اختفت سبّاحة أولمبية شابة
المحتويات
بالبكاء.
ساد الصمت في المكان.
لكن خبير الأدلة قطع الصمت قائلًا
هناك شيء آخر.
كان داخل الحقيبة جهاز تحديد مواقع صغير، بطاريته نفدت منذ سنوات.
أرسله الفريق إلى المختبر.
وبعد يومين، تمكن المختبر من استخراج آخر إحداثيات سُجلت عليه قبل أن يتوقف.
ظهرت النقطة على الخريطة...
لكنها لم تكن في البحر.
كانت في منطقة جبلية تبعد نحو 70 كيلومترًا عن الساحل، حيث توجد أكواخ قديمة كانت تُستخدم قديمًا من قبل حراس الغابات.
قال مورغان
إذا وصلت ميا إلى هناك، فمن المحتمل أنها كانت تبحث عن المساعدة.
تحركت قوة من الشرطة مع جاك إلى الموقع.
وصلوا بعد ساعات.
كان الكوخ مهجورًا، وأبوابه متهالكة.
دخلوا بحذر.
وجدوا آثار معيشة قديمة موقدًا صدئًا، وبطانيات، وعلب طعام فارغة مرّ عليها زمن طويل.
ثم صاح أحد الضباط من الغرفة الخلفية
سيدي... وجدنا شيئًا.
على الحائط، كانت هناك علامة رُسمت بالفحم.
دلفين أزرق صغير...
نفس الرمز الذي كانت ميا تضعه على كاميرتها ومعداتها.
نظر جاك إلى الرمز، ثم أغلق عينيه للحظة.
همس
لقد وصلت إلى هنا...
لكن لم يكن هناك أي أثر يدل على ما حدث بعد ذلك.
وبينما كان الفريق يواصل التفتيش، سُمع صوت محرك سيارة يقترب من الكوخ.
توقفت سيارة قديمة عند الباب.
ونزلت منها امرأة مسنة.
ما إن رأت صورة ميا في يد أحد الضباط حتى شحب وجهها.
وقالت بصوت مرتجف
هذه الفتاة... عاشت عندي ثلاثة أيام قبل سنوات.
وانقلبت القضية مرة أخرى رأسًا على عقب تبادل جاك والمحقق مورغان النظرات، ثم اقترب جاك من السيدة العجوز بسرعة.
قال وهو يحاول السيطرة على ارتجاف صوته
هل أنتِ متأكدة؟
أومأت برأسها ببطء.
لن أنسى وجهها أبدًا.
أدخلها المحقق إلى الكوخ، وأحضر لها كوبًا من الماء.
قال بهدوء
احكي لنا كل شيء... من البداية.
تنهدت السيدة وقالت
كان ذلك بعد عاصفة قوية. كنت أعيش وحدي هنا. في الصباح، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
وعندما فتحته...
توقفت لحظة.
وجدت فتاة مرهقة، حافية القدمين، وملابسها ممزقة، وكانت تعاني من جروح في ذراعيها.
أخرج جاك صورة لميا التُقطت قبل اختفائها.
سألها
هل كانت هي؟
حدقت في الصورة طويلًا، ثم قالت بثقة
نعم... هي نفسها.
شعر جاك بأن قلبه يكاد يقفز من صدره.
تابعت السيدة
كانت خائفة جدًا. كانت تنظر من النافذة كل بضع دقائق، وكأن أحدًا يطاردها.
هل أخبرتك بما حدث؟
قالت
قالت فقط إذا سأل أحد عني، فقولي إنك لم تريني.
ساد الصمت.
ثم أضافت
اعتنيت بها ثلاثة أيام. أطعمتها، ونظفت جروحها.
سأل مورغان
ثم ماذا حدث؟
أجابت
في صباح اليوم الرابع، استيقظت فلم أجدها.
هل تركت شيئًا؟
ابتسمت السيدة ابتسامة حزينة.
نعم.
اتجهت إلى خزانة قديمة، وأخرجت علبة معدنية صغيرة.
ناولتها لجاك.
فتحها ببطء.
في الداخل، وجد سوارًا مطاطيًا يحمل اسم Mia، ومعه ورقة صغيرة.
