امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا
بتختفي قدام عيني.
ارجع.
طول الطريق وأنا راجع للعمارة القديمة، كنت بسأل نفسي أرجع ليه؟ وإلى إيه؟
لما وصلت، اتفاجئت إن المكان متغير.
العمارة كانت مقفولة بالشمع الأحمر، وحولها شريط أصفر.
وقفت أسأل واحد من الواقفين
إيه اللي حصل؟
بصلي باستغراب وقال
إنت ما سمعتش؟
سمعت إيه؟
البارح بالليل، خزان المية الجديد انفجر لوحده.
اتجمدت.
حد اتصاب؟
هز راسه.
الغريبة إن الخزان كان فاضي... لكن المية غرقت السطح كله.
رفعت عيني أبص لفوق.
في آخر السطح، كان واقف راجل لابس بدلة زرقا.
أول ما لمحني... اختفى.
دخلت العمارة رغم منع الناس.
طلعت السلم بسرعة.
كل دور كنت أعديه، كانت ريحة الرطوبة بتزيد.
لحد ما وصلت للسطح.
الخزان الأبيض كان متشقق من النص.
لكن اللي لفت نظري...
إن تحت مكان الخزان، الأرضية نفسها كانت مفتوحة.
في حفرة دائرية قديمة، مبنية بالطوب الأحمر.
البئر.
ركعت على ركبتي، وسلطت كشاف الموبايل لجوه.
ماكانش فيه مية.
كان ناشف.
لكن في القاع...
كان فيه باب خشب.
باب كامل.
كأنه مدخل أوضة تحت الأرض.
وعلى الباب، لوحة نحاس صغيرة مكتوب عليها
لا توقظوا الساكن.
في اللحظة دي، سمعت خطوات ورايا.
لفيت بسرعة.
لقيت الراجل اللي كان واقف فوق.
كان كبير في السن، وشعره كله أبيض.
قال بهدوء
فاطمة حاولت تقفل الباب.
وأنا كمان.
وأبوك قبلك.
قلبي وقف.
أبويا؟!
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
أبوك ماحكالكش ليه ساب العمارة فجأة وإنت طفل.
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
لأول مرة...
بدأت أفهم إن حكايتي مع المكان ما بدأتش برسالة فاطمة...
يمكن بدأت من يوم اتولدت.
وفي اللحظة دي...
طلع صوت دقات خفيفة من الباب الخشبي في قاع البئر.
دق... دق... دق...
ثم صوت طفل قال بهدوء
حد فوق؟
لكن الراجل الأبيض غمض عينيه وقال بصوت مرتجف
دي مش أصوات الأطفال...
دي الحاجة اللي اتعلمت تقلدهم.
يتبع...الراجل شدني من دراعي بعنف وقال
إوعى ترد... مهما سمعت.
لكن الدقات رجعت.
دق... دق... دق...
وبعدين صوت طفل، أهدى من الأول
لو سمحت... افتح الباب... أنا تايه.
كان الصوت مقنعًا لدرجة إن أي حد يسمعه هيجري يساعده.
لكن الراجل قفل ودانه بإيديه، وفضل يردد بصوت خافت آيات من القرآن.
بعد ثوانٍ، الصوت اتغير.
بقى صوت ست عجوز.
ثم صوت راجل.
ثم صوت شاب.
ثم...
صوتي أنا.
افتح يا مريم... أنا تحت.
رجعت خطوة للخلف، وأنا حاسس إن نفسي اتقطع.
بصيت للراجل.
قال وهو بيهز رأسه
قلتلك... مش بيقلد الأطفال بس... بيقلد أي حد.
ثم طلع من جيبه مفتاح النحاس اللي كان في علبة الصفيح.
ناولني المفتاح وقال
فاطمة سابته ليوم زي ده.
بصيت للمفتاح، ثم للباب اللي في قاع البئر.
قلت له
ده مفتاح الباب؟
قال
لأ...
