كنت عارفة من شهور حكايات ميراا

لمحة نيوز

الشركة هتعيش مهما كبرت.
ابتسمت.
وأعدت الصورة إلى الظرف.
في الأسبوع التالي...
علّقنا الصورة في المدخل الرئيسي للشركة.
كل موظف يدخل...
كان يقف لحظة يتأملها.
وبجانبها لوحة صغيرة كُتب عليها
كل نجاح نعيشه اليوم... بدأ بحلم صغير وإخلاص مجموعة من الناس.
ومن يومها...
لم تعد الشركة مجرد مكان للعمل.
بل أصبحت قصة يضيف كل موظف فيها صفحة جديدة... دون أن ينسى الصفحات الأولى التي صنعت البداية الجزء التالي
مرّت عدة أشهر...
وكانت الشركة تعيش أفضل فتراتها منذ تأسيسها.
لكن في أحد الأيام...
وصل خطاب رسمي إلى مجلس الإدارة.
كان مختومًا بختم المحكمة الاقتصادية.
ساد الهدوء في القاعة.
نظر الجميع إلى الخطاب قبل أن يفتحه المستشار القانوني.
قرأه ببطء...
ثم ابتسم.
قال
اطمنوا... مفيش قضية.
تنفس الجميع الصعداء.
ثم أكمل
دي دعوة لحضور جلسة تحكيم بين شركتين كبار، وطلبوا ترشيح خبير محاسبة جنائية من شركتنا.
التفتت الأنظار نحوي.
قال رئيس المجلس
أنا برشح ليلى.
وافق الجميع بالإجماع.
بعد أيام...
دخلت قاعة التحكيم.
كانت مليئة بالمحامين والخبراء.
أمام كل طرف عشرات الملفات.
القضية معقدة.
وفيها عقود تمتد لسنوات.
استغرقت مراجعة المستندات أسبوعين كاملين.
كنت أقرأ كل بند أكثر من مرة.
وأقارن كل رقم بما قبله.
حتى وصلت إلى ملاحظة صغيرة...
كانت تبدو غير مهمة.
لكنها غيّرت مسار القضية بالكامل.
قدمت تقرير المراجعة.
وبعد ساعات من المناقشات...
أعلنت هيئة التحكيم قرارها.
وأشادت بدقة التقرير.
بعد انتهاء الجلسة...
اقترب مني أحد رجال الأعمال.
وقال
إحنا محتاجين ناس عندها نفس الدقة دي.
شكرته بابتسامة.
لكني اعتذرت عن أي عروض.
كان هدفي واضحًا...
تطوير الشركة التي بنيت معها كل هذه الرحلة.
بعد عودتي...
فوجئت بأن الموظفين كانوا قد أعدوا استقبالًا بسيطًا.
لافتة صغيرة كُتب عليها
أهلًا بعودة من رفعت اسم شركتنا.
ابتسمت وأنا أنظر إليهم.
وقلت
النجاح ده باسمكم كلكم.
رد أحد الموظفين ضاحكًا
بس التقرير حضرتك اللي كتبتيه.
ضحك الجميع.
وعادت أجواء العمل.
في نهاية الأسبوع...
دعاني رئيس مجلس الإدارة إلى مكتبه.
قال وهو يناولني ملفًا جديدًا
ده أكبر مشروع توسع في تاريخ الشركة.
فتحت الملف.
وجدت دراسة لإنشاء مقر إداري جديد، ومركز تدريب، وأكاديمية لتأهيل المحاسبين الشباب.
رفعت رأسي إليه.
قال مبتسمًا
إحنا مش بنبني مبنى جديد... إحنا بنبني جيل جديد.
أغلقت الملف بهدوء.
وأجبت
يبقى لازم نحطه على أسس قوية... زي ما عملنا من أول يوم.
صافحني وهو يقول
وده السبب اللي خلانا نوصل لحد هنا.
خرجت من مكتبه، وأنا أحمل الملف بين يدي.
لكن في داخلي...
كنت أحمل مسؤولية أكبر من أي وقت مضى.
لأن الحفاظ على النجاح...
أصعب بكثير من الوصول إليه الجزء التالي
بدأ تنفيذ مشروع الأكاديمية بعد أسابيع قليلة.
خصصنا جزءًا من المقر الجديد ليكون مركزًا للتدريب العملي.
لم يكن الهدف مجرد إعطاء محاضرات.
بل إعداد جيل يعرف أن الأرقام ليست مجرد جداول...
بل مسؤولية.
في أول يوم استقبال للمتدربين...
دخل أكثر من مائة شاب وشابة.
كانت الحماسة واضحة على وجوههم.
وقفت أمامهم وقلت
ممكن أي حد يتعلم يراجع فاتورة أو يعمل تقرير.
ثم توقفت لحظة.
وأكملت
لكن المحاسب الحقيقي هو اللي يعرف يسأل السؤال الصحيح قبل ما يدور على الإجابة.
ساد الصمت.
