأ في ترتيب مواعيد عمله ليقضي وقتًا أطول معهما.
أما ريم، فكانت في الأيام الأولى تستيقظ مذعورة من نومها، وتلتفت حولها بخوف، وكأنها تتأكد أن أحدًا لن يطلب منها حمل أخيها أو تنظيف المنزل.
وفي كل مرة، كان أحمد يطمئنها قائلًا
خلاص يا ريم... انتهى كل ده. دلوقتي دورك تبقي طفلة وبس.
شيئًا فشيئًا، بدأت الابتسامة تعود إلى وجهها.
عادت إلى المدرسة، واستقبلتها معلماتها وزميلاتها بحفاوة، وحرصت إدارة المدرسة على تقديم الدعم النفسي لها حتى تتجاوز ما مرت به.
وفي المقابل، استمرت الإجراءات القانونية في القضية.
استندت النيابة إلى التقارير الطبية، وشهادة المدرسة، وتسجيلات كاميرات المراقبة، إلى جانب أقوال أحمد، باعتبارها أدلة على تعرض الطفلة للإهمال وسوء المعاملة.
وبعد عدة جلسات، صدر الحكم بإدانة ندى، مع إلزامها بتحمل المسؤولية القانونية عما تسبب فيه إهمالها من أذى للطفلين.
لم يشعر أحمد بالانتصار وهو يغادر المحكمة.
كل ما كان يتمناه هو ألا تعيش ريم تلك الأيام مرة أخرى.
وفي طريق العودة، مرّ بسيارته أمام متجر ألعاب.
التفت إلى ابنته وقال مبتسمًا
اختاري اللعبة اللي نفسك فيها.
نظرت إليه بدهشة، ثم أخذت تتجول بين الأرفف حتى توقفت أمام دمية صغيرة.
سألها
بس دي أبسط لعبة هنا.
ابتسمت وقالت
عجبتني... وكمان عشان نجيب لعبة لعمر هو كمان.
ابتسم أحمد، وأدرك أن قسوة التجربة لم تستطع أن تنتزع طيبة قلبها.
احتضن طفلَيه، وشعر للمرة الأولى منذ زمن طويل أن الحياة بدأت تمنحهما فرصة جديدة... فرصة يعيش فيها كل واحد منهما طفولته كما يستحق الفصل الخامس والأخير
مرت عدة سنوات، وتغيرت حياة الأسرة تدريجيًا.
تعافت ريم من إصابة ظهرها بعد رحلة علاج طويلة، وعادت إلى ممارسة حياتها الطبيعية، وأصبحت أكثر ثقة بنفسها بفضل الدعم الذي أحاطها به والدها، ومدرستها، وكل من وقف إلى جوارها.
أما عمر، فلم يتذكر الكثير مما حدث في طفولته، لكنه كان يعرف أن أخته كانت دائمًا أول من يحميه ويعتني به.
وكان أحمد يحرص على أن يجمعهما كل مساء حول مائدة العشاء، مهما كانت ضغوط العمل، حتى لا يشعر أي منهما بالوحدة مرة أخرى.
كبرت ريم، واجتهدت في دراستها، واختارت الالتحاق بكلية العلاج الطبيعي. لم يكن اختيارها مصادفة، فقد كانت تتذكر دائمًا الأيام التي عانت فيها من آلام الظهر، وكانت تتمنى أن تساعد كل طفل يتألم كما تألمت هي.
وفي يوم تخرجها، جلس أحمد بين الحضور ينظر إليها بفخر.
وعندما نادى المذيع اسمها، صعدت إلى المنصة وسط تصفيق الجميع، وتسلمت شهادتها بابتسامة امتزجت فيها فرحة النجاح بذكريات رحلة طويلة من الصبر.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت من والدها واحتضنته.
قالت بصوت تأثره الدموع
لولا إنك صدقتني ووقفت جنبي، ما كنتش وصلت للي أنا فيه النهارده.
ابتسم أحمد وقال
أنا اللي اتعلمت منك معنى القوة. كنتِ طفلة، ومع ذلك حافظتِ على أخوكي بكل اللي تقدري عليه.
وفي طريق العودة، كان عمر يمازحهما قائلًا
من النهارده هنقول الدكتورة ريم.
ضحكت ريم، وردت
أهم حاجة إن محدش في بيتنا يشيل حمل أكبر من سنه تاني.
ساد الصمت للحظة، ثم ابتسم الجميع.
في تلك اللحظة، شعر أحمد أن السنوات الصعبة أصبحت جزءًا من الماضي، وأن البيت الذي عرف الخوف يومًا، امتلأ أخيرًا بالطمأنينة.
ظل يؤمن أن حماية الأطفال لا تبدأ بعد وقوع الأذى، بل تبدأ بالإنصات إليهم، وتصديق كلماتهم مهما بدت بسيطة.
فكلمة واحدة مثل بابا... ضهري بيوجعني. كانت كفيلة بإنقاذ حياة كاملة، عندما وجد من يسمعها.