أمال مفتاح إيه؟
ابتسم لأول مرة وقال
مفتاح القفل اللي هيقفل الباب للأبد.
نزلنا درجات حجرية ضيقة كانت مخفية خلف الحفرة.
كل خطوة كانت أبرد من اللي قبلها.
لحد ما وصلنا قدام الباب الخشبي.
كان قديم جدًا، وعليه خدوش كأن حد فضل يخبط عليه سنين.
حطيت المفتاح في القفل الجانبي.
لفيته.
سمعنا صوت معدني ثقيل...
طَق.
وفجأة...
كل الأصوات سكتت.
لا خبط.
لا همس.
لا أنفاس.
مجرد صمت.
الصمت اللي فضلنا ندور عليه من أول القصة.
الراجل تنفس بارتياح، وقال
خلصت.
طلعنا من البئر، وأول خيط شمس كان بيطلع.
ولما بصيت ورايا...
الحفرة نفسها كانت اختفت.
كأنها ما كانتش موجودة أصلًا.
بعدها بأيام، العمارة اتهدت بالكامل، واتحولت الأرض لحديقة صغيرة.
كبرت الأشجار، ولعب الأطفال فيها كل يوم، من غير ما يسمعوا خربشة، ولا يشوفوا خزانًا أسود، ولا توصلهم رسائل غريبة.
أما أنا...
فاحتفظت بالمفتاح.
مش لأنه بيفتح باب...
لكن لأنه بيفكرني إن الفضول أحيانًا يفتح أبوابًا، وإغلاقها أصعب بكتير.
تمت بعد ستة شهور...
كنت بدأت أنسى.
الكوابيس قلت، وريحة الصدأ اختفت، وحتى المفتاح النحاسي حطيته في درج المكتب وقفلت عليه.
وفي ليلة شتوية، وأنا بنضف البيت، لقيت الظرف الأصفر اللي كانت فاطمة سايباه.
استغربت.
أنا متأكد إني حرقته.
فتحته.
كان فاضي... إلا من ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب فيها بخط مختلف عن خط فاطمة
أحسنت... الباب اتقفل. لكن نسيتوا اللي خرج قبل ما يتقفل.
اتجمدت.
جريت ناحية الدرج.
فتحته.
المفتاح... اختفى.
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
بصيت من العين السحرية.
ولد صغير واقف، ماسك كيس قماش أسود.
أول ما شافني، ابتسم وقال
ماما بعتتلي أرجعلك الأمانة.
قلبي دق بعنف.
فتحت الباب بسرعة...
الممر كان فاضي.
لا ولد.
ولا كيس.
ولا أي حد.
لكن على الأرض، عند العتبة، كان فيه شيء واحد فقط.
المفتاح النحاسي.
رفعته بإيدي.
كان دافئًا...
كأن حد كان ماسكه من ثوانٍ.
ولما بصيت عليه كويس، لاحظت حاجة عمري ما انتبهتلها.
كان منقوش على جانبه من الداخل، بحروف صغيرة جدًا
الباب لا يُغلق... بل يختار حارسه.
في اللحظة دي، فهمت ليه فاطمة كانت تطلع السطح كل ليلة.
وليه عم حسن فضل سنين ساكت.
وليه الراجل العجوز كان مستني حد يسلّمه المفتاح.
ماحدش فيهم كان بينتصر على الشر...
كانوا بس بيأجلوا دوره.
رفعت عيني ناحية الشباك.
بعيد، فوق سطح العمارة اللي قصاد بيتي، كان فيه خزان مية أسود.
ولأول مرة...
سمعت الخربشة ترجع.
لكن المرة دي...
ما كانتش بتناديني.
كانت بتنادي اسم حد تاني.
ابتسمت ابتسامة حزينة، وقفلت الشباك، ودعيت في سري أن الشخص اللي هيسمعها... يختار إنه ما يفتحش الغطا أبدًا.
النهاية.