امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا
المحتويات
إيد تانية.
وبدأ شيء... أو شخص... يطلع ببطء من قلب المية.
وأول ما بان وشه كامل تحت نور القمر...
عرفته.
كان أحمد...
بنفس سنه اللي اختفى فيه من أربع سنين...
كأنه الزمن وقف جواه.
لكنه رفع رأسه ناحيتي، وقال بابتسامة باردة
دلوقتي... دورك تحرس الخزان أول ما سمعت الجملة، رجلي خانتني.
وقعت على ضهري، وزحفت لورا وأنا ببص لأحمد. كان خارج لحد نص جسمه من الخزان، هدومه ناشفة بشكل غريب، لكن المية كانت بتنزل من شعره بس... مية سودا، تقيلة، وسيبت وراها خطوط على أرض السطح كأنها زيت.
صرخت فيه
إنت أحمد؟
ابتسم تاني، لكن المرة دي ابتسامته اختفت بسرعة، وقال بصوت طفل حزين
أحمد نام من زمان... اللي قدامك مش أحمد.
في اللحظة دي سمعت باب السطح بيتفتح بعنف.
لفيت لقيت عم حسن البواب، ماسك كشاف وإيده بتترعش.
بمجرد ما شافني، جري ناحيتي وهو بيزعق
ابعد عن الخزان! متبصش جواه!
شدني من دراعي بعنف، ولما بص للخزان، وشه اصفر.
الخزان كان مقفول.
غطاه في مكانه.
كأنه عمره ما اتحرك.
بصيتله مذهول وقلت
كان فيه ولد... أحمد كان طالع...
عم حسن سكت ثواني، وبعدها قال بصوت مكسور
أنا كنت فاكر السر هيموت مع فاطمة.
حكالي إنه من أربع سنين، وقت المطر الشديد، أحمد كان بيلعب فوق السطح. جري ورا كورة، واتسلق على الخزان. الغطا كان مكسور، وقع جواه، وماحدش سمع صوته وسط صوت المطر.
فضل جوه ساعات.
ولما لقوه...
كان فات الأوان.
لكن اللي كسر قلب أمه أكتر، إن صاحب العمارة خاف من الفضيحة. دفن الحقيقة، ودفن جثمان الولد في مقابر العائلة من غير ما يبلغ حد، وقال للناس إنه اختفى.
أما فاطمة...
فكانت الوحيدة اللي عرفت بعد سنين.
ومن يومها كانت كل ليلة تطلع تبص على الخزان، مش لأنها فاكرة ابنها لسه جواه...
لكن لأنها كانت بتسمع صوته بيناديها.
سألته وأنا جسمي كله بيرتعش
طيب... الرسائل اللي وصلتني؟
رفع عم حسن الموبايل من إيدي.
فتح سجل المحادثة.
اتجمدت.
مفيش أي رسالة.
ولا تسجيل صوتي.
ولا حتى رقم باسم فاطمة.
كأن اللي حصل كله ممسوح.
نزلنا من على السطح من غير ما نبص ورا.
لكن وأنا بقفل باب شقتي قبل الفجر، الموبايل اهتز مرة أخيرة.
الشاشة نورت من غير أي إشعار.
واشتغل تسجيل لوحده.
كان صوت طفل بيضحك...
وبعدين همس خافت جدًا
أنا لسه في الخزان...
ثم انقطع الصوت.
تمت فتحت الموبايل بسرعة...
لكن الشاشة كانت سودا.
ولا فيه تسجيل، ولا إشعار، ولا أي أثر للصوت اللي سمعته.
قعدت على طرف السرير لحد الفجر، وكل ما أحاول أقنع نفسي إنه كابوس، كنت أشم نفس ريحة المية الصدية طالعة من هدومي، كأن السطح نزل معايا.
مع أول ضوء، طلعت أجري عند عم حسن.
خبطت على باب أوضته تحت السلم.
محدش رد.
الجيران قالولي إنه مات من سنتين.
وقفت أبص لهم وأنا فاقد القدرة على الكلام.
إزاي مات من سنتين؟!
الراجل اللي كنت واقف معاه من كام ساعة... اللي شدني من قدام الخزان... واللي حكالي الحكاية...
ماكانش موجود أصلًا.
رجعت أبص ناحية السطح.
أول مرة في حياتي أحس إن العمارة نفسها بتبصلي.
وفي العصر، قررت أمشي من المكان نهائي.
لمّيت هدومي، وأجّرت عربية نقل صغيرة.
وأنا بقفل الشقة، لقيت ظرف بني قديم مدسوس تحت الباب.
مكتوب عليه بخط مرتعش
لجار الشقة رقم ٥... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى هي اختارتك.
فتحت الظرف.
كان فيه مفتاح صدئ.
وصورة قديمة.
الصورة كانت لأهل العمارة في عيد من أكتر من عشرين سنة.
بدأت أبص في الوجوه...
لحد ما وقعت عيني على طفل واقف في آخر الصف.
كان أحمد.
لكن اللي خلاني أحس إن قلبي وقف...
إني كنت واقف جنبه في الصورة.
مش بشكلي الحالي...
وأنا طفل.
رغم إني متأكد عمري ما سكنت العمارة دي وأنا صغير.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
كل اللي بيسمع الخربشة... كان هنا قبل كده.
في اللحظة دي، سمعت نفس الصوت.
خربشة.
لكن المرة دي...
ماكانتش جاية من السطح.
كانت جاية من جوه الشقة.
وبالتحديد...
من تحت السرير.