ثم بدأ الجميع يدون الملاحظات.
بعد انتهاء المحاضرة...
اقترب مني شاب في بداية العشرينات.
قال
حضرتك... أنا قدمت في خمس شركات قبل كده واترفضت.
ابتسمت.
وسألته
وليه مكملتش محاولة؟
قال
كل مرة كنت بحس إني مش كفاية.
ناولته بطاقة التدريب.
وقلت
الفرصة الحقيقية بتبدأ من أول مرة تقرر متستسلمش.
خرج من المكتب وهو يبتسم.
ولم أكن أعرف وقتها...
أنه سيكون من أفضل الموظفين بعد سنوات.
في الوقت نفسه...
كان العمل في المقر الجديد يسير بسرعة.
كل أسبوع كنت أزور الموقع.
وأتأكد من التفاصيل بنفسي.
وفي إحدى الزيارات...
لاحظت أن أحد المقاولين اقترح استخدام خامات أقل جودة لتقليل التكلفة.
رفضت فورًا.
قال
الفرق مش هيبان.
أجبته بهدوء
يمكن النهارده مش يبان... لكن بعد عشر سنين هيبان.
أغلق الملف.
ووافق على تنفيذ المواصفات الأصلية.
بعد عام...
افتتحنا المبنى الجديد.
كانت القاعة الرئيسية ممتلئة.
موظفون.
عملاء.
شركاء.
وعدد من خريجي الدفعة الأولى للأكاديمية.
وقف رئيس مجلس الإدارة وقال
زمان كنا بنفكر إزاي نحافظ على الشركة.
ثم أشار إلى المبنى.
وأكمل
النهارده بقينا بنفكر إزاي نصنع شركات ناجحة تانية من خلال الناس اللي بندربهم.
بعد انتهاء الحفل...
أخذت جولة وحدي داخل المبنى.
مررت على قاعات التدريب.
والمكتبة.
وغرف الاجتماعات.
وفي نهاية الممر...
وجدت لوحة رخامية.
اقتربت منها.
كان مكتوبًا عليها
هذا المركز أُنشئ إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي... يبدأ بالإنسان.
وقفت أمامها طويلًا.
ثم ابتسمت.
لأنني تذكرت كل خطوة بدأت منها الرحلة.
ملف صغير.
سؤال واحد.
وقرار بعدم تجاهل الحقيقة.
واليوم...
لم يعد أثر تلك القرارات يظهر في ميزانية الشركة فقط.
بل في كل شخص دخل هذا المكان، وتعلم أن النجاح لا يصنعه الحظ...
بل تصنعه الأمانة، والعلم، والعمل المستمر الجزء التالي
بعد افتتاح الأكاديمية بستة أشهر...
بدأت نتائجها تظهر بشكل واضح.
عدد من الشركات الكبرى طلبت التعاقد مع خريجيها.
وأصبح اسمها يتردد في المؤتمرات الاقتصادية باعتبارها واحدة من أفضل برامج التدريب العملي.
لكن في أحد الاجتماعات...
قال المدير المالي
فيه مشكلة لازم نتكلم فيها.
ساد الصمت.
عرض على الشاشة مجموعة من الرسوم البيانية.
وقال
مبيعاتنا مستقرة... لكن المنافسة بقت أقوى من أي وقت فات.
سألته
إيه السبب؟
أجاب
في شركات جديدة دخلت السوق بأسعار أقل.
بدأ أعضاء المجلس يقترحون حلولًا.
واحد قال
نخفض الأسعار.
وآخر قال
نقلل المصروفات.
استمعت للجميع.
ثم قلت
لو نافسنا بالسعر هنخسر.
نظروا إليّ باستغراب.
أكملت
لكن لو نافسنا بالجودة والثقة... هنكسب.
طلبت إعداد دراسة كاملة عن احتياجات العملاء.
استغرقت الدراسة شهرين.
اكتشفنا أن أغلب العملاء لا يبحثون عن أرخص خدمة...
بل عن أسرع استجابة وأوضح تقارير.
بدأنا نعيد تنظيم فرق العمل.
أنشأنا إدارة لخدمة كبار العملاء.
وخصصنا فريقًا لمتابعة كل مشروع بعد تسليمه.
خلال ثلاثة أشهر فقط...
بدأت النتائج تتغير.
رجع عملاء قدامى.
وانضم عملاء جدد.
بل إن بعض الشركات التي كانت تتعامل مع المنافسين قررت نقل أعمالها إلينا.
وفي نهاية السنة...
عقد مجلس الإدارة اجتماعًا لتقييم الأداء.
فتح المدير المالي التقرير.
ثم ابتسم.
وقال
أعلى نسبة نمو في تاريخ الشركة.
نظر الجميع إلى الشاشة.
كانت الأرقام تتحدث وحدها.
لكن أكثر ما لفت انتباهي...
أن نسبة رضا العملاء تجاوزت كل التوقعات.
بعد الاجتماع...