كانت الورقة قديمة ومصفرّة، لكن الكتابة ما زالت واضحة
شكرًا لأنك أنقذتِ حياتي. لا أستطيع البقاء، لأنهم سيعودون. إذا بقيت حية، سأجد طريقًا للعودة إلى أبي.
أغلق جاك عينيه وهو يضم الورقة إلى صدره.
قال مورغان
هل أخبرتك إلى أين كانت ستذهب؟
هزت السيدة رأسها.
قالت إنها سمعت عن محطة حافلات على الطريق السريع، وإنها ستحاول الوصول إلى المدينة.
في تلك اللحظة، دخل أحد الضباط وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
قال
راجعنا تسجيلات الأشخاص المفقودين في تلك الفترة.
ولم نجد أي فتاة مجهولة بالمواصفات نفسها.
سأل جاك بقلق
إذن أين اختفت؟
رد الضابط
لكن وجدنا شيئًا آخر...
عرض صورة قديمة التقطتها كاميرا مراقبة في محطة وقود تبعد عشرين كيلومترًا عن الكوخ.
كانت الصورة ضبابية...
لكنها أظهرت فتاة تشبه ميا وهي تستقل شاحنة نقل متجهة إلى مدينة أخرى.
نظر جاك إلى الصورة، واغرورقت عيناه بالدموع.
لأول مرة منذ أربع سنوات، لم تعد رحلة البحث تعتمد على التخمين.
أصبح لديهم خيط جديد... قد يقودهم إلى آخر شخص رأى ميا حية انطلقت الشرطة فورًا إلى شركة النقل التي كانت تملك الشاحنة.
وبعد البحث في السجلات القديمة، عثروا على اسم السائق.
لكن عندما وصلوا إلى عنوانه، أخبرتهم زوجته أنه تقاعد منذ سنوات ويعيش في مزرعة صغيرة خارج المدينة.
توجه جاك والمحقق مورغان إلى هناك.
كان الرجل، ويدعى سامويل، يجلس على شرفته عندما شاهد سيارات الشرطة تتوقف أمام منزله.
قال مورغان بعد أن عرّف بنفسه
نحقق في قضية قديمة. نريد أن نسألك عن فتاة ربما أقللتها قبل أربع سنوات.
أخرج جاك صورة ميا.
حدق سامويل فيها طويلًا، ثم تغيرت ملامحه.
قال بهدوء
أذكرها...
حبس جاك أنفاسه.
كانت مرهقة وخائفة. أوقفتني عند محطة الوقود، وطلبت أن أوصلها إلى أقرب مدينة.
سأله مورغان
هل فعلت؟
هز رأسه.
نعم... لكنها طلبت مني ألا أتوقف في الأماكن المزدحمة، وكانت تنظر خلفها طوال الطريق.
هل أخبرتك باسمها؟
قالت إن اسمها ميا.
اغرورقت عينا جاك بالدموع.
تابع سامويل
عندما وصلنا إلى أطراف المدينة، طلبت النزول أمام كنيسة قديمة.
سأل مورغان
وماذا حدث بعد ذلك؟
تنهد الرجل وقال
قبل أن تنزل، أعطتني هذه.
دخل إلى منزله، ثم عاد بعد دقيقة يحمل محفظة جلدية قديمة.
فتحها أمامهم.
في داخلها كانت ميدالية فضية صغيرة على شكل دلفين، وصورة لجاك مع ميا، وقد كُتب على ظهرها
إذا عاد أبي يبحث عني يومًا... أخبروه أنني لم أفقد الأمل.
لم يتمالك جاك نفسه، وجلس على أقرب مقعد وهو يبكي.
قال سامويل
أردت أن أبلغ الشرطة وقتها، لكن في اليوم التالي سمعت في الأخبار أنها غرقت، فظننت أنني كنت مخطئًا.
نظر إليه مورغان وقال
أنت لم تكن مخطئًا... وشهادتك قد تغيّر القضية بالكامل.
ثم سأل
هل رأيت أحدًا يتبعها؟
فكر سامويل قليلًا، ثم قال
نعم... كانت هناك سيارة سوداء توقفت بعيدًا بعد نزولها، لكنني لم أنتبه لها وقتها.
نظر مورغان إلى جاك وقال
إذن يبدو أن من كانوا يطاردونها عثروا عليها مرة أخرى...
