كان واقف يتفرج حكايات ميراا

لمحة نيوز

العقود دي.
وأول ما عرفت إن الموضوع يخص مشروعك...
سجلت كل الاجتماعات.
ودي كل الأدلة.
ساد الصمت.
تناول الضابط الفلاشة فورًا.
وقال
لو الكلام ده صحيح... فإحنا هنقبض على الشبكة كلها.
نظر نادر إلى إيمان وقال
زمان كنت ممكن أشاركهم.
علشان مكسب.
النهارده... جيت أبلغ عنهم.
ابتسمت إيمان لأول مرة منذ فترة.
واضح إنك فعلًا بقيت شخص مختلف.
بعد أيام، أعلنت النيابة القبض على أفراد الشبكة، وكشفت التحقيقات أنهم كانوا يستهدفون مشروعات خيرية للاستيلاء على أراضيها بطرق غير قانونية.
استمر المشروع.
وافتُتحت المدرسة في موعدها.
وأثناء الافتتاح، وقفت إيمان أمام مئات الأطفال وقالت
المباني ممكن حد يحاول يهدمها...
لكن العلم، والصدق، والضمير... محدش يقدر يسرقهم.
صفق الجميع بحرارة.
وكان نادر يقف بعيدًا بين الحضور، دون أن يقترب أو يطلب الشكر.
اكتفى بابتسامة هادئة، ثم غادر قبل انتهاء الحفل.
راقبته إيمان وهو يبتعد.
وقالت للمستشار رشدي
بعض الناس ما يقدروش يغيروا الماضي...
لكن يقدروا يغيروا النهاية.
هز رشدي رأسه موافقًا، بينما ارتفعت أصوات الأطفال بالضحك داخل المدرسة الجديدة، لتبدأ حكايات نجاح جديدة، بعيدًا عن الألم الذي بدأ منه كل شيء مرّت سنتان...
وأصبح مشروع المدارس المجانية نموذجًا يُحتذى به في أكثر من محافظة.
وفي أحد الأيام، كانت إيمان تتفقد إحدى المدارس الجديدة عندما ركض إليها طفل صغير، لا يتجاوز العاشرة من عمره.
قال وهو يلهث
يا طنط إيمان... في راجل بره بيقول إنه لازم يشوفك.
خرجت إلى ساحة المدرسة.
كان الرجل يقف بجوار سيارة قديمة، يحمل حقيبة جلدية مهترئة.
عرفته فورًا.
نادر.
لكن ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
شعره بدأ يغزوه الشيب، ووجهه يحمل هدوءًا لم تعرفه فيه من قبل.
قال باحترام
آسف إني جيت من غير معاد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
خير؟
فتح الحقيبة وأخرج ملفًا سميكًا.
ده مشروع اشتغلت عليه سنة كاملة.
نظرت إليه باستغراب.
مشروع إيه؟
قال
برنامج لتعليم الشباب اللي خرجوا من المدارس وملاقوش شغل... مجانًا.
سكت لحظة ثم أكمل
مش جاي أطلب وظيفة... ولا فلوس.
أنا جاي أطلب فرصة أخدم بيها الناس.
فتحت إيمان الملف.
بدأت تقلب الصفحات.
كل شيء كان مدروسًا بعناية.
خطة تدريب.
ورش عمل.
شراكات مع مصانع.
وفرص توظيف حقيقية.
رفعت رأسها إليه.
أنت اللي عامل كل ده؟
هز رأسه.
يمكن دي أول حاجة أعملها من غير ما أفكر هتكسبني كام.
ابتسمت.
ثم أغلقت الملف وقالت
المشروع هيتنفذ.
اتسعت عيناه.
بجد؟
أيوه... لكن بشرط.
إيه هو؟
قالت
مفيش اسم نادر الكيلاني على أي مبنى.
ولا أي لافتة.
ولا أي إعلان.
ابتسم وقال
موافق.
سألته
عارف ليه؟
أجاب بهدوء
لأن الهدف الناس... مش الشهرة.
ابتسمت لأول مرة وهي تشعر أن الرجل الذي أمامها لم يعد هو الشخص الذي عرفته قبل سنوات.
صافحته وقالت
إذًا... أهلًا بيك كشريك في الخير.
لم تكن شراكة حب.
