دي حتى ما تعرفش تقرأ حكايات ميراا

لمحة نيوز

كانت هناك نسخة من تقرير رسمي فرنسي.
قالت
والدك وصل إلى باريس سرًا بعد ما خرج من مصر. كان بيحاول يسلم ملفات فساد لجهات دولية، لكنه اتعرض لمحاولة اغتيال.
سألت سلمى بلهفة
ونجا؟
تنهدت ليلى.
نجا من المحاولة الأولى... لكنه توفي بعدها بأيام متأثرًا بإصابته، وطلب قبل وفاته طلبًا واحدًا.
كانت دموع سلمى تنزل بصمت.
إيه هو؟
أجابت ليلى
قال لما بنتي تكبر، أوعوها تكره حد... خليها تدور على العدالة، مش الانتقام.
أخفضت سلمى رأسها.
كانت هذه أول مرة تسمع فيها وصية والدها الحقيقية.
لكن ياسين كان يحدق في التقرير.
ثم قال فجأة
فيه حاجة غلط.
نظر الجميع إليه.
وأشار إلى ختم التقرير.
الختم ده اتطبع سنة 2012... لكن التقرير مؤرخ قبلها بخمس سنين.
تغير وجه ليلى.
أما سامح، فأخذ التقرير بسرعة، وتأمله.
ثم رفع رأسه ببطء.
معناه إن...
قاطعهم صوت جهاز إنذار داخل القصر.
أضاءت الأضواء الحمراء في كل الممرات.
ركض أحد الحراس إلى الداخل وهو يصرخ
حد اخترق نظام الحماية!
وفي اللحظة نفسها، انطفأت الكهرباء.
عمّ الظلام.
ثم سُمع صوت رجل عبر مكبرات الصوت داخل القصر
أنتم تبحثون عن الحقيقة في المكان الخطأ.
تجمد الجميع.
أكمل الصوت
الملفات التي بين أيديكم... كلها نسخ.
ثم ضحك ضحكة قصيرة وقال
أما الأصل... فقد خرج من هذا القصر منذ عشر دقائق.
نظر ياسين إلى سامح.
سأله بسرعة
مين كان آخر واحد خرج؟
اتسعت عينا سامح.
ثم قال اسمًا واحدًا
مدير الأرشيف...
ركضوا جميعًا نحو غرفة الأرشيف.
لكنهم وصلوا متأخرين.
كان الباب مفتوحًا...
والخزنة الحديدية فارغة.
ولم يبقَ بداخلها سوى بطاقة صغيرة كُتب عليها
إذا أردتم الحقيقة كاملة... فموعدنا في الإسكندرية.
يتبع...بعد أقل من أربع وعشرين ساعة...
كانت طائرة خاصة تهبط في مطار برج العرب.
لم ينطق أحد طوال الرحلة.
كانت البطاقة التي وُجدت في الخزنة تحمل إحداثيات دقيقة، تشير إلى مكان واحد فقط...
ميناء الإسكندرية القديم.
وصل ياسين وسلمى وسامح وليلى قبل شروق الشمس.
كان الميناء هادئًا على غير عادته.
الأمواج تضرب الرصيف الحجري، وضباب البحر يحجب الرؤية.
قال سامح وهو ينظر إلى الإحداثيات
هنا... بالضبط.
تقدموا حتى وصلوا إلى مخزن مهجور يحمل الرقم 17.
توقفت سلمى فجأة.
همست
رقم 17...
نفس الرقم اللي كان مكتوب على الصورة القديمة.
فتح ياسين الباب الحديدي بحذر.
في الداخل، لم يكن هناك أثاث...
ولا صناديق...
فقط كرسي خشبي في المنتصف، وفوقه صندوق صغير.
اقتربت سلمى.
فتحت الصندوق.
وجدت بداخله مفتاحًا نحاسيًا ورسالة قصيرة.