جاءتني رسالة من أحد العملاء.
كتب فيها
إحنا اخترناكم مش لأنكم الأرخص... لكن لأننا واثقين إنكم هتقولوا الحقيقة حتى لو كانت صعبة.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم احتفظت بها داخل مكتبي.
لأنها كانت تلخص كل ما حاولنا بناءه طوال السنوات الماضية.
في مساء ذلك اليوم...
صعدت إلى سطح المبنى الجديد.
كانت القاهرة تلمع بالأضواء.
وقفت أتأمل المدينة.
ثم سمعت خطوات خلفي.
التفت.
كان رئيس مجلس الإدارة.
وقف بجواري وقال مبتسمًا
عارفة إيه أكتر حاجة اتغيرت؟
سألته
إيه؟
قال
زمان الناس كانت تثق في اسم الشركة.
ثم نظر إلى المبنى وأضاف
النهارده... بقت تثق في المبادئ اللي الشركة بتمثلها.
ابتسمت في هدوء.
لأنني أدركت أن أعظم إنجاز لم يكن تحقيق الأرباح...
ولا الفوز بالمشروعات...
بل بناء ثقافة كاملة، تجعل كل قرار يُتخذ على أساس النزاهة والمسؤولية، مهما تغيرت الظروف أو الأشخاص الجزء التالي
بعد أسابيع...
كنت بمراجعتي المعتادة لتقارير الإدارات.
ولاحظت رقمًا غريبًا.
ليس خطأ.
ولا مخالفة.
لكن معدل استقالة الموظفين الجدد ارتفع خلال آخر ثلاثة أشهر.
أغلقت التقرير.
وطلبت اجتماعًا عاجلًا مع إدارة الموارد البشرية.
دخل المدير ومعه الملفات.
قلت له
إحنا بنوظف أفضل الكفاءات... ليه بيمشوا بسرعة؟
فتح أحد التقارير وقال
الرواتب مناسبة، وساعات العمل طبيعية.
ابتسمت.
وقلت
إذن المشكلة مش في الأرقام.
قررت أقابل الموظفين بنفسي.
من غير مديرين.
ومن غير مشرفين.
جلسنا في قاعة التدريب.
وقلت لهم
عايزة أسمع منكم... بكل صراحة.
في البداية...
لم يتكلم أحد.
ثم رفعت إحدى الموظفات يدها.
وقالت
إحنا بنحب الشغل... لكن ساعات بنحس إننا خايفين نغلط.
تكلم موظف آخر
أي حد جديد بيحتاج حد يعلمه.
وأضاف ثالث
لما بنسأل... بنحس إننا بنضيع وقت الناس.
سجلت كل كلمة.
ولم أقاطع أحدًا.
في اليوم التالي...
أصدرت قرارًا جديدًا.
كل موظف جديد...
سيكون معه مشرف من ذوي الخبرة لمدة ثلاثة أشهر.
وأي خطأ في فترة التدريب...
سيعتبر فرصة للتعلم، وليس سببًا للعقاب.
اعترض بعض المديرين.
قال أحدهم
ده هيضيع وقت الموظفين القدامى.
ابتسمت.
وأجبته
الوقت اللي هنستثمره في تعليم الناس... هيوفر علينا سنين من الأخطاء.
بعد ستة أشهر...
انخفضت نسبة الاستقالات إلى أقل مستوى منذ تأسيس الشركة.
بل إن بعض الموظفين الذين تركوا العمل...
طلبوا العودة مرة أخرى.
وفي نهاية العام...
أقامت الأكاديمية حفل تخرج دفعة جديدة.
لكن هذه المرة...
لم يكن الخريجون من خارج الشركة فقط.
كان بينهم عشرات من الموظفين الذين بدأوا معنا متدربين، ثم أصبحوا قادة فرق.
وأثناء الحفل...
صعد أحدهم إلى المنصة.
وقال
أول يوم دخلت الشركة... كنت فاكر إن النجاح معناه أبقى مدير.
ابتسم.
ثم أكمل
لكن اتعلمت هنا إن النجاح الحقيقي... إنك تسيب المكان اللي بعدك أفضل مما
استلمته.
ساد الصمت.
ثم بدأ الجميع يصفق.
بعد انتهاء الحفل...
عدت إلى مكتبي.
فتحت الدرج القديم.
وجدت أول مفكرة كنت أكتب فيها ملاحظاتي.
في أول صفحة...
كانت هناك جملة كتبتها منذ سنوات
لا تتخذي قرارًا وأنتِ غاضبة... ولا تؤجلي قرارًا تعرفين أنه صحيح.
ابتسمت.
وأغلقت المفكرة.
ثم وضعتها في مكتبة الأكاديمية، داخل صندوق زجاجي صغير، ومعها بطاقة مكتوب عليها
كل نجاح كبير... بدأ بملاحظة صغيرة، وقرار شجاع، وإصرار على فعل الصواب.

تم نسخ الرابط