ولا عودة للماضي.
بل شراكة في صناعة مستقبل أفضل لآلاف الشباب.
وبينما كانا يسيران داخل المدرسة، ارتفع صوت الأطفال وهم يرددون النشيد الصباحي.
توقفت إيمان لحظة، ونظرت إلى السماء.
وهمست في نفسها
أحيانًا... لا تمنح الحياة الناس فرصة ليعودوا إلى من يحبون...
لكنها تمنحهم فرصة ليصبحوا أشخاصًا أفضل.
وكانت تلك... أعظم نهاية يمكن أن تتمناها لأي قصة بدأت بالألم مرّت عشرة أعوام أخرى...
وأصبح اسم مؤسسة الشاذلي للتعليم والتنمية معروفًا في أنحاء مصر.
آلاف الشباب حصلوا على وظائف.
ومئات المشروعات الصغيرة خرجت إلى النور.
وفي صباح أحد الأيام...
دخل المستشار رشدي إلى مكتب إيمان، لكنه لم يكن يحمل ملفات هذه المرة.
كان يحمل صحيفة.
ووضعها أمامها.
في الصفحة الأولى...
صورة لنادر.
لكن الخبر لم يكن عن شركة جديدة.
ولا عن صفقة.
كان العنوان يقول
رجل الأعمال السابق نادر الكيلاني يتبرع بكل ما يملك لإنشاء صندوق لدعم أصحاب المشروعات المتعثرة.
ابتسمت إيمان في هدوء.
وقالت
أخيرًا فهم معنى الثروة.
بعد أيام...
دُعي الاثنان إلى احتفال كبير كرّمت فيه الدولة عددًا من الشخصيات التي كان لها أثر في التنمية والتعليم.
دخلت إيمان القاعة وسط تصفيق الحضور.
وبعد دقائق...
دخل نادر.
كانت هذه أول مرة يقفان في مكان واحد منذ سنوات.
لكن هذه المرة...
لم يكن بينهما خصومة.
ولا حزن.
ولا حتى ذكريات تؤلم.
كان بينهما فقط...
احترام.
وبعد انتهاء الحفل، اقترب صحفي شاب منهما وقال
لو سمحتوا... سؤال واحد.
نظر الاثنان إليه.
قال
الناس كلها بتسأل...
لو رجع الزمن، هل كنتم هتختاروا نفس الطريق؟
نظر نادر إلى إيمان، ثم أجاب قبلها
لا.
لو رجع الزمن، كنت هختار إني أحافظ على الإنسانة اللي وقفت جنبي.
ثم ابتسم وأضاف
لكن بما إن الزمن ما بيرجعش...
يبقى أقل واجب إني أساعد غيري ما يكررش نفس غلطتي.
التفت الصحفي إلى إيمان.
فقالت بهدوء
وأنا لو رجع الزمن...
هختار نفسي من البداية.
لأن الإنسان لما يعرف قيمته...
مش هيقبل أبدًا يعيش في مكان يقلل منه.
صفق الحاضرون بحرارة.
وفي نهاية الحفل...
غادر كل واحد منهما في سيارته.
لكن هذه المرة...
لم يكن أحدهما ينظر إلى الآخر بحسرة.
كان كلٌ منهما قد وجد طريقه.
واكتشف أن السعادة لا تأتي من استرجاع الماضي...
بل من حسن استخدام ما تبقى من العمر.
النهاية الحقيقية بعد عام...
ظن الجميع أن الحكاية انتهت.
لكن الحياة كانت تخبئ فصلًا أخيرًا لم يتوقعه أحد.
في مساء هادئ، تلقّت إيمان رسالة من المستشار رشدي.
في شخص مستني حضرتك في مقر المؤسسة... ورفض يمشي قبل ما يقابلك.
وصلت بعد دقائق.
دخلت قاعة الاستقبال.
فوجدت رجلًا في السبعين من عمره، يجلس على كرسي متحرك، وبجواره شاب في الثلاثينيات.
وقف الشاب فور أن رآها.
وقال
حضرتك الأستاذة إيمان الشاذلي؟
أيوه.
أشار إلى الرجل المسن.
ده والدي... وكان شريك والد حضرتك من أكتر من تلاتين سنة.
اتسعت عينا إيمان.
اقتربت من الرجل.