فتحت الرسالة، وقرأت بصوت مرتجف
إذا وصلتِ إلى هنا، فقد أثبتِّ أنكِ أقوى مما توقعت. لكن قبل أن تكملي الطريق، لازم تعرفي الحقيقة اللي أخفيتها عنكِ طول عمري.
توقفت للحظة، ثم أكملت
أنا لم أخفِ عنكِ أخًا... بل أخفيت عنكِ أختًا.
شهق الجميع.
سقطت الرسالة من يد سلمى.
قالت بصوت يكاد لا يُسمع
أخت؟!
أكملت ليلى قراءة بقية الرسالة
أختك التوأم فُصلت عنكِ يوم ولادتكما، لحمايتكما من الأشخاص الذين كانوا يطاردونني. ولم يعرف مكانها أحد... إلا شخص واحد.
نظر ياسين إلى السطر الأخير.
كان مكتوبًا
إذا أردتِ أن تجديها... فابحثي عن المرأة التي ربّتك.
ساد الصمت.
رفعت سلمى رأسها ببطء.
أمي...
هز سامح رأسه.
لا...
ثم نظر إلى ليلى.
المرأة اللي ربت سلمى بعد اختفاء والدها... لم تكن أمها الحقيقية طوال تلك السنوات.
تراجعت سلمى خطوة إلى الخلف.
لم تعد تعرف ما الذي يمكنها تصديقه.
لكن قبل أن ينطق أحد بكلمة أخرى...
سمعوا صوت تصفيق يأتي من باب المخزن.
استداروا بسرعة.
وقف رجل مجهول في الأربعين من عمره، يبتسم بثقة.
وقال
واضح إنكم وصلتم متأخرين كالعادة.
رفع ياسين سلاحه.
مين إنت؟
ابتسم الرجل وقال
أنا...
زوج أخت سلمى.
وتجمّد الجميع في أماكنهم ابتسم الرجل ابتسامة هادئة وهو يرى الذهول على وجوههم.
قال ياسين بصرامة
انزل سلاحك... وقول إنت مين.
رفع الرجل يديه ببطء.
اسمي كريم.
أنا مش عدوكم.
أنا جيت لأن الوقت خلص.
نظرت إليه سلمى بعينين دامعتين.
فين أختي؟
سكت كريم لثوانٍ، ثم أخرج من جيبه صورة حديثة.
كانت الصورة لامرأة تشبه سلمى إلى حدٍ كبير.
نفس العينين...
ونفس الابتسامة.
لكن شعرها كان أقصر.
التقطت سلمى الصورة بيد مرتجفة.
دي...
ابتسم كريم.
اسمها سارة.
عاشت طول عمرها وهي فاكرة إنها بنت يتيمة.
ولا تعرف إن ليها أخت توأم.
سأل ياسين
وليه مخبيينها كل السنين دي؟
أجاب كريم
لأن والدكم كان مقتنع إن لو حد عرف إن عنده بنتين، هيستخدم واحدة للضغط على التانية.
وده اللي حصل.
نظر الجميع إليه.
قال
من أسبوعين... سارة اختفت.
شهقت سلمى.
اختفت؟!
هز كريم رأسه.
اتخطفت.
وسابت وراها ظرف.
أخرج الظرف من جيبه.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
لو عايزين تشوفوا سارة تاني... هاتوا كل ملفات محمود الكيلاني.
قطب ياسين حاجبيه.
لكن الملفات كلها بقينا معانا.
ابتسم كريم بمرارة.
لا...
أنتم معاكم اللي والد سلمى كان عايزكم تلاقوه.
لكن في ملف أخير...
محدش وصله.
سألته سلمى
فين؟
قال وهو ينظر مباشرة إلى ياسين
في البنك المركزي.
ساد الصمت.
ثم انفجر ياسين ضاحكًا لأول مرة.
نظر الجميع إليه باستغراب.
قال
لأ...
الموضوع خرج من المنطق.
