كان واقف يتفرج حكايات ميراا
كان واقف يتفرج على مراته السابقة وهي بتمشي تحت المطر... لحد ما هبطت طيارة خاصة لملياردير وكشفت الإمبراطورية اللي كانت مخبياها طول السنين
ابتسم نادر الكيلاني وهو يشاهد طليقته تخرج من مبنى المحكمة، لا تحمل سوى معطف مبلل، وظرفًا ورقيًا، وصمتًا من النوع الذي يظنه رجال مثله هزيمة.
كان المطر يهطل بغزارة فوق القاهرة في ذلك المساء، يحول درجات المحكمة إلى سطح لامع وزلق. وقف الصحفيون تحت المظلات في انتظار تصريح من الرجل الذي لا تزال الصحف تصفه بأنه أحد أذكى رجال الاستثمار الخاص في مصر.
كان نادر يعشق هذه الكلمة... العبقري.
خمسة عشر عامًا قضاها وهو يصنع هذه الصورة لنفسه.
بجواره، وقفت يارا عزت، المرأة التي ارتبط بها بعد انهيار زواجه، وأحاطت ذراعه بيدها الأنيقة وهمست وهي تبتسم للكاميرات
يعني وقّعت فعلًا؟
ابتسم بثقة وقال
وقّعت على كل صفحة.
على الجانب الآخر من الساحة، وقفت إيمان الشاذلي وحدها.
لا محامٍ بجانبها.
لا أهل.
لا أصدقاء.
فقط هي... بشعرها البني المرفوع في كعكة بسيطة، ووجهها الشاحب تحت سماء رمادية.
عاشت مع نادر عشر سنوات كاملة، وفي آخر ساعة من زواجهما فعلت تمامًا ما توقعه منها.
جلست تستمع لمحامي نادر وهو يقرأ بنود الطلاق بندًا بندًا...
ثم وقّعت.
لا دموع.
لا صراخ.
لا توسلات.
وهذا ما أزعجه أكثر.
كان يتمنى أن يراها تنهار.
أن ترتجف يدها.
أن تبكي عندما تكتشف أنه لم يترك لها شيئًا.
الفيلا أصبحت باسم شركة.
الحسابات نُقلت.
الأسهم محمية.
السيارات والتحف والاستثمارات وكل ما يملكه أصبح خلف عقود معقدة لا يستطيع أحد الاقتراب منها.
أما هي...
فحصلت على مبلغ بسيط، وسكن مؤقت، وبند يقول بوضوح
لم يكن للسيدة إيمان أي مساهمة جوهرية في تأسيس أو نجاح مجموعة الكيلاني للاستثمار.
راقبها وهي تقرأ هذه الجملة.
وللحظة...
ظهر على وجهها شيء غريب.
لم يكن غضبًا.
ولا انكسارًا.
بل حزنًا عليه هو.
ثم وقّعت.
والآن، وهو يقف أعلى درجات المحكمة، راقبها وهي تغادر.
صرخ أحد الصحفيين
أستاذ نادر... هل عندك تعليق على الطلاق؟
عدل أزرار بدلته وقال بابتسامته المعتادة
أنا وطليقتي توصلنا لاتفاق محترم، وأتمنى لها كل التوفيق في حياتها الجديدة.
ضغطت يارا على ذراعه وهي تحاول إخفاء ابتسامتها.
حتى بعض الواقفين عند باب المحكمة أطلقوا ضحكات خافتة.
ضحكات صغيرة...
لكنها كانت كافية ليشعر نادر بطعم الانتصار.
لقد انتصر.
وبسهولة.
بدأت إيمان تنزل درجات المحكمة وسط المطر.
وقبل أن تغادر تمامًا...
توقفت.
استدارت ونظرت إليه.
كانت قطرات المطر تنساب على وجهها، بينما كانت عيناها هادئتين بشكل مخيف.
كان ينتظر أن يرى امرأة مكسورة.
لكنه رأى امرأة انتهى كل شيء بداخلها.
قالت بهدوء
مع السلامة يا نادر.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
ربنا يعينك... هتحتاجي الحظ.
ضحكت يارا مرة أخرى.
واستدارت إيمان ورحلت.
ولم تنظر خلفها ثانية.
وفي تلك اللحظة...
