كنت عارفة من شهور حكايات ميراا

لمحة نيوز

مليئًا بالملفات القديمة.
وصلت إلى الخزنة.
أدخلت المفتاح.
دار بصعوبة...
ثم انفتح الباب.
في الداخل...
وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحته.
كان مليئًا بعقود قديمة، ومراسلات رسمية، وتقارير مراجعة تعود إلى السنوات الأولى لتأسيس الشركة.
وبين الأوراق...
وجدت خطابًا مكتوبًا باسم مؤسس الشركة.
جلست أقرأه في صمت.
كان الخطاب يقول
إذا وصل هذا الخطاب إلى الإدارة الحالية، فمعناه أن الشركة تجاوزت أصعب مراحلها. حافظوا عليها، ولا تسمحوا لأي خلاف شخصي أن يكون أقوى من مصلحة المؤسسة.
أغلقت الخطاب ببطء.
شعرت أن الرجل، رغم رحيله منذ سنوات، كان يترك رسالة لكل من سيحمل المسؤولية بعده.
خرجت من الأرشيف وأنا أحمل الصندوق.
وفي أول اجتماع لمجلس الإدارة...
وضعت الخطاب أمام الجميع.
قرأه رئيس المجلس بصوت مسموع.
ساد الصمت.
ثم قال
يبدو أن دي الرسالة اللي كنا محتاجين نفتكرها.
ابتسمت.
وأجبت
ومن النهارده... هتفضل نسخة منها في كل مكتب مدير داخل الشركة.
وافق الجميع.
وفي نهاية الاجتماع...
تم اعتماد قرار جديد.
أن تكون الشفافية والمراجعة الدورية جزءًا ثابتًا من نظام الشركة، مهما تغيرت الإدارات.
وعندما خرجت من القاعة...
شعرت أن الحكاية لم تكن عن منصب...
ولا عن صراع...
بل عن بناء إرث يظل قائمًا حتى بعد رحيل أصحابه الجزء التالي
بعد قرار مجلس الإدارة بتطبيق نظام جديد للرقابة...
لم يكن الجميع سعيدًا.
في أول أسبوع...
وصلتني رسالة مجهولة على البريد الإلكتروني للشركة.
لم تكن تحمل اسمًا.
ولا توقيعًا.
مجرد جملة واحدة
لو استمريتِ في فتح الملفات القديمة... هتخسري ناس كتير بتثقي فيهم.
أغلقت الرسالة بهدوء.
لم أخف.
لكنني أدركت أن هناك من لا يريد للمراجعة أن تكتمل.
في صباح اليوم التالي...
استدعيت مدير تقنية المعلومات.
قلت له
عايزة أعرف الرسالة دي اتبعتت منين.
أجاب بعد ساعات من الفحص
المرسل استخدم أكثر من وسيلة لإخفاء هويته، لكن في حاجة غريبة.
سألته
إيه هي؟
قال
الرسالة خرجت من داخل مبنى الشركة.
ساد الصمت.
يعني الشخص اللي بيحاول يخوفني...
كان بيشتغل معنا.
قررت ما أقولش لحد.
بل بدأت أراقب كل شيء.
الاجتماعات.
الملفات.
وحركة المستندات بين الإدارات.
بعد أيام...
اكتشفت أن بعض الملفات كانت بتتأخر في الوصول لإدارة المراجعة.
مش بتختفي...
لكن كانت بتوصل بعد موعدها.
وده كان كفيل إنه يعطل اتخاذ قرارات مهمة.
طلبت تقريرًا بكل حركة الملفات خلال آخر سنة.
وفي نهاية التقرير...
ظهر اسم واحد بيتكرر أكتر من أي اسم.
مدير إدارة المشتريات...
حسام رفعت.
استدعيته للمكتب.
دخل وهو مبتسم.
قال
خير يا فندم؟
وضعت التقرير أمامه.
ممكن تشرحلي ليه بعض الملفات كانت بتوصل متأخرة؟
نظر إلى الأوراق.
ثم قال
يمكن ضغط شغل.
ابتسمت.
وأخرجت تقريرًا ثانيًا.
الغريب إن التأخير كان بيحصل في ملفات معينة بس.
اختفت ابتسامته.
لكنه تماسك وقال
أكيد مجرد صدفة.
أنهيت المقابلة بدون أي اتهام.
كنت أحتاج دليلًا...
وليس مجرد شك.
بعد أسبوع...
اكتشفت لجنة المراجعة شيئًا جديدًا.
كانت هناك عقود توريد يتم تجديدها تلقائيًا منذ سنوات، رغم وجود شركات تقدم أسعارًا أفضل.