كل شوية يطلع ملف جديد، وسر جديد، وشخص جديد.
أغلق المسدس ووضعه في جرابه.
ثم التفت إلى سلمى.
أبوكي خلّص رسالته، وكمال اتحاسب، والحقيقة ظهرت.
لو فيه جريمة جديدة أو خطف جديد، فهي قضية جديدة... مش امتداد للقصة دي.
ابتسمت سلمى رغم دموعها.
وأدركت أنه محق.
بعض الأسرار تنتهي.
ولو استمرت في مطاردة كل لغز، فلن تعيش أبدًا.
وضعت الصورة داخل حقيبتها، وقالت
لو أختي موجودة فعلًا... هدور عليها.
لكن مش بدافع الانتقام.
بدافع إنها عيلة.
ابتسم كريم وأومأ برأسه.
وغادر المخزن.
أما ياسين وسلمى، فخرجا إلى رصيف الميناء.
كانت الشمس تشرق فوق البحر.
نظر إليها ياسين وقال
فاكرة أول مرة شفتك؟
ابتسمت.
لما الكل افتكر إني معرفش أقرا المنيو.
ضحك لأول مرة من قلبه.
وأنتِ سكتّي أخطر راجل في مصر... بكلمتين بالفرنسي.
نظرت إلى الأفق وقالت
أوقات... كلمة محترمة أقوى من ألف تهديد.
وانتهت رحلتهما، لا بانتصار القوة...
بل بانتصار الحقيقة والكرامة.
النهاية ابتسم الرجل ابتسامة هادئة وهو يرى الذهول على وجوههم.
قال ياسين بصرامة
انزل سلاحك... وقول إنت مين.
رفع الرجل يديه ببطء.
اسمي كريم.
أنا مش عدوكم.
أنا جيت لأن الوقت خلص.
نظرت إليه سلمى بعينين دامعتين.
فين أختي؟
سكت كريم لثوانٍ، ثم أخرج من جيبه صورة حديثة.
كانت الصورة لامرأة تشبه سلمى إلى حدٍ كبير.
نفس العينين...
ونفس الابتسامة.
لكن شعرها كان أقصر.
التقطت سلمى الصورة بيد مرتجفة.
دي...
ابتسم كريم.
اسمها سارة.
عاشت طول عمرها وهي فاكرة إنها بنت يتيمة.
ولا تعرف إن ليها أخت توأم.
سأل ياسين
وليه مخبيينها كل السنين دي؟
أجاب كريم
لأن والدكم كان مقتنع إن لو حد عرف إن عنده بنتين، هيستخدم واحدة للضغط على التانية.
وده اللي حصل.
نظر الجميع إليه.
قال
من أسبوعين... سارة اختفت.
شهقت سلمى.
اختفت؟!
هز كريم رأسه.
اتخطفت.
وسابت وراها ظرف.
أخرج الظرف من جيبه.
كان مكتوبًا عليه بخط واضح
لو عايزين تشوفوا سارة تاني... هاتوا كل ملفات محمود الكيلاني.
قطب ياسين حاجبيه.
لكن الملفات كلها بقينا معانا.
ابتسم كريم بمرارة.
لا...
أنتم معاكم اللي والد سلمى كان عايزكم تلاقوه.
لكن في ملف أخير...
محدش وصله.
سألته سلمى
فين؟
قال وهو ينظر مباشرة إلى ياسين
في البنك المركزي.
ساد الصمت.
ثم انفجر ياسين ضاحكًا لأول مرة.
نظر الجميع إليه باستغراب.
قال
لأ...
الموضوع خرج من المنطق.
كل شوية يطلع ملف جديد، وسر جديد، وشخص جديد.
أغلق المسدس ووضعه في جرابه.
ثم التفت إلى سلمى.
أبوكي خلّص رسالته، وكمال اتحاسب، والحقيقة ظهرت.
لو فيه جريمة جديدة أو خطف جديد، فهي قضية جديدة... مش امتداد للقصة دي.