ملحوظة دي نهاية مفتوحة من قصة رعب خيالية، ومقصود بيها التشويق، وليست أحداثًا حقيقية فضلت واقف مكاني، وعيني معلقة تحت السرير.
الخربشة رجعت تاني...
أهدى من الأول، لكن أقرب.
جبت المقشة اللي جنب الباب ومدّيتها ببطء تحت السرير.
حسيت إنها خبطت في حاجة لينة.
سحبتها بسرعة.
طلع معاها... كيس قماش أسود.
نفس الكيس اللي كانت فاطمة عمرها ما تفارقه.
كان مربوط بخيط أحمر قديم، ومبلول كأنه لسه طالع من المية.
فتحت الربطة بإيد مرتعشة.
لقيت جواه عربية لعبة صغيرة، وزرار قميص أطفال، ودفتر رفيع متآكل من الرطوبة.
أول صفحة كان مكتوب فيها
لو حد غيري لقى الدفتر ده... يبقى اسمعني للآخر، ومتصدقش أي صوت يناديك.
قلّبت الصفحات.
فاطمة كانت كاتبة كل حاجة.
كتبت إنها في أول سنة بعد اختفاء أحمد، كانت كل ليلة تسمع خبط من الخزان.
افتكرته وهم.
بعدها بدأت تشوف أحمد في الحلم.
كل مرة كان يقول لها جملة واحدة
أنا مش لوحدي.
في البداية افتكرت إن طفل تاني مات معاه.
لكن بعد شهور، اكتشفت إن اللي بيكلمها مش أحمد أصلًا.
كان بيقلد صوته.
ومن يومها، بطلت تفتح غطا الخزان مهما حصل.
وفي آخر صفحة، كانت الكتابة مهزوزة كأنها اتكتبت في لحظات خوف شديد
لو أنا مت... هيحاول يطلع.
أول واحد يسمع الخربشة... هيبقى دوره.
في اللحظة دي انطفت الكهرباء.
غرقت الشقة في ظلام كامل.
وبعدين...
سمعت صوت طفل بيضحك من الصالة.
مش من تحت السرير.
رفعت كشاف الموبايل.
الضوء وقع على الأرض...
وكانت آثار مية ماشية من باب الشقة للداخل.
مش خارجة...
داخلة.
وراحت واقفة قدام باب أوضة النوم.
الباب كان مقفول.
لكن المقبض بدأ يتحرك ببطء...
مرة...
واتنين...
وبعدين وقف.
وسمعت نفس الهمسة اللي سمعتها فوق السطح
افتح...
أنا رجعت البيت.
يتبع...بصيت للمقبض وهو بيتحرك، وقلبي بيدق بعنف لدرجة إني كنت سامع صوته أكتر من أي حاجة تانية.
لكن افتكرت آخر جملة في دفتر فاطمة
متفتحش لأي صوت... حتى لو كان صوته.
رجعت لورا خطوتين، وسندت ضهري للحائط.
الهمس اتحول لعيط طفل.
ماما... افتحي... أنا بردان.
وبعدين... صوت فاطمة.
يا جاري... ساعده.
غمضت عيني للحظة، وقرأت آية الكرسي والمعوذات، وكل ما أحفظه من القرآن. وكل ما كنت أقرأ، الأصوات كانت تعلى، كأن اللي برة الباب بيضايقه الكلام.
فجأة...
كل شيء سكت.
سكون تام.
عدت دقيقة... اتنين... خمسة.
ولما حسيت إن كل حاجة انتهت، قربت بحذر من الباب.
حطيت إيدي على المقبض.
ولسه هفتحه...
رن جرس الشقة.
صوت الجرس رجعني لورا.
بصيت من العين السحرية.
كان شيخ كبير، لحيته بيضا، ومعاه راجلين من الجيران.
أول ما فتحت، الشيخ قال
إحنا جينا لأن المرحومة فاطمة كانت سايبة جواب عند إمام المسجد، وقالت لو ماتت يوصل لأول جار يسمع صوت من فوق السطح.
ناولني ظرف أصفر قديم.
فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه مفتاح صغير، وورقة مكتوب فيها
الخزان لازم يتقفل للأبد... لكن مش بالحديد.
بصيت للشيخ باستغراب.
قال بهدوء
فيه حاجات مكانها إنها تفضل سر، وإحنا مش هنفتح الخزان. هنشيله كله.
في صباح اليوم التالي، جه عمال ومعاهم ونش.
رفعوا الخزان القديم من فوق السطح.
كان تقيل بشكل غريب.
ولما أنزلوه على الأرض...
لقوا إنه مليان مية سوداء وطين... وبس.
لا كان فيه أحمد.
ولا أي آثار لجثة.
ولا أي شيء يفسر اللي حصل.
الخزان اتكسر واترمى.
ومن يومها...
اختفت الخربشة.
واختفت الريحة.
وماوصلتنيش أي رسائل تانية.
لكن بعد شهر، وأنا براجع الصور القديمة على موبايلي، لقيت صورة أنا متأكد إني ماصورتهاش.
كانت صورة لسطح العمارة.
مكان الخزان بعد ما اتشال.
لكن في آخر الصورة...
واقف طفل صغير، ضهره للكاميرا.
ولما كبرت الصورة...
لقيته رافع إيده، وكاتب بإصبعه على تراب السطح كلمة واحدة
شكراً.
وانتهت الحكاية... لكن فضل السؤال هل كان أحمد فعلًا يطلب النجدة، أم أن شيئًا آخر كان يستخدم اسمه؟ الإجابة لم يعرفها أحد بعد يومين، حاولت أقنع
متابعة القراءة