ابتسم بصعوبة وقال
أخيرًا شوفتك.
جلسَت أمامه.
اتفضل... أنا سامعة حضرتك.
أخرج الرجل ظرفًا قديمًا، اصفرّ لونه من الزمن.
وقال
والدك سلّمني الظرف ده قبل وفاته.
وقالي... ما تسلمهوش لإيمان إلا بعد ما تتأكد إنها بقت أقوى من إنها تحتاج حمايتي.
شعرت إيمان بقشعريرة.
فتحت الظرف ببطء.
كان بداخله خطاب بخط يد والدها.
بدأت تقرأ، وامتلأت عيناها بالدموع.
بنتي إيمان...
لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
يمكن تزعلي إني خليتك تعيشي سنين من غير اسم العيلة يحميكي، لكني كنت عايز أعرف إن القوة اللي جواكي حقيقية، مش مستعارة من اسمنا أو ثروتنا.
لو قدرتي تقفي بعد السقوط، وتسامحي من غير ضعف، وتنجحي من غير غرور... يبقى حققتي اللي كنت بحلم بيه ليكي.
توقفت عن القراءة.
وانهمرت دموعها لأول مرة منذ سنوات.
أكملت بصوت مرتجف
الثروة ممكن تضيع... لكن الأخلاق عمرها ما بتفلس.
أغلقت الرسالة وضمّتها إلى صدرها.
همس الرجل المسن
والدك كان فخور بيكي... حتى قبل ما يرحل.
ساد صمت طويل.
ثم نهضت إيمان، وشكرت الرجل وابنه.
وقبل أن يغادرا، سألتها الشاب
بعد كل اللي مريتي بيه... لو عندك نصيحة واحدة للناس، هتقولي إيه؟
ابتسمت وهي تنظر إلى رسالة والدها.
وقالت
اختاروا اللي يقدّركم قبل اللي يبهرُكم...
وابنوا نفسكم، لأن اللي يعرف قيمة نفسه، محدش يقدر يسلبها منه.
خرج الرجل وابنه.
وبقيت إيمان وحدها في المكتب.
فتحت النافذة.
كان المطر يهطل بهدوء...
تمامًا كما كان يهطل في اليوم الذي خرجت فيه من المحكمة قبل سنوات.
لكن الفرق كبير.
يومها خرجت وهي تترك خلفها حياة كاملة.
أما اليوم...
فكانت تنظر إلى المطر بابتسامة، لأنها أدركت أن أصعب النهايات قد تكون بداية أجمل حياة.
تمت بعد أشهر...
تلقت مؤسسة الشاذلي دعوة للمشاركة في مؤتمر عالمي عن ريادة الأعمال والعمل الخيري في سويسرا.
لم تكن إيمان تهتم كثيرًا بالسفر أو الظهور الإعلامي، لكنها وافقت لأن المؤتمر سيجمع مؤسسات من أكثر من خمسين دولة.
وفي اليوم الأخير من المؤتمر...
أعلن المنظمون عن مفاجأة.
قال مقدم الحفل
هذا العام، قررت اللجنة منح جائزة صانع الأثر لشخصين أثبتا أن النجاح الحقيقي ليس في جمع المال... بل في تغيير حياة الناس.
تبادل الحضور النظرات.
ثم ظهر الاسمان على الشاشة.
إيمان الشاذلي...
وبعدها مباشرة...
نادر الكيلاني.
ساد الهمس في القاعة.
لم يكن أحد يتوقع أن يقفا على المسرح نفسه مرة أخرى.
صعدت إيمان أولًا.
ثم صعد نادر بعدها بثوانٍ.
وقف كل منهما على جانب من المنصة.
سلّمهما رئيس اللجنة الجائزة.
ثم قال مبتسمًا
سمعنا قصتكما.
كانت بداية مليئة بالخسارة...
لكن النهاية أصبحت درسًا للعالم.
صفق الحاضرون طويلًا.
ثم طلب المنظمون من كل واحد أن يقول كلمة قصيرة.
أمسكت إيمان بالميكروفون وقالت
كنت أعتقد يومًا أن أصعب شيء هو أن تخسر شخصًا تحبه.
ثم اكتشفت أن الأصعب هو أن تخسر نفسك وأنت تحاول إرضاء الآخرين.