ابتسمت سلمى رغم دموعها.
وأدركت أنه محق.
بعض الأسرار تنتهي.
ولو استمرت في مطاردة كل لغز، فلن تعيش أبدًا.
وضعت الصورة داخل حقيبتها، وقالت
لو أختي موجودة فعلًا... هدور عليها.
لكن مش بدافع الانتقام.
بدافع إنها عيلة.
ابتسم كريم وأومأ برأسه.
وغادر المخزن.
أما ياسين وسلمى، فخرجا إلى رصيف الميناء.
كانت الشمس تشرق فوق البحر.
نظر إليها ياسين وقال
فاكرة أول مرة شفتك؟
ابتسمت.
لما الكل افتكر إني معرفش أقرا المنيو.
ضحك لأول مرة من قلبه.
وأنتِ سكتّي أخطر راجل في مصر... بكلمتين بالفرنسي.
نظرت إلى الأفق وقالت
أوقات... كلمة محترمة أقوى من ألف تهديد.
وانتهت رحلتهما، لا بانتصار القوة...
بل بانتصار الحقيقة والكرامة.
النهاية هذه القصة وصلت بالفعل إلى نهاية مكتملة، وأي استمرار بعدها سيجعل الأحداث تعتمد على مفاجآت متكررة أخ جديد، أخت جديدة، ملف جديد... بشكل يضعف الحبكة.
إذا أردت الحفاظ على قوة الرواية، فمن الأفضل أن تبدأ قصة جديدة بأبطال جدد، أو تكتب جزءًا ثانيًا مستقلًا بأحداث جديدة، بدلًا من إضافة أسرار بلا نهاية إلى القصة نفسها.
يمكن أن يبدأ الجزء الثاني مثلًا هكذا
بعد خمس سنوات...
أصبحت سلمى صاحبة أشهر سلسلة مطاعم في مصر، بينما ابتعد ياسين تمامًا عن عالم النفوذ. وفي إحدى الليالي، دخلت فتاة صغيرة إلى المطعم، وقدمت لسلمى قلادة فضية تشبه تمامًا القلادة التي تركها لها والدها.
قالت الطفلة بهدوء
واحد عجوز قالي أسلمها ليكي... وقال إن وقت تنفيذ الوعد جه.
وما إن فتحت سلمى القلادة، حتى وجدت بداخلها ورقة صغيرة مكتوبًا عليها
ليس كل من مات... مات فعلًا.
بهذا تبدأ مغامرة جديدة، مع الاحتفاظ بنهاية الجزء الأول قوية ومتماسكة، بدلًا من إطالة الحبكة الأصلية إلى ما لا نهاية بعد خمس سنوات...
لم يعد أحد يناديها بالنادلة.
أصبحت سلمى الكيلاني صاحبة سلسلة مطاعم ناجحة، وأصبح اسمها مرتبطًا بالنجاح أكثر من المأساة.
أما ياسين...
فاختفى عن الأضواء.
باع معظم شركات العائلة، وأنشأ مؤسسة خيرية تحمل اسم والد سلمى، تساعد الطلاب غير القادرين على استكمال تعليمهم.
كان كل شيء هادئًا...
إلى أن دخلت طفلة في التاسعة من عمرها إلى أحد فروع المطعم.
كانت ترتدي فستانًا بسيطًا، وتمسك بيدها قلادة فضية قديمة.
وقفت أمام سلمى وقالت
حضرتك سلمى؟
ابتسمت سلمى.
أيوه يا حبيبتي.
مدّت الطفلة يدها بالقلادة.
واحد عجوز ادّاهالي وقال أسلمهالك.
أخذتها سلمى.
وبمجرد أن رأت القلادة...
تغيّر لون وجهها.
كانت نسخة مطابقة تمامًا لقلادة والدها.
فتحتها بسرعة.
وجدت بداخلها ورقة صغيرة.
