امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا
المحتويات
نفسي إن كل اللي حصل انتهى.
نقلت من العمارة فعلًا، واستأجرت شقة في حي تاني، وبدأت أرتب حياتي من جديد.
وفي ليلة هادئة، وأنا بقلب في الدفتر القديم للمرة الأخيرة، لاحظت حاجة ماكنتش واخد بالي منها.
آخر صفحة...
ما كانتش آخر صفحة.
كان فيه ورقتين ملزوقين ببعض من أثر الرطوبة.
فصلتهم بحذر.
ولقيت سطر واحد مكتوب بقلم أزرق باهت
لو الخزان اتشال... هيدور على مكان تاني.
في اللحظة دي، حسيت بقلبي يقبض.
جريت ناحية المطبخ.
فتحت الحنفية.
نزلت نقطة مية...
وبعدين سكتت.
ثواني، وسمعت صوت غريب جاي من المواسير.
مشية...
كأن حد بيزحف جوه أنابيب المية.
الصوت بدأ بعيد...
وبعدين قرب...
لحد ما وقف تحت حوض المطبخ مباشرة.
وبعدين...
خربشة.
رجعت لورا وأنا مرعوب.
وفجأة، الموبايل رن.
رقم غير مسجل.
رديت.
مفيش كلام.
بس نفس صوت الأنفاس اللي سمعتها أول مرة.
ثم همسة خافتة جدًا
الخزان... مكان... مش شيء.
وانقطع الخط.
بصيت حواليا.
كل بيت فيه خزان.
كل عمارة فيها مواسير.
وكل نقطة مية ممكن تبقى طريق.
ومن ساعتها، بقيت كل ما أروح مكان جديد، أول حاجة أبص عليها هي خزان المية فوق السطح.
مش عشان أدور على أحمد...
لكن عشان أتأكد إن مفيش حد بيخبط من جوه.
وهنا تنتهي القصة كنهاية مفتوحة. تسيب للقارئ حرية التخيل هل كان الأمر مجرد رعب نفسي، أم أن السر انتقل مع أول شخص عرف الحقيقة؟في أول أسبوع من انتقالي، بدأت أقنع نفسي إن كل شيء انتهى.
لكن في ليلة ممطرة...
صحيت على صوت نقطة مية بتنزل في المطبخ.
تك... تك... تك...
استغربت، لأن الحنفية كانت مقفولة بإحكام.
قربت منها.
أول ما لمستها... الصوت وقف.
ولما بصيت جوه الحوض، لقيت نقطة مية واحدة متجمعة في النص.
لكنها ما كانتش شفافة...
كانت سودا.
مسحتها بإيدي بسرعة، ورجعت أنام وأنا بحاول أقنع نفسي إنها صدأ من المواسير.
تاني يوم الصبح، نزلت أشتري فطار.
وأنا راجع، قابلت طفل من سكان العمارة الجديدة.
ابتسملي وقال
حضرتك ساكن في شقة ٧؟
قلت له أيوه.
قال وهو بيضحك
الراجل اللي كان ساكن قبلك كان كل ليلة يطلع يبص على خزان المية.
وقبل ما أسأله ليه...
جريت أمه وسحبته من إيده بعنف.
وشها كان شاحب، وقالت وهي بتبصلي بخوف
متسمعش كلام العيال.
وأخدته ومشيت بسرعة.
في نفس الليلة، قررت أطلع السطح.
مش عشان أفتح الخزان...
لكن عشان أتأكد إنه عادي.
كان السطح فاضي.
والخزان جديد، لونه أبيض، ولسه مركب من كام شهر.
لفيت همشي.
لكن لمحت حاجة مكتوبة على جسم الخزان.
بصيت أقرب.
كانت كلمة مرسومة بإصبع على طبقة تراب خفيفة
متأخر.
اتجمدت.
لأن الخزان كان متغطي بالندى...
يعني الكلمة كانت لسه مكتوبة حالًا.
سمعت نفس الخربشة.
لكن المرة دي...
ما كانتش جاية من جوه الخزان.
كانت جاية من ورايا.
ولما لفيت...
ما كانش فيه حد.
غير باب السطح...