تمت فصل أخير بعد أعوام
مرت خمسة أعوام أخرى.
أصبحت ريم شابة هادئة، تعمل في أحد مراكز العلاج الطبيعي، وتحرص على معاملة الأطفال بلطف وصبر، وكأنها تعوضهم عن كل ما افتقدته في طفولتها.
وفي أحد الأيام، دخلت إلى العيادة طفلة صغيرة تشكو من آلام في ظهرها. لاحظت ريم أن الطفلة تتردد في الإجابة عن أسئلتها، وأنها تنظر إلى والدتها بخوف قبل أن تتحدث.
جلست ريم إلى جوارها وقالت برفق
متخافيش... أنا بس عايزة أعرف إيه اللي تعبك.
بعد لحظات من الصمت، همست الطفلة
أنا بشيل أخويا الصغير كل يوم... وماما بتكون مشغولة.
تجمدت ريم للحظة، فقد أعادتها الكلمات إلى سنوات بعيدة.
لكنها تماسكت، وأبلغت الطبيب المسؤول بما سمعته، ليتم التعامل مع الحالة وفق الإجراءات المتبعة، حفاظًا على سلامة الطفلة.
عندما عادت إلى منزلها مساءً، كان أحمد وعمر ينتظرانها على مائدة العشاء، كما اعتادوا منذ سنوات.
نظر إليها والدها مبتسمًا وسألها
يومك كان عامل إيه؟
ابتسمت وهي تجلس إلى جواره وقالت
النهارده حسيت إن كل اللي مرينا بيه ما راحش هدر.
رفع أحمد رأسه متسائلًا.
فقالت
يمكن ما قدرتش أغير الماضي... لكن قدرت أساعد طفل تاني قبل ما يعيش نفس الوجع.
ساد الصمت للحظة، ثم ابتسم أحمد وهو ينظر إلى ابنته بفخر.
أدرك أن الألم قد يترك أثرًا لا يزول، لكنه قد يصبح أيضًا سببًا في إنقاذ حياة الآخرين.
وهكذا انتهت الحكاية، لا لأن الماضي اختفى، بل لأن أصحابه تعلموا كيف يصنعون منه بداية جديدة، عنوانها الأمان والرحمة فصل جديد الرسالة التي غيّرت كل شيء
بعد أشهر من عمل ريم في مركز العلاج الطبيعي، وصل إلى المنزل ظرف بريدي يحمل اسمها.
تأملت الخط المكتوب على الغلاف، لكنها لم تتعرف إليه.
فتحت الظرف بحذر، فوجدت بداخله رسالة قصيرة
لا أعرف إن كنتِ ستتذكرينني، لكنني كنت معلمتك في الصف الثاني. كنت أرى الحزن في عينيك كل صباح، وكنت أشعر أن هناك شيئًا تخفينه. سامحيني لأنني لم أستطع الوصول إلى الحقيقة في ذلك الوقت.
جلست ريم صامتة للحظات، ثم طوت الرسالة بعناية.
لم تشعر بالغضب، بل بالحزن على كل طفل يطلب المساعدة بطريقة لا ينتبه إليها أحد.
في المساء، جلست مع والدها في شرفة المنزل.
ناولته الرسالة.
قرأها بهدوء، ثم قال
أحيانًا الناس بتلاحظ إن في مشكلة، لكنهم ما يعرفوش يتصرفوا. المهم إننا نتعلم من اللي حصل.
هزت ريم رأسها موافقة.
عشان كده نفسي أشارك في توعية الأهالي. يمكن كلمة واحدة تنقذ طفل.
ابتسم أحمد وقال
وأنا أول واحد هيدعمك.
وبالفعل، بدأت ريم بالمشاركة في لقاءات توعوية داخل المدارس والمراكز المجتمعية.
لم تكن تروي تفاصيل حياتها كاملة، لكنها كانت تؤكد دائمًا على رسالة واحدة
لو لاحظتوا تغيرًا مفاجئًا في طفل، أو خوفًا غير مبرر، أو شكوى متكررة من الألم، فلا تتجاهلوها. أحيانًا تكون هذه العلامات استغاثة صامتة.
بعد انتهاء إحدى الندوات، اقتربت منها أم تحمل طفلتها الصغيرة.
قالت بتأثر
كلامك خلاني أراجع نفسي. كنت فاكرة إن بنتي بتبالغ لما تشتكي من التعب، لكن النهارده فهمت إن لازم أسمعها قبل ما أحكم عليها.
ابتسمت ريم، وشعرت لأول مرة أن التجربة القاسية التي مرت بها تحولت إلى رسالة أمل، لا لها وحدها، بل لكل أسرة يمكن أن تتعلم أن الإصغاء للأطفال قد يغيّر حياتهم فصل جديد الوعد
بعد انتهاء الندوة، كانت ريم تجمع أوراقها استعدادًا للمغادرة، عندما اقترب منها طفل
تم نسخ الرابط