كُتب عليها بخط تعرفه جيدًا
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى حد حاول يزوّر الحقيقة من جديد.
ارتجفت يداها.
في أسفل الورقة كان هناك عنوان واحد
دار الوثائق القومية القاهرة.
بعد ساعة، كانت هي وياسين يقفان أمام المبنى.
دخلوا إلى قاعة الأرشيف.
استقبلهم موظف مسن.
نظر إلى القلادة، ثم قال بهدوء
كنت مستني اليوم ده من خمس سنين.
أخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا من خزانة حديدية.
وقال
أبوكي سلّمه للدولة قبل وفاته، وقال ما يتفتحش إلا لما سلمى تيجي بنفسها.
فتحت الصندوق.
لم تجد ذهبًا...
ولا ملفات.
بل دفترًا صغيرًا.
في أول صفحة كتب والدها
يا بنتي... لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا نجحت في أهم حاجة... خليتك تختاري طريق الشرف مهما كان صعب.
ابتسمت سلمى وسط دموعها.
وقلبت الصفحة التالية.
كانت فارغة...
إلا من سطر واحد
الثروة بتخلص... السلطة بتزول... لكن السمعة الطيبة هي الإرث الوحيد اللي يستحق إن الإنسان يسيبه.
أغلقت الدفتر.
نظرت إلى ياسين.
ثم قالت وهي تبتسم لأول مرة منذ سنوات
أظن دي كانت آخر رسالة.
ابتسم ياسين هو الآخر.
وأحسن رسالة.
خرجا من دار الوثائق، بينما كانت شمس الغروب تلوّن سماء القاهرة.
هذه المرة...
لم يكن هناك مطاردة.
ولا إطلاق نار.
ولا أسرار جديدة.
فبعض القصص تنتهي عندما يتعلم أبطالها أن أعظم انتصار ليس كشف لغز جديد...
بل أن يعيشوا حياةً لم يعد الماضي يتحكم فيها.
تمت بعد مرور شهر على آخر رسالة من والدها...
أغلقت سلمى الدفتر ووضعته داخل خزنة صغيرة في منزلها.
لم تعد تريد مطاردة الماضي.
كانت تريد أن تعيش.
وفي صباح أحد الأيام، بينما كانت تتفقد أحد فروع مطاعمها الجديدة في الإسكندرية، دخل رجل مسن يرتدي بدلة رمادية بسيطة.
طلب كوب شاي فقط.
ثم قال للنادل
لو سمحت... بلغ مدام سلمى إن واحد اسمه حسن المنياوي عايز يشوفها.
ما إن سمعت الاسم حتى شعرت بشيء غريب.
لم يكن الاسم مألوفًا...
لكنها شعرت أن والدها ذكره يومًا ما.
جلست أمامه.
ابتسم الرجل بهدوء، ثم أخرج ساعة جيب قديمة ووضعها على الطاولة.
قال
دي كانت مع والدك في آخر يوم شوفته فيه.
تأملت الساعة.
كانت مختلفة عن كل ما رأته من قبل.
فتحها الرجل، فلم تجد بداخلها رسالة أو مفتاحًا.
بل صورة صغيرة جدًا تجمع والدها مع مجموعة من الأطفال.
قالت سلمى باستغراب
مين دول؟
ابتسم حسن.
أولاد دار أيتام كان والدك بيتكفل بمصاريفهم في السر.
اندهشت.
بابا عمره ما قال لي.
هز الرجل رأسه.
كان بيقول إن الخير لما يتقال عليه... يبقى ناقص.
ساد الصمت.
ثم أخرج الرجل دفترًا صغيرًا.
قال
بعد وفاة والدك، الفلوس انقطعت.
والدار دلوقتي على وشك يقفل.
نظرت سلمى إلى الصور مرة أخرى.
كانت ترى في عيون الأطفال نفس الخوف الذي عاشته هي يوم كانت نادلة لا يراها أحد.