كان بيقفل لوحده ببطء.
انتهت القصة عند هذا الحد، تاركةً النهاية مفتوحة للقارئ باب السطح اتقفل بآخر طَقّة... وساعتها عرفت إني بقيت لوحدي.
جريت ناحية الباب، لقيته مقفول.
خبطت عليه بكل قوتي.
افتحوا! في حد بره؟!
ولا صوت.
لفيت ببطء.
الخزان الأبيض كان ساكت.
لا خربشة...
ولا همس...
وده كان مرعب أكتر من أي صوت.
فجأة، سمعت طفل بيتكلم من ورايا
المرة دي... أنا مش جاي أخوفك.
استدرت بسرعة.
كان واقف عند سور السطح.
ولد صغير، لابس تيشيرت أزرق وبنطلون قصير.
وشه شاحب، لكن ملامحه كانت طبيعية.
قال بهدوء
أنا أحمد.
قلت وأنا بحاول أتماسك
إنت... إنت ميت.
هز راسه وقال
أيوه... من زمان.
سكت لحظة، وبعدين أشار ناحية الخزان.
اللي كان بيناديك... مش أنا.
أحسست ببرودة تسري في جسمي.
أمال مين؟
بص ناحية الخزان، وعينيه امتلوا خوف لأول مرة.
حاجة أقدم مني... كانت موجودة قبل ما العمارة تتبني.
في اللحظة دي...
الخزان كله اهتز.
مش الغطا...
الخزان كله.
وطلع منه صوت مكتوم، كأن عشرات الناس بيهمسوا في نفس الوقت.
أحمد رجع لورا وهو بيصرخ
اوعى تسمعهم!
الهمسات بدأت تبقى أوضح.
كل همسة كانت بتنادي باسم شخص مختلف.
أسماء كتير...
أسماء ماعرفهاش.
وفجأة...
سمعت اسمي.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
تعال...
افتح...
بص جوه...
حطيت إيدي على وداني، وفضلت أقرأ ما أحفظه من القرآن، من غير ما أبص للخزان.
الهزة وقفت.
والهمسات اختفت.
لما فتحت عيني...
ماكانش فيه أحمد.
ولا كان فيه أي أثر لطفل.
وباب السطح كان مفتوح.
نزلت أجري من غير ما أبص ورايا.
ومن يومها...
كل ما أعدي جنب أي خزان مية قديم، أفتكر كلام أحمد
في أماكن... مينفعش الإنسان يعرف سرها.
وهنا تنتهي الحكاية، وتبقى مجرد قصة رعب خيالية للتشويق، وليست أحداثًا حقيقية نزلت السلم وأنا باخد نفسي بالعافية، وكنت حاسم قراري إني عمري ما هطلع أي سطح تاني.
لكن بعد أسبوع...
وصلني جواب من غير عنوان مرسل.
الظرف كان قديم، وعليه بقعة مية ناشفة.
جواه ورقة واحدة مكتوب فيها
إحنا لقينا مذكرات فاطمة... وتعالى لو عايز تعرف الحقيقة.
كان تحت الرسالة عنوان بيت قديم على أطراف المدينة.
فضلت يومين متردد، وفي الآخر روحت.
البيت كان مهجور، والشبابيك متكسرة، لكن الباب كان مفتوح كأن حد مستنيني.
دخلت.
لقيت راجل عجوز قاعد على كرسي خشب، قدامه صندوق حديد صغير.
أول ما شافني قال
أنا أخو فاطمة.
اتصدمت.
قال وهو بيطبطب على الصندوق
فاطمة عمرها ما كانت مجنونة... بس الحقيقة كانت أكبر منها.
فتح الصندوق.
كان فيه عشرات الكراسات.
كلها بخط فاطمة.
قال
هي كانت بتكتب كل اللي بيحصل، لأنها كانت خايفة الناس ماتصدقهاش.
قعدت أقلب في الكراسات.
في واحدة منها، مكتوب تاريخ أقدم من اختفاء أحمد بعشر سنين.
وفيها جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
الولد الأول اختفى سنة ١٩٨٨.
قلبت الصفحة.
التاني سنة ١٩٩٧.