توقفت أول سيارة SUV سوداء أمامها.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
اختفت الضحكات تمامًا.
ترجل رجال يرتدون بدلات سوداء، يتحركون بهدوء وثقة معتادة.
فتح أحدهم مظلة فوق رأس إيمان.
وأخذ آخر الظرف من يدها بكل احترام.
بدأت ابتسامة نادر تتجمد.
وسألت يارا بقلق
دول مين؟
رد وهو يحدق في المشهد
معرفش...
وكانت تلك أول مرة يقولها بصدق.
بعدها نزل رجل مسن من السيارة الوسطى.
طويل القامة.
شعره فضي.
يرتدي معطفًا أسود فاخرًا.
وتوجه مباشرة نحو إيمان.
ثم...
انحنى لها باحترام.
احترام جعل حتى أفراد الأمن يحدقون في المشهد بدهشة.
وقال
آنسة إيمان الشاذلي... الطائرة جاهزة.
انتشر الاسم بين الصحفيين كشرارة كهرباء.
همس أحدهم
هو قال الشاذلي؟
أغمضت إيمان عينيها للحظة، وكأن الاسم يحمل فوق كتفيها سنوات طويلة من الأسرار.
ثم فتحتهما وقالت
شكرًا يا أستاذ رشدي.
ابتسم الرجل بحنان وقال
أهلًا بعودتك... يا آنسة.
نزل نادر درجة من السلم وهو يهتف
إيمان!
لكنها لم تجبه.
بل استدار الرجل إليه وقال بصوت بارد
أستاذ نادر الكيلاني.
ضحك نادر بتوتر
معلش... حضرتك مين؟
أجاب الرجل
أنا المستشار رشدي منصور... المستشار القانوني لعائلة الشاذلي.
ساد الصمت.
وتركت يارا ذراع نادر دون أن تشعر.
نظر نادر إلى إيمان، ثم إلى الرجل.
وقال مذهولًا
عائلة الشاذلي؟! مستحيل!
رفعت إيمان عينيها إليه.
طوال عشر سنوات...
كان يصفها بالساذجة.
الهادئة.
التي لا تفهم في البيزنس.
كان يخبر الجميع أنها مجرد موظفة بسيطة تعرف عليها بالصدفة.
وكان يسخر كلما حاولت مناقشة عقد أو استثمار.
أما الآن...
فوق درجات المحكمة...
وبين صف من السيارات الفاخرة...
نظرت إليه وكأنه شخص انتهى وجوده في حياتها.
وقالت
أنت عمرك ما سألت أنا مين قبل ما تتجوزني...
كنت بس بتسأل أنا هقدر أقدملك إيه بعد الجواز.
شعر نادر بأن حلقه جف.
وقال بغضب
إيه اللي بيحصل؟ دي مسرحية؟
تقدم المستشار رشدي خطوة وقال
لا يا أستاذ نادر...
دي تصحيح لحقيقة اتأخرت عشر سنين.
وقبل أن يرد...
دوّى صوت قوي في السماء.
رفع الجميع رؤوسهم.
لم يكن رعدًا.
بل طائرة خاصة ضخمة تهبط في المطار القريب.
وكان شعارها واضحًا على الذيل...
حرف S أبيض داخل دائرة زرقاء داكنة.
همست يارا وهي تنظر للطائرة بصدمة
يا نهار أبيض...
فتح رشدي باب السيارة لإيمان.
لكن نادر اندفع بسرعة وهو يهتف
استني يا إيمان!
توقفت، ووضعت يدها على باب السيارة.
وقال بصوت مرتبك لأول مرة
ممكن أفهم... إيه اللي بيحصل؟ وليه بينادوكي كأنك صاحبة إمبراطورية؟
عارفة إنكم متشوقين جدًا تعرفوا اللي هيحصل بعد كده... لو عايزين الجزء الجاي، اكتبوا في التعليقات متحمس.
كان واقف يتفرج على مراته السابقة وهي بتمشي تحت المطر... لحد ما هبطت طيارة خاصة لملياردير وكشفت الإمبراطورية اللي كانت مخبياها طول السنين
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل في أول تعليق
نظر إليه الجميع في صمت، بينما ظل صوت محركات الطائرة الخاصة يتردد في الخلفية.