رفعت رأسها وقالت بحسم
الدار مش هيقفل.
ابتسم الرجل.
كنت عارف إنك هتقولي كده.
في اليوم التالي...
ذهبت سلمى وياسين إلى دار الأيتام.
كان المبنى قديمًا، والجدران متشققة، والأثاث متهالك.
لكن الأطفال...
كانوا يستقبلونهم بابتسامات صافية.
اقترب طفل صغير من ياسين.
نظر إلى ساعته الفاخرة، ثم سأله ببراءة
هو إنت غني؟
ضحك ياسين.
الحمد لله.
قال الطفل
طب ممكن تشتري لنا كورة؟
نظر ياسين إلى سلمى، ثم انفجر الاثنان ضاحكين.
قال
كورة بس؟
ابتسم الطفل.
آه... عشان نلعب كلنا.
في تلك اللحظة، شعر ياسين أن كل الأموال التي امتلكها يومًا لم تمنحه هذا الشعور.
وبعد أشهر...
أعيد ترميم الدار بالكامل.
افتُتحت مكتبة صغيرة باسم السفير محمود الكيلاني.
وملعب يحمل اسم عبدالعزيز.
وفي حفل الافتتاح، وقفت سلمى تلقي كلمة قصيرة.
قالت
زمان، الناس كانت بتبص ليا كنادلة فقيرة، وماحدش كان يعرف حكايتي.
النهارده اتعلمت إن قيمة الإنسان مش في هدومه، ولا في منصبه، ولا في فلوسه.
القيمة الحقيقية في أثره بعد ما يمشي.
صفق الجميع.
وكان ياسين أول الواقفين.
اقترب منها بعد انتهاء الحفل، وقال مبتسمًا
فاكرة أول مرة شفتك؟
ضحكت.
أكيد... لما اتقال إني معرفش أقرا المنيو.
أخرج من جيبه قائمة طعام جديدة، وضعها أمامها، وقال مازحًا
طب شوفي المنيو دي كده... أصل صاحبة المطعم لازم تراجعها.
أخذتها سلمى وهي تضحك.
لكنها توقفت فجأة.
في آخر صفحة، أسفل القائمة، كانت هناك جملة كتبها ياسين بنفسه
إلى الفتاة التي أثبتت أن الكرامة أغلى من السلطة... هل تقبلين أن تكملي بقية العمر معي؟
رفعت رأسها، والدموع تملأ عينيها.
لم تقل كلمة.
اكتفت بابتسامة هادئة، وهزت رأسها بالموافقة.
تعالت تصفيقات الأطفال، بينما أخرج ياسين خاتمًا بسيطًا ووضعه في يدها.
وبعد أشهر قليلة...
امتلأ المطعم الذي بدأت فيه الحكاية بالورود والضحكات.
ولم تكن سلمى ترتدي زي النادلات هذه المرة...
بل فستان زفافها.
وانتهت القصة كما بدأت...
داخل مطعم.
لكن الفرق...
أن الفتاة التي سخر منها الجميع لأنها لا تعرف قراءة المنيو أصبحت صاحبة المكان، وصاحبة الحكاية، وصاحبة النهاية السعيدة. ابتسمت سلمى وهي تنظر إلى خاتمها.
كان بسيطًا...
لكن قيمته عندها كانت أكبر من أي قطعة ألماس.
اقترب منها ياسين وقال مازحًا
يعني ده موافقة؟
ضحكت وسط دموعها.
هو في حد يسيبك واقف كده؟
صفق الأطفال بحرارة، بينما صاح أحدهم
عايزين فرح كبير!
رد ياسين وهو يضحك
أكبر فرح... بس أنتم أول المعازيم.
بعد ثلاثة أشهر...
امتلأت حديقة كبيرة على ضفاف النيل بالمدعوين.
لم يكن الفرح يشبه حفلات رجال الأعمال.
لم تكن هناك مبالغة ولا استعراض.