واللي بعدها
التالت سنة ٢٠٠٦.
وبعدين...
أحمد... سنة ٢٠٢٢.
كل مرة...
طفل واحد.
كل مرة...
في نفس العمارة.
وكل مرة...
قبل الاختفاء بيوم، حد من السكان كان يبلغ عن صوت خربشة جاي من فوق السطح.
رفعت عيني للعجوز وسألته
بلغتوا الشرطة؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال
بلغنا.
عملوا إيه؟
رد بهدوء
هدموا العمارة.
سكت ثواني، ثم أكمل
لكن بعد الهدم بشهر... العمارة الجديدة اتبنت فوق نفس الأرض.
ثم سلمني آخر دفتر.
وقال
دي الصفحة اللي فاطمة كتبتها قبل ما تموت بساعتين.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو حد بيقرأ الكلام ده... يبقى الدور قرب يبدأ من جديد.
وتحتها...
كان فيه اسم واحد فقط.
اسمي أنا.
ثم انطفأت لمبة البيت فجأة...
وانتهى كل شيء في الظلام.
يتبع...انطفأت اللمبة، وغرق البيت في ظلام كثيف.
لكن الغريب...
إني ما خفتش.
بالعكس، حسيت إن في حاجة بتشدني ناحية الصندوق الحديد.
فتحت كشاف الموبايل، ووجهته ناحيته.
الصندوق كان مفتوح...
والدفتر اللي كان في إيدي اختفى.
رفعت بصري بسرعة.
العجوز... اختفى هو كمان.
فضلت أنادي
يا حاج!... يا حاج!
مفيش رد.
البيت كله كان ساكت، إلا من صوت ساعة حائط قديمة.
تك... تك... تك...
وفجأة...
الساعة وقفت.
في اللحظة نفسها، الموبايل اشتغل لوحده.
مش رنة...
مش رسالة...
الكاميرا اتفتحت تلقائيًا.
ولما بصيت في الشاشة، شوفت الصالة قدامي.
لكن كان فيها شخص واقف.
لفيت بسرعة.
الصالة فاضية.
رجعت أبص للموبايل...
الشخص لسه واقف.
كان لابس عباية سودا.
ورابط شعره تحت شال.
فاطمة.
كانت واقفة ورايا في شاشة الموبايل، لكنها مش موجودة في الحقيقة.
ببطء...
رفعت إيدها، وأشارت ناحية الحيطة.
لفيت ناحية الحيطة.
كانت عادية.
رجعت أبص للموبايل.
فاطمة كانت بتخبط بإيدها على نفس المكان.
قربت من الحيطة، وخبطت عليها.
طلع صوتها أجوف.
بدأت أزيح طبقة الجبس القديمة بإيدي.
وراها كان فيه تجويف صغير.
وفيه علبة صفيح.
فتحتها.
لقيت مفتاح نحاس، وصورة بالأبيض والأسود.
الصورة كانت للعمارة...
قبل أكتر من خمسين سنة.
لكن العمارة ماكانتش أول مبنى على الأرض.
كان فيه قبلها...
بئر قديم.
وعلى ضفته واقفين ناس كتير، وكلهم لابسين أسود.
وورا الصورة مكتوب بخط باهت
ردموا البئر... لكن ما خرجش اللي كان فيه.
وقبل ما أستوعب معنى الجملة...
سمعت صوت مية.
مش من الحنفية...
ولا من المطر.
صوت مية بتتملى.
بصيت من الشباك.
كل شوارع الحارة كانت ناشفة.
لكن من تحت باب البيت...
بدأت مية سودا تتسرب للداخل ببطء.
كانت بتتحرك عكس الطبيعي...
مش داخلة بسبب انحدار الأرض...
كانت ماشية كأنها عارفة رايحة فين.
ولما وصلت عند رجلي...
توقفت.
وبدل ما تكمل...
بدأت تكتب على الأرض كلمة واحدة
ارجع.
ثم اختفت... وكأنها لم تكن.
يتبع... القصة لا تزال خيالية ومجرد عمل رعب للتشويق بصيت للكلمة المكتوبة بالمية وهي
متابعة القراءة