وقفت إيمان لحظة، ثم التفتت إليه ببطء.
قالت بهدوء
لأني فعلًا صاحبة إمبراطورية... لكن مش الإمبراطورية اللي كنت بتحلم تسرقها.
تجمدت ملامح نادر.
ضحكت يارا باستهزاء وهي تحاول إخفاء ارتباكها.
إمبراطورية؟! إيمان؟!
لكن المستشار رشدي أخرج ملفًا جلديًا أسود، وسلمه إلى أحد الصحفيين الذي كان يقف قريبًا.
قال بثقة
خلال دقائق، هيصدر البيان الرسمي.
ازدادت همهمات الصحفيين.
فتح أحدهم هاتفه بسرعة، وما هي إلا لحظات حتى بدأ الجميع يتلقون إشعارًا عاجلًا.
مجموعة الشاذلي العالمية تعلن رسميًا عودة رئيسة مجلس إدارتها، السيدة إيمان الشاذلي، بعد غياب دام عشرة أعوام.
شهق أحد المصورين.
وقال آخر
مستحيل... دي مجموعة الشاذلي اللي عندها استثمارات في أوروبا والخليج؟
أومأ رشدي.
نعم... هي نفسها.
نظر نادر إلى الشاشة غير مصدق.
ثم إلى إيمان.
ثم عاد إلى هاتفه مرة أخرى.
كان الاسم أمامه واضحًا.
والصورة أيضًا.
إيمان... بنفس الابتسامة الهادئة... لكن في مؤتمر اقتصادي عالمي قبل سنوات، تقف بجوار رؤساء شركات ومسؤولين كبار.
همس لنفسه
أنا... إزاي ما شوفتش الصور دي؟
ابتسمت إيمان بحزن.
لأنك عمرك ما حاولت تشوفني.
كنت مشغول تشوف اللي تقدر تاخده مني... مش أنا.
ابتلع ريقه بصعوبة.
يعني... كنتِ عارفة كل ده وساكتة؟
أجابت
بابا طلب مني قبل ما يتوفى إني أعيش حياة طبيعية بعيد عن اسم العيلة.
وقال لي... اللي هيحبك لشخصك هيستحق يعرف حقيقتك.
سكتت لحظة.
ثم أكملت
وأنا صدقته.
نظر إليها بعينين واسعتين.
وإمتى عرفتي حقيقتي؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة مؤلمة.
من أول سنة جواز.
ساد الصمت.
حتى المطر بدا وكأنه خف قليلًا.
قالت
لما بدأت تطلب أسجل بعض الأسهم باسمك... وتقنعني أبيع الأرض اللي ورثتها من أمي... ولما كنت كل يوم تكرر إن الست ملهاش في البيزنس.
خفض نادر رأسه.
كانت كل كلمة تصيبه كصفعة.
أكملت
كنت كل مرة أقول لنفسي يمكن يتغير.
يمكن الضغوط هي السبب.
يمكن النجاح هيخليه أهدى.
لكن مع كل سنة... كنت بتخسر إنسانيتك أكتر.
اقتربت يارا وهي تصرخ
يعني إيه؟! إنت كنت متجوز مليارديرة وسايبها؟!
لم يجبها.
لأنه لأول مرة... لم يكن يملك أي إجابة.
في تلك اللحظة، رن هاتف نادر.
نظر إلى الشاشة.
المدير المالي للشركة.
رد بسرعة.
لكن وجهه شحب بعد ثوانٍ.
إيه؟!
كان الصوت يصرخ من الطرف الآخر
يا فندم... البنوك جمدت التسهيلات الائتمانية.
وفيه مستثمرين انسحبوا.
وسهم الشركة بينهار.
نظر نادر إلى إيمان بذهول.
قال
إنتِ عملتي كده؟
هزت رأسها بالنفي.
لا.
أنا ما انتقمتش منك.
لكن المستثمرين لما عرفوا إنك أخفيت معلومات جوهرية عن مجلس الإدارة وعن شريك مؤسس حقيقي... هم اللي قرروا ينسحبوا.
ثم أخرج المستشار رشدي مستندًا آخر.
بالمناسبة...
فيه حاجة حضرتك نسيتها.
تناوله نادر بيد مرتجفة.
