بابا... ضهري بيوجعني حكايات ميرااا

لمحة نيوز

بابا... ضهري بيوجعني
بابا... ضهري بيوجعني أوي... مش قادرة أشيل عمر تاني.
وصل صوت ريم، الطفلة ذات السبع سنوات، متقطعًا عبر الهاتف، ثم انقطع فجأة بعد صوت ارتطام قوي، أعقبه بكاء الرضيع، وصوت ماء ينسكب على أرضية المنزل.
انتفض أحمد من مكانه وهو يصرخ
ريم... ريم! فين ندى؟ ردي عليّ يا حبيبتي!
لكن الخط انقطع.
كان أحمد يحضر دورة تدريبية خاصة بفرق الإنقاذ على بُعد نحو أربعين دقيقة من منزله. أمضى سنوات طويلة في الخدمة العسكرية، ثم عمل منسقًا لعمليات الإنقاذ، لذلك كان يميز جيدًا نبرة الخوف في أصوات الناس. إلا أن الرعب الذي شعر به هذه المرة كان مختلفًا، لأنه يتعلق بابنته.
غادر المكان مسرعًا، بينما كان كلبه الألماني رعد يرافقه في السيارة، وقد بدا مضطربًا على غير عادته.
طوال الطريق حاول الاتصال بزوجته ندى مرات متتالية، لكن هاتفها ظل مغلقًا.
عندما وصل، بدا المنزل هادئًا من الخارج. كانت الأنوار مضاءة، ودراجة ريم الصغيرة ما تزال بجوار الباب، إلا أن باب المنزل كان مواربًا.
اندفع رعد إلى الداخل، ولحق به أحمد.
في المطبخ، وجد ريم جالسة على الأرض المبتلة، تمسح البلاط بيد، بينما تحمل شقيقها الرضيع عمر باليد الأخرى. كانت شاحبة الوجه، وشفاهها جافة، وعلى كتفها كدمة واضحة.
رفعت رأسها بصعوبة وهمست
آسفة يا بابا... لسه مخلصتش. ندى قالت لو رجعت ولقت الأرض مش نضيفة... مش هناكل.
أسرع أحمد يحمل الرضيع من بين ذراعيها، ثم احتضن ابنته. شعر بحرارة جسدها المرتفعة، ولاحظ أنها بالكاد تستطيع الوقوف.
سألها برفق
من إمتى وإنتِ لوحدك مع عمر؟
أجابت وهي تحاول حبس دموعها
من الصبح... قالت إنها خارجة شوية، وبعدها بعتتلي أعمل المواعين، وأنضف البيت، وأغير لعمر... وقالت إني بقيت كبيرة.
نظر أحمد حوله. زجاجة اللبن منسكبة على الأرض، وأطباق مكسورة، وجردل ماء ثقيل، وحفاضات متراكمة في أركان المطبخ.
لم يكن ما يراه نتيجة فوضى عابرة، بل آثار إهمال استمر أيامًا.
وفي طريقهما إلى المستشفى، ظلت ريم تردد بصوت باكٍ
عمر وقع مني... ضهري وجعني ومقدرتش أشيله.
ضمها أحمد إليه وقال
إنتِ مش غلطانة يا ريم... إنتِ عملتي اللي تقدري عليه.
في المستشفى، أكد الطبيب إصابتها بجفاف وإجهاد شديدين، مع آلام في الظهر نتيجة حمل أوزان لا تناسب عمرها، بينما احتاج الرضيع إلى الرعاية بسبب نقص التغذية والجفاف.
قال الطبيب لأحمد بلهجة حازمة
اللي حصل للبنت مش مجرد إهمال عادي... دي حالة تستدعي التحقيق، لأن سلامة الطفلين كانت في خطر.
ظل أحمد إلى جوار سرير ابنته حتى هدأت أنفاسها. وبينما كان يتابع حالتها، تلقى إشعارًا من البنك يفيد بحدوث عملية سحب كبيرة من حسابه. وبعد دقائق، شاهد صورة نشرتها ندى على حسابها في مواقع التواصل، كانت تقضي وقتها في أحد المنتجعات، بينما كان طفلاه يصارعان الإهمال في المنزل.
عندها قرر أحمد مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة داخل المنزل، دون أن يتخيل أن ما سيراه سيكشف له حقيقة مؤلمة ظلت مخفية لأسابيع الفصل الثاني
فتح أحمد تسجيلات كاميرات المراقبة، وعاد بها إلى الأيام السابقة.
في البداية ظن أنه يبحث عن تفسير لما حدث في ذلك اليوم فقط، لكن ما ظهر أمامه كشف أن الأمر لم يكن حادثًا عابرًا.
في أحد المقاطع، ظهرت ندى وهي تضع الرضيع عمر في حضن ريم قبل أن تغادر المنزل، ثم قالت لها بلهجة صارمة
خدي بالك من أخوكي... وأنا هرجع بعدين.
ترددت ريم للحظة وقالت
بس عندي مدرسة.
أجابتها ندى بحدة
النهارده هتفضلي في البيت.
انتهى المقطع، ليبدأ آخر بعده بساعات.