وساد الصمت، بينما أدرك الجميع أن رحلة ميا لم تنتهِ عند البحر، ولا عند الكوخ، بل امتدت إلى المدينة... حيث ينتظرهم فصل جديد من الحقيقة توجه فريق التحقيق إلى الكنيسة القديمة التي ذكرها سامويل.
كانت لا تزال قائمة، وإن بدت مهجورة أكثر مما كانت عليه قبل سنوات.
استقبلهم القس المسن الذي كان يخدم فيها منذ أكثر من عشرين عامًا.
أخرج المحقق مورغان صورة ميا وسأله
هل تتذكر هذه الفتاة؟
تأملها القس طويلًا، ثم قال
نعم... جاءت إلى هنا في صباح ممطر.
شعر جاك بأن قلبه يكاد يتوقف.
هل كانت بخير؟
هز القس رأسه.
كانت مرهقة وخائفة، لكنها كانت مصممة على ألا تعود إلى البحر.
قال جاك بسرعة
أين ذهبت بعد ذلك؟
تنهد القس.
طلبت مني استخدام الهاتف، وقالت إنها تريد الاتصال بوالدها.
شهق جاك.
اتصلت بي؟
أجاب القس
حاولت... لكنها أغلقت الخط قبل أن يكتمل الاتصال.
لماذا؟
لأنها رأت من النافذة سيارة سوداء توقفت أمام الكنيسة.
ساد الصمت.
ثم أكمل القس
خرجت من الباب الخلفي، ولم أرها بعد ذلك.
في تلك اللحظة، دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يحمل تقريرًا جديدًا.
قال
راجعنا سجلات الاتصالات القديمة.
وجدنا بالفعل محاولة اتصال بهاتف جاك من هاتف الكنيسة في اليوم نفسه.
ارتجفت يدا جاك.
كانت ميا على بعد ثوانٍ فقط من أن تخبره أنها ما زالت حية.
لكن الخوف منعها.
قال مورغان
السيارة السوداء... يجب أن نعرف لمن كانت.
وبعد مراجعة السجلات القديمة وكاميرات الطرق التي احتُفظ ببعضها، توصل الفريق إلى أن السيارة كانت مستأجرة باسم شخص استخدم هوية مزورة.
لكن أثناء التدقيق في بيانات الدفع، ظهرت معلومة مهمة.
بطاقة الائتمان المستخدمة لاستئجار السيارة كانت مرتبطة بأحد شركاء دانيال روس في شبكة التهريب.
ابتسم مورغان لأول مرة منذ بدء التحقيق.
الآن أصبح لدينا خيط يقود إلى بقية أفراد العصابة.
أما جاك، فكان ينظر إلى هاتفه القديم الذي احتفظ به طوال تلك السنوات.
همس لنفسه
كنتِ على بعد رنة واحدة فقط يا ميا...
ثم أغلق الهاتف ببطء، وقد تحول حزنه إلى تصميم.
إذا
كانت ابنته قد نجت من البحر، ومن خاطفيها، ووصلت إلى المدينة...
فلا بد أن هناك شخصًا آخر رآها بعد الكنيسة.
وكان جاك مستعدًا لمواصلة البحث، مهما طال الطريق استمرت التحقيقات عدة أسابيع.
ألقت الشرطة القبض على اثنين من أفراد شبكة التهريب، لكنهما أنكرا معرفتهما بمصير ميا.
وفي إحدى الليالي، كان مورغان يراجع الملفات القديمة، عندما لاحظ تقريرًا لم يلتفت إليه أحد من قبل.
قبل أربع سنوات، عُثر على فتاة فاقدة للوعي في مستشفى صغير يبعد نحو مئة كيلومتر عن الكنيسة.
لم تكن تحمل أي أوراق ثبوتية.
وكانت تعاني من إصابة قوية في الرأس.
الغريب أن التقرير أشار إلى أنها فقدت ذاكرتها بالكامل.
بعد أسبوعين من العلاج، خرجت من المستشفى مع مؤسسة خيرية تكفلت برعايتها، ثم انتقلت لاحقًا إلى مدينة أخرى.
قال مورغان وهو ينظر إلى الصورة المرفقة
الصورة قديمة ورديئة الجودة... لكنها تشبه ميا.
اتصل فورًا بجاك.
بعد أقل من ساعتين، كانا في طريقهما إلى المستشفى.