كل الإجراءات كانت قانونية.
لكنها لم تكن الأفضل لمصلحة الشركة.
قررت تشكيل لجنة منافسات جديدة.
وأعلنت أن أي عقد سيتم تجديده سيخضع لمنافسة مفتوحة.
انتشر القرار في كل الإدارات.
وبدأت الاعتراضات تظهر.
لكنني لم أتراجع.
بعد شهر...
انخفضت تكلفة المشتريات بنسبة خمسة عشر في المائة.
المبلغ الذي وفرته الشركة خلال شهر واحد...
كان أكبر من أرباح أحد الفروع في سنة كاملة.
اجتمع مجلس الإدارة.
قال رئيس المجلس مبتسمًا
واضح إن إعادة المراجعة كانت قرارًا في وقته.
لكن قبل أن أرد...
دخل السكرتير مسرعًا.
وقال
في وفد من هيئة رقابية خارج الشركة وصل دلوقتي، ومعاهم طلب رسمي للاطلاع على بعض الملفات.
نظر الجميع إليّ.
قلت بهدوء
يدخلوا فورًا.
دخل أعضاء الوفد.
توقع البعض أن تكون هناك مشكلة.
لكن رئيس الوفد ابتسم وقال
إحنا مش جايين نحقق... إحنا جايين نختار شركتكم ضمن برنامج الشركات صاحبة أفضل نظم الحوكمة.
ساد الصمت.
ثم انفجرت القاعة بالتصفيق.
أما أنا...
فتذكرت أول يوم بدأت فيه مراجعة أول ملف.
وقتها قال لي أحدهم
الورق عمره ما يغير الواقع.
ابتسمت وأنا أنظر إلى آلاف الملفات المرتبة داخل الأرشيف.
وقلت في نفسي
بالعكس... أحيانًا ورقة واحدة مكتوبة صح... بتغير مستقبل مؤسسة كاملة الجزء التالي
خبر اختيار الشركة ضمن برنامج أفضل نظم الحوكمة انتشر بسرعة.
الصحف الاقتصادية بدأت تتكلم عن التجربة.
واتصالات التهنئة ما كانتش بتقف.
لكن وسط كل ده...
كنت عارفة إن النجاح الحقيقي بيبدأ بعد أول إنجاز، مش قبله.
في صباح الاثنين...
دخلت الشركة بدري كعادتي.
لكن لفت نظري تجمع عدد من الموظفين قدام لوحة الإعلانات.
قربت منهم.
كان فيه إعلان جديد.
مسابقة داخلية لتطوير بيئة العمل، وأفضل فكرة هتتحول إلى مشروع تنفذه الشركة.
ابتسمت.
الاقتراح ده كان من موظفة صغيرة في قسم خدمة العملاء.
اسمها منى.
كانت لسه شغالة بقالها أربعة شهور.
ولما عرضت فكرتها، بعض المديرين قالوا إنها لسه جديدة.
لكن أنا أصريت إنها تاخد فرصتها.
بعد أسبوعين...
وصلت أكثر من مائتي فكرة من موظفين في كل الإدارات.
فيه اقتراحات لتقليل استهلاك الكهرباء.
وأخرى لتسريع دورة المستندات.
وأفكار لتطوير خدمة العملاء.
اكتشفنا وقتها إن الشركة كانت مليانة عقول مميزة...
لكن محدش كان بيسمعها.
وفي يوم إعلان النتائج...
دخلت القاعة ومعايا لجنة التقييم.
قلت للموظفين
كل فكرة اتبعتت اتقريت، وكل صاحب فكرة يستحق الشكر.
ثم أعلنت الفائزين.
لكن المفاجأة...
إننا قررنا ننفذ خمس أفكار، مش فكرة واحدة.
تعالى التصفيق.
ولأول مرة...
حس الموظفون إنهم شركاء في النجاح، مش مجرد منفذين.
بعد شهر...
بدأت نتائج الأفكار الجديدة تظهر.
وقت إنجاز المعاملات انخفض.
وشكاوى العملاء قلت بشكل ملحوظ.
ومعدل رضا الموظفين ارتفع.
حتى العملاء القدامى بدأوا يلاحظوا الفرق.
أحدهم قال في رسالة رسمية
واضح إن الشركة بقت تشتغل بروح مختلفة.
احتفظت بالرسالة في مكتبي.
لأنها كانت أهم من أي شهادة تقدير.
وفي نهاية العام...
أقيم حفل كبير بمناسبة مرور عشرين سنة على تأسيس الشركة.
وقف رئيس مجلس الإدارة على المنصة وقال
قبل سنوات، كنا بنفكر إزاي نخرج من أزمة.