لذلك... لا تتنازلوا عن كرامتكم مهما كان الثمن.
ثم سلمت الميكروفون إلى نادر.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال
وأنا تعلمت أن الاعتذار لا يغيّر الماضي...
لكنه قد يغيّر الإنسان.
ولو كانت قصتي هتمنع شخصًا واحدًا من ظلم شريك حياته...
يبقى كل اللي حصل كان له معنى.
وقف الجميع يصفق.
ولأول مرة...
لم يكن التصفيق لثروتهما...
بل لما أصبحا عليه.
بعد انتهاء الحفل...
كان الثلج يتساقط خارج الفندق.
وقفت إيمان تنظر من الشرفة.
اقترب منها نادر.
لكنه توقف على مسافة محترمة.
قال
دي آخر مرة غالبًا نجتمع في مكان واحد.
ابتسمت.
يمكن.
قال وهو ينظر إلى السماء
تعرفي...
كل ما أشوف المطر أو الثلج، أفتكر اليوم اللي خرجتي فيه من المحكمة.
قالت بهدوء
وأنا كمان...
بس الفرق إن الذكرى دي مبقتش بتوجعني.
ابتسم.
وأنا بقت تخليني أراجع نفسي كل يوم.
مد يده.
لكن هذه المرة لم يكن للمصافحة.
بل أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا.
قال
ده مفتاح أول مكتب بدأت فيه من الصفر بعد ما خسرت كل حاجة.
أنا محتفظ بيه من سنين.
وهتبرع بالمكتب ده لمؤسسة تساعد الشباب.
ابتسمت إيمان وقالت
دلوقتي... أقدر أقول إنك فهمت فعلًا.
ألقى نادر المفتاح في صندوق التبرعات الموجود عند مدخل القاعة.
ثم التفت إليها.
مع السلامة يا إيمان.
ابتسمت ابتسامة هادئة.
مع السلامة يا نادر.
غادر كل منهما في اتجاه مختلف.
لكن هذه المرة...
لم يكن بينهما ندم...
ولا انتظار...
بل سلام.
وكان ذلك، في النهاية، أغلى من كل الإمبراطوريات التي امتلكاها يومًا بعد خمس سنوات...
تحولت مؤسسة الشاذلي إلى واحدة من أكبر المؤسسات التنموية في الشرق الأوسط.
وفي صباح يوم الاحتفال بمرور خمسين عامًا على تأسيس المجموعة...
امتلأت القاعة بالوزراء ورجال الأعمال والشباب الذين بدأت أحلامهم من خلال منح المؤسسة.
وقبل أن تبدأ إيمان كلمتها...
اقترب منها المستشار رشدي وقال
في مفاجأة.
ابتسمت.
كل مرة تقول كده ألاقي وراها شغل.
ضحك.
المرة دي مختلفة.
فتح باب جانبي.
ودخل أكثر من مائتي شاب وفتاة.
وقفوا جميعًا وصفقوا لها.
لم تفهم.
ثم تقدمت فتاة في العشرين من عمرها وقالت
أنا أول بنت في عيلتي دخلت الجامعة بسبب منحتك.
وتقدم شاب آخر.
وأنا كنت هسيب التعليم... لولا مركز التدريب اللي حضرتك فتحتيه.
ثم جاءت أم تحمل طفلها.
ابني اتعالج في مستشفى الأمل من غير ما أدفع جنيه.
وبدأ شخص بعد الآخر يحكي قصته.
لم تستطع إيمان أن تمنع دموعها.
همس لها رشدي
شايفة؟
دي الإمبراطورية الحقيقية.
مش الأبراج...
ولا الحسابات البنكية.
دي الناس.
وفي آخر القاعة...
كان يجلس رجل هادئ، يرتدي بدلة بسيطة.
لم يقترب.
ولم يحاول لفت الانتباه.
كان نادر.
وقف قبل نهاية الحفل بدقائق.
ووضع صندوقًا صغيرًا عند مكتب الاستقبال.
ثم غادر.
بعد انتهاء الحفل...
سألت إيمان الموظفة
مين اللي ساب الصندوق ده؟
قالت
راجل رفض يقول اسمه.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله ساعة يد قديمة.
عرفتها فورًا.
كانت أول ساعة اشترتها لنادر من أول
تم نسخ الرابط