أخرجت لهم موظفة الأرشيف الملف الورقي القديم.
ثم وضعت صورة المريضة على الطاولة.
ارتجفت يد جاك.
كانت الملامح مختلفة قليلًا بسبب الجروح ونقص الوزن...
لكنها كانت ميا.
قال بصوت مبحوح
إنها ابنتي...
تتبعوا سجلات المؤسسة الخيرية، حتى وصلوا إلى عنوان جديد.
وفي صباح اليوم التالي، توقفت سيارة الشرطة أمام منزل صغير في بلدة هادئة.
خرجت امرأة شابة من الحديقة وهي تحمل سلة زهور.
رفعت رأسها نحو السيارات باستغراب.
تجمد جاك في مكانه.
همس
ميا...
نظرت إليه المرأة.
بدت الحيرة على وجهها.
اقترب منها بخطوات بطيئة.
قال والدموع تملأ عينيه
أنا... أبوك.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة.
ثم هزت رأسها بحزن.
وقالت بهدوء
آسفة... أظن أنك أخطأت في الشخص.
انكسر قلب جاك.
لكن طبيبة المؤسسة التي كانت ترافقها خرجت في تلك اللحظة وقالت
هي تعاني من فقدان ذاكرة طويل الأمد. لم تتذكر أي شيء عن حياتها قبل الحادث.
اقترب جاك ببطء، وأخرج من جيبه القلادة الفضية على شكل الدلفين.
ما إن وقعت عينا ميا عليها...
حتى تغيرت ملامحها.
رفعت يدها دون وعي ولمست القلادة.
ثم همست بكلمة واحدة
...أبي؟
تدفقت الدموع من عيني جاك.
فتح ذراعيه.
وبعد لحظة صمت طويلة...
ارتمت ميا في حضنه، وهي تبكي للمرة الأولى منذ أربع سنوات.
النهاية
لاحقًا، أُدين أفراد شبكة التهريب بأحكام طويلة، وأُعيد فتح ملفات اختفاء أخرى ساعدت الأدلة التي جمعتها ميا، دون أن تدري، في كشفها.
أما ميا، فاحتاجت إلى أشهر من العلاج والتأهيل، واستعادت كثيرًا من ذكرياتها تدريجيًا، لكنها قررت ألا تعود إلى المنافسات الرياضية.
قالت لوالدها ذات يوم وهما يقفان أمام البحر
كنت أظن أن البحر أخذ مني كل شيء...
ابتسم جاك وأمسك بيدها.
لكنه أعادك إليّ في النهاية.
واكتفى الاثنان بالنظر إلى الأفق، بينما كانت الأمواج تتحرك بهدوء... وكأنها أخيرًا سلّمت السر الذي أخفته كل تلك السنوات بما أن القصة انتهت نهاية واضحة، فإن أي استمرار سيكون إضافة خيالية وليست تكملة للأحداث الأصلية.
الفصل الأخير رسالة لم تُقرأ
بعد أشهر من افتتاح مركز ميا كالاهان، كان العمال ينظفون القارب القديم سي واردن استعدادًا لتحويله إلى قطعة تذكارية داخل المركز.
وأثناء إزالة أحد الألواح الخشبية أسفل المقصورة، نادى أحد العمال
أستاذ جاك... أعتقد أن هناك صندوقًا هنا.
توجه جاك بسرعة.
كان صندوقًا معدنيًا صغيرًا صدئًا، مغلقًا بإحكام.
فتحوه بحذر.
في داخله وجد جاك ظرفًا أصفر كتب عليه بخط ميا
إلى أبي... إذا وجدته يومًا.
تجمد في مكانه.
فتح الظرف ببطء، بينما وقفت ميا إلى جواره.
بدأ يقرأ
أبي...
أعرف أنك ستلوم نفسك على كل ما حدث، لذلك أريدك أن تعرف الحقيقة.
لم يكن ذنبك أنني اختفيت.
أنت علمتني السباحة، والشجاعة، وألا أستسلم.
وكل مرة شعرت فيها أنني سأموت، كنت أتذكر صوتك وأنت تقول طالما تتنفسين... فلا تتوقفي عن المحاولة.
هذه الكلمات هي التي أبقتني حية.
وإذا عدت إليك يومًا، فلا تبكِ على السنوات
متابعة القراءة