ثم ابتسم وأكمل
النهارده إحنا بنحتفل بأفضل سنة في تاريخ الشركة.
بعدها طلب مني أطلع على المسرح.
وقفت وسط تصفيق الحضور.
لكن بدل ما أتكلم عن نفسي...
قلت
أي مؤسسة بتنجح لما كل شخص فيها يحس إن صوته مسموع، وإن مجهوده مقدر.
ساد الصمت.
ثم وقف جميع الموظفين يصفقون.
وفي الصفوف الأولى...
رأيت وجوهًا كانت في يوم من الأيام مختلفة معي في الرأي.
لكن النهارده...
كان هدفنا واحد.
نجاح الشركة.
بعد انتهاء الحفل...
رجعت مكتبي.
وجدت ظرفًا أبيض على المكتب.
فتحته.
كان بداخله خطاب بخط يد مؤسس الشركة، كان محفوظًا ضمن الأرشيف ولم يُقرأ من قبل.
وفي آخر سطر كتب
إذا جاء يوم وأصبحت فيه مصلحة المؤسسة أهم من مصلحة الأفراد... فاعلموا أن الشركة وصلت إلى النضج الحقيقي.
أغلقت الخطاب بهدوء.
ونظرت من نافذة المكتب إلى مبنى الشركة المضيء.
ثم ابتسمت...
لأنني شعرت لأول مرة أن كل ما مررنا به لم يكن مجرد سلسلة من الأزمات، بل رحلة طويلة لبناء مؤسسة تستحق أن تستمر لأجيال الجزء التالي
في صباح اليوم التالي...
كنت أول واحدة وصلت الشركة.
الهدوء كان يملأ المكان.
الموظفون لسه ما وصلوش.
حطيت فنجان القهوة على المكتب، وبدأت أراجع جدول الأسبوع.
اجتماعات.
مراجعة مشروع جديد.
توقيع عقود.
وزيارة من وفد استثماري.
يوم عادي...
أو ده اللي كنت فاكراه.
رن تليفون المكتب.
رفعته.
صباح الخير.
جالي صوت السكرتيرة
يا فندم... في راجل كبير مستني حضرتك في الاستقبال، ورافض يقول اسمه.
استغربت.
قلت
خليه يتفضل.
بعد دقائق...
دخل رجل في أواخر الستينيات.
كان أنيقًا جدًا.
ويمسك حقيبة جلد قديمة.
ابتسم وقال
واضح إنك مش فاكراني.
دققت في ملامحه.
ثم هززت رأسي.
ابتسم أكثر.
وقال
أنا يوسف البدري... أول مراجع حسابات اشتغل مع مؤسس الشركة.
وقفت احترامًا.
صافحته.
وقلت
اتفضل... يشرفني وجودك.
جلس بهدوء.
ووضع الحقيبة فوق المكتب.
ثم فتحها.
كانت مليئة بدفاتر قديمة.
قال
دي سجلات احتفظت بيها من أول يوم اتأسست فيه الشركة.
نظرت إليها بدهشة.
الأوراق كانت مكتوبة بخط اليد.
كل صفحة تحكي مرحلة من تاريخ المؤسسة.
قال يوسف
قبل ما أمشي على المعاش، مؤسس الشركة سلمني الدفاتر دي.
سألته
وليه جبتها دلوقتي؟
ابتسم.
وقال
لأنه قال لي جملة واحدة.
توقف لحظة.
ثم أكمل
سلّمها للي هيحافظ على الشركة... مش للي يديرها.
ساد الصمت.
لم أعرف ماذا أقول.
قضينا ساعات نقرأ معًا.
عرفت كيف بدأت الشركة.
وكيف كان أول مكتب عبارة عن غرفة صغيرة.
وأول خمسة موظفين كانوا بيعملوا كل حاجة بنفسهم.
حتى مؤسس الشركة...
كان أحيانًا يحمل الصناديق بيده.
لم يكن يخجل من أي عمل.
وكان يردد دائمًا
المنصب مسؤولية... مش امتياز.
كتبت الجملة في مفكرتي.
وقررت أنها ستُعلق في قاعة الاجتماعات.
قبل أن يغادر...
أخرج يوسف ظرفًا صغيرًا.
وقال
ودي آخر أمانة.
فتحته.
وجدت بداخله صورة قديمة بالأبيض والأسود.
كانت لأول فريق عمل في الشركة.
في الصف الأول...
وقف المؤسس مبتسمًا.
ومن خلفه مجموعة من الموظفين.
على ظهر الصورة...
كانت مكتوبة عبارة قصيرة
لو فضل الاحترام موجود بين الناس...
تم نسخ الرابط