كانت ريم تحاول إطعام أخيها، ثم تنظف المطبخ، وبعدها تغسل بعض الأطباق بصعوبة، بينما يبدو عليها الإرهاق الشديد.
وفي تسجيل آخر، جلست على الأرض وهي تضم عمر إلى صدرها، وتهمس له بصوت خافت
اصبر شوية... بابا هييجي.
أغلق أحمد الشاشة للحظات، ولم يعد قادرًا على متابعة التسجيلات.
شعر بثقل كبير يجثم على صدره، وأخذ يراجع في ذهنه الأيام التي كان يخرج فيها إلى عمله مطمئنًا، معتقدًا أن طفلته في المدرسة، بينما كانت تقضي ساعاتها في رعاية شقيقها والقيام بأعمال المنزل.
في صباح اليوم التالي، حضر أحد ضباط الشرطة إلى المستشفى بعد البلاغ الذي حرره الطبيب.
استمع إلى أقوال أحمد، ثم شاهد عددًا من تسجيلات الكاميرات، ودوّن ملاحظاته بعناية.
قال الضابط بعد انتهاء المشاهدة
يبدو أن هناك شبهة إهمال تستدعي التحقيق، وسنستمع إلى جميع الأطراف قبل اتخاذ أي إجراء.
في تلك الأثناء، بدأت حالة ريم تتحسن تدريجيًا.
وعندما فتحت عينيها، وجدت والدها جالسًا بجوارها.
ابتسمت ابتسامة خافتة وقالت
بابا... عمر كويس؟
ابتسم أحمد رغم ألمه، وأجاب
كويس يا حبيبتي... وهو مستنيكي تصحي.
تنفست ريم براحة، ثم أغمضت عينيها من جديد.
نظر إليها أحمد طويلًا، ووعد نفسه بأن يعرف كل ما حدث، وأن يضمن ألا تتحمل طفلته يومًا مسؤولية أكبر من عمرها مرة أخرى الفصل الثالث
في اليوم التالي، بدأ رجال الشرطة جمع المعلومات من كل من يمكن أن يساعد في كشف الحقيقة.
كانت أول محطة هي مدرسة ريم.
استقبلتهم مديرة المدرسة، ثم فتحت سجل الحضور أمامهم وقالت
ريم تغيبت أيامًا كثيرة خلال الأسابيع الماضية، وكنا نتواصل مع الأسرة باستمرار. في كل مرة كانت ندى تخبرنا أن الطفلة مريضة وتحتاج إلى الراحة.
وأضافت معلمة الفصل
آخر مرة حضرت فيها، كانت تشتكي من آلام شديدة في ظهرها، وسألتها إن كانت قد تعرضت لحادث، فقالت إنها كانت تحمل أخاها الصغير عندما سقط منها. حاولت أن أعرف تفاصيل أكثر، لكنها طلبت مني ألا أخبر والدها بشيء.
عاد الضابط إلى المستشفى وأبلغ أحمد بما توصلوا إليه.
ظل أحمد صامتًا لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوت خافت
كنت أظن أنني أوفر لهم حياة كريمة، ولم أدرك أن ابنتي كانت تخفي كل هذا الألم.
بعد يومين، بدأت حالة ريم الصحية تستقر، وأصبح بإمكانها الجلوس والتحدث لفترات قصيرة.
دخل أحمد غرفتها وهو يحمل دمية صغيرة على شكل أرنب.
ابتسمت عندما رأتها، ثم ضمتها إلى صدرها.
جلس بجوارها وسألها برفق
يا ريم... ليه ماقولتيليش اللي كان بيحصل؟
خفضت رأسها، ثم همست
كنت خايفة.
من إيه؟
كانت بتقول إنك لو عرفت إني مش بعرف أخلي عمر يبطل عياط، هتزعل مني... وممكن تسيبني.
شعر أحمد بغصة في حلقه، واحتضنها قائلًا
اسمعيني كويس... مفيش حاجة في الدنيا ممكن تخليني أسيبك. إنتِ بنتي، وهتفضلي أغلى حد عندي.
انفجرت ريم في البكاء، وكأنها كانت تحمل هذا الخوف وحدها طوال الأسابيع الماضية.
وفي الوقت نفسه، واصلت الشرطة تحقيقاتها، واستدعت ندى لسماع أقوالها.
في البداية أنكرت كل ما نُسب إليها، وادعت أن ريم كانت تساعدها أحيانًا في الأعمال المنزلية، لكن أقوالها لم تتفق مع ما ظهر في تسجيلات الكاميرات، ولا مع التقارير الطبية، ولا مع إفادات المدرسة.
وبعد استكمال التحقيق، أُحيلت القضية إلى النيابة، التي قررت استمرار الإجراءات القانونية لحين الفصل فيها.
أما أحمد، فلم يكن يفكر إلا في شيء واحد...
أن تستعيد ريم طفولتها التي سُلبت منها، وأن يشعر عمر بالأمان في بيت لم يعد يعرف سوى الخوف الفصل الرابع
بعد أيام قليلة، سمح الأطباء بخروج ريم وعمر من المستشفى.
وقبل مغادرتهما، أوصى الطبيب أحمد بأن تحتاج ريم إلى فترة من الراحة والعلاج الطبيعي حتى تتعافى

تم نسخ الرابط