كان عقدًا قديمًا.
بتوقيعه.
قرأ أول سطر...
إقرار باستلام جميع الدراسات وخطط التوسع المقدمة من السيدة إيمان الشاذلي.
رفع رأسه بصدمة.
همست إيمان
فاكر الليلة اللي قلتلي فيها إن أفكاري ملهاش قيمة؟
أنا احتفظت بكل حاجة.
كل دراسة.
كل تصميم.
كل خطة توسع.
وكلها كانت بتوقيعك إنك استلمتها.
بهت وجه نادر تمامًا.
أدرك فجأة أن جزءًا كبيرًا من نجاح شركته لم يكن من صنعه وحده كما كان يدّعي.
بل كان قائمًا على أفكار المرأة التي ظل يقلل من شأنها سنوات.
نظر إليها بعينين دامعتين لأول مرة.
سامحيني...
ابتسمت ابتسامة هادئة.
لكنها لم تحمل أي أمل.
المسامحة لله يا نادر...
أما الثقة...
فدي ماتت من زمان.
أغلقت باب السيارة بنفسها.
وانطلقت القافلة بهدوء نحو المطار.
وقف نادر تحت المطر، لا يسمع سوى أصوات الكاميرات التي كانت قبل دقائق تلاحقه هو... وأصبحت الآن كلها موجهة نحو المرأة التي ظن يومًا أنها لا تساوي شيئًا.
وفي تلك اللحظة فقط...
فهم أن أغلى ما خسره في حياته لم يكن ثروة... ولا شركة...
بل الإنسان الوحيد الذي آمن به قبل أن يعرف العالم اسمه اختفت سيارات إيمان خلف بوابة المطار الخاصة، بينما بقي نادر واقفًا في المطر، كأن قدميه التصقتا بالأرض.
لم يتحرك.
ولم ينطق بكلمة.
أما الصحفيون، فتركوه واحدًا تلو الآخر.
لم يعد أحد يسأله عن الطلاق.
كل الأسئلة أصبحت تدور حول اسم واحد فقط...
إيمان الشاذلي.
في اليوم التالي...
استيقظت القاهرة على خبر تصدر جميع المواقع الاقتصادية
عودة وريثة مجموعة الشاذلي العالمية بعد غياب عشر سنوات.
وفي أقل من ساعة، بدأت القنوات تعرض صورًا قديمة لمؤتمرات اقتصادية حضرتها إيمان قبل زواجها.
لم تكن موظفة بسيطة كما ادعى نادر.
بل كانت أصغر عضو في مجلس إدارة المجموعة وهي في الخامسة والعشرين.
ثم اختفت فجأة...
بعد إعلان زواجها.
بدأ الناس يربطون الأحداث.
وظهرت عشرات المقالات التي تتساءل
هل تخلت وريثة المليارات عن إمبراطوريتها من أجل الحب؟
ومن هو الرجل الذي خسر كل هذا؟
وكان اسم نادر يتكرر في كل تقرير.
داخل مكتبه...
جلس نادر أمام الشاشة، يشاهد الأخبار في ذهول.
رن هاتفه.
أحد المستثمرين الكبار.
رد بسرعة.
لكن الرجل لم يمنحه فرصة للكلام.
احنا بننهي شراكتنا معاكم من النهارده.
وأغلق الخط.
بعده بدقيقة...
اتصال آخر.
ثم ثالث.
ثم رابع.
وفي أقل من ساعتين...
خسر ثلاثًا من أكبر صفقاته.
دخل المدير المالي مسرعًا.
وجهه شاحب.
يا فندم... لازم نتصرف.
إيه اللي حصل؟
البنوك طالبة مراجعة كل التسهيلات.
وفي شركات طالبة مستحقاتها فورًا.
ولو الوضع كمل كده...
إحنا ممكن نعلن التعثر خلال شهر.
شعر نادر أن الغرفة تدور به.
جلس على كرسيه بصمت.
ولأول مرة منذ سنوات...
شعر بالخوف.
في الوقت نفسه...
كانت إيمان تقف أمام المبنى الرئيسي لمجموعة الشاذلي.
مبنى زجاجي شاهق يطل على النيل.
اصطف مئات الموظفين في المدخل.
وما إن