كان بسيطًا...
دافئًا...
ومليئًا بالوجوه التي وقفت بجانب سلمى في أصعب أيامها.
حتى مدير مطعم لو شاتوه حضر الحفل.
اقترب منها بخجل وقال
يا بنتي... أنا ظلمتك زمان.
ابتسمت سلمى.
لو الزمن رجع، كنت هتتصرف غير كده؟
أطرق رأسه.
أيوه.
مدت يدها وصافحته.
خلاص... أنا سامحتك.
أما داليا...
الفتاة التي سخرت منها يومًا أمام الجميع...
فكانت تتابع الحفل من بعيد.
ترددت كثيرًا قبل أن تقترب.
وقفت أمام سلمى وقالت بصوت منخفض
أنا عارفة إن الاعتذار متأخر...
لكن أنا آسفة.
ساد الصمت.
ثم ابتسمت سلمى وقالت
كلنا بنغلط... المهم نتعلم.
تنفست داليا الصعداء، وغادرت وهي تشعر لأول مرة منذ سنوات أن حملًا ثقيلًا سقط عن كتفيها.
بعد عام...
افتتحت سلمى وياسين مؤسسة خيرية جديدة.
لم تحمل اسم أي منهما.
بل حملت اسمًا واحدًا فقط
مؤسسة الكرامة.
كان هدفها تعليم الشباب، ومساعدة الأسر البسيطة، وتوفير منح دراسية لمن لا يستطيعون إكمال تعليمهم.
وفي أول يوم عمل...
دخلت فتاة في السابعة عشرة من عمرها تطلب وظيفة.
كانت ترتدي ملابس قديمة، وتحاول إخفاء ارتباكها.
ابتسمت سلمى عندما رأتها.
كأنها رأت نفسها قبل سنوات.
سألتها
اسمك إيه؟
قالت بخجل
مريم.
تعرفي تتكلمي أي لغات؟
ابتسمت الفتاة بخجل أكبر.
فرنساوي... بس الناس بتستغرب لما أقول كده.
ضحكت سلمى.
ثم ناولتها قائمة طعام باللغة الفرنسية وقالت
طب اقريها.
بدأت مريم تقرأ بطلاقة.
نظر إليها ياسين، ثم ابتسم.
قال لسلمى بصوت منخفض
التاريخ بيعيد نفسه.
هزت سلمى رأسها.
لا...
المرة دي النهاية هتكون مختلفة.
التفتت إلى مريم وقالت
مبروك... إنتِ اتقبلتي.
امتلأت عينا الفتاة بالدموع.
بجد؟
أيوه... لكن بشرط.
إيه هو؟
ابتسمت سلمى وقالت
أول ما تشوفي حد بسيط أو فقير... افتكري إن ممكن يكون عنده حكاية محدش يعرفها.
هزت مريم رأسها.
وللمرة الأولى منذ سنوات...
شعرت سلمى أن الدرس الذي تعلمته من أصعب أيام حياتها لم ينتهِ عندها.
بل انتقل إلى شخص آخر.
وهكذا...
لم تُخلّدها الثروة، ولا النفوذ، ولا الأسرار...
بل خلدها أنها لم تسمح للألم أن يحولها إلى شخص قاسٍ.
تمت القصة. بعد مرور خمس سنوات...
لم يعد مطعم لو شاتوه مجرد مطعم فاخر.
أصبح مكانًا يقصده الناس لأنهم يعرفون حكايته.
حكاية النادلة التي سخر منها الجميع، ثم أصبحت مالكة المكان.
في أحد الأيام، كان المطعم مزدحمًا كعادته.
دخل شاب في العشرين من عمره، تبدو عليه علامات الإرهاق.
قال لموظف الاستقبال
أنا عندي معاد مع مدام سلمى.
خرجت سلمى بنفسها.
ابتسم الشاب وقال
حضرتك ما تعرفينيش... لكن
تم نسخ الرابط