كنت عارفة من شهور حكايات ميراا

لمحة نيوز

كنت حاسة من شهور إن جوزي كريم الشاذلي بيخبي عني سر كبير، لكن عمري ما واجهته.
لحد اليوم اللي شفته خارج من مركز طبي مع سكرتيرته ريم عزام، وكانوا ماسكين ظرف أوراق واضح إنه مهم.
أول ما الدكتور لمحني، بص لكريم باستغراب وقال
هو... حضرتك ما بلغتهاش لحد دلوقتي؟
وسلّمه التقرير.
في ثواني...
وش كريم فقد لونه.
وريم اتجمدت مكانها.
أما أنا...
فاكتفيت بابتسامة هادئة.
لأني كنت عارفة إن الورقة اللي في إيده... مجرد أول قطعة هتكشف الحقيقة كلها.
من شهور وأنا براجع حسابات الشركة بنفسي.
كل رقم كان بيقول إن في حاجة غلط.
تحويلات مالية غريبة.
عقود اتوقعت من غير علم مجلس الإدارة.
ومصاريف بملايين الجنيهات مالهاش أي مبرر.
كل ما أسأل كريم...
كان يبتسم ويقول
سيبي الإدارة عليا... إنتِ ركزي في شغلك.
لكنه ما كانش يعرف إن شغلي الحقيقي هو مراجعة الحسابات الجنائية.
ولا كان يعرف إن صندوق العيلة، اللي بيمتلك 51 من أسهم الشركة، الكلمة الأخيرة فيه كانت ليا.
عشان كده ما استعجلتش المواجهة.
احتفظت بنسخة من كل مستند.
وسجلت كل مخالفة.
واستنيت اللحظة المناسبة.
ولما شفته في المركز الطبي...
عرفت إن اللحظة دي وصلت.
فتح كريم التقرير بإيد بترتعش.
قرأ أول سطر...
وبعدين همس
إزاي...؟
بصيت له بهدوء وقلت
في النهاية... الحقيقة بتوصل لصاحبها.
رفع عينه يبصلي لأول مرة من غير ثقة.
ولأول مرة...
حس إنه فقد السيطرة.
لكن اللي ما كانش يعرفه...
إن التقرير ده ما كانش أخطر حاجة هتقابله.
لأن اجتماع مجلس الإدارة صباح اليوم التالي...
كان هيكشف سرًا أكبر بكتير، وهيغير ملكية الشركة كلها في دقائق في صباح اليوم التالي...
دخل كريم مقر الشركة وهو واثق إنه لسه المتحكم في كل حاجة.
الموظفين وقفوا أول ما شافوه، لكنه لاحظ إن الهمسات ماليه المكان.
سكرتير مجلس الإدارة قرب منه وقال بهدوء
الاجتماع بدأ من عشر دقايق... وكل الأعضاء مستنيين حضرتك.
دخل القاعة بسرعة.
أول ما فتح الباب...
اتفاجئ بيا قاعدة على رأس الطاولة.
قدامي ملفات زرقاء مرتبة بعناية، وعلى يميني المستشار القانوني للشركة، وعلى شمالي مراقب الحسابات الخارجي.
ابتسم كريم ابتسامة مصطنعة وقال
واضح إنكم بدأتم من غيري.
رديت بهدوء
لأن جدول الأعمال ما كانش يحتمل تأخير.
قعد في مكانه وهو بيحاول يبان هادي.
لكن نظراته كانت رايحة جاية بين الملفات اللي قدامي.
بدأت الاجتماع بكلمات قليلة
خلال الست شهور اللي فاتوا، تمت مراجعة جميع المعاملات المالية للشركة.
سكتت ثواني.
وبعدين فتحت أول ملف.
وتم اكتشاف مخالفات إدارية جسيمة.
كريم قاطعني بسرعة
اعتراض... الكلام ده لازم يتراجع.
المستشار القانوني رفع ملف تاني وقال
كل مستند موجود عليه توقيعات وأختام رسمية.
ساد الصمت.
واحد من أعضاء المجلس سأل
يعني حضرتك بتقولي إن في قرارات اتاخدت خارج صلاحيات المجلس؟
أومأت برأسي.
وده مثبت بالمستندات.
بدأت أعرض ورقة وراء ورقة.
تحويلات تمت من غير اعتماد.
عقود اتوقعت قبل موافقة المجلس.
مدفوعات اتصرفت من غير مستندات مكتملة.
كل مستند كان بيخلي ملامح كريم تتغير أكتر.
أما ريم...
فكانت قاعدة في آخر القاعة تدون الملاحظات، من غير ما تنطق بكلمة.
بعد ساعة كاملة...
أغلقت آخر ملف.
وقلت بهدوء
أنا ما جبتش الملفات دي عشان أتهم حد.
كل الموجودين بصوا ناحيتي.
أكملت
أنا جبتها عشان الشركة متخسرش أكتر من كده.
رفع رئيس المجلس نظارته وقال
إيه اقتراحك؟
وضعت أمامه ملفًا أخيرًا.
تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة كل القرارات المالية والإدارية خلال العامين الماضيين، وتعليق أي صلاحيات تنفيذية لحين انتهاء المراجعة.
ساد صمت ثقيل.
نظر الأعضاء لبعضهم.
ثم بدأ التصويت.
كريم كان بيحاول يتكلم...
لكن لأول مرة، محدش قاطعه ولا حتى بص ناحيته.
وبعد دقائق...
أعلن رئيس المجلس النتيجة.
الأغلبية وافقت.
في اللحظة دي...
أدرك كريم إن المعركة الحقيقية ما كانتش داخل المركز الطبي...
ولا حتى داخل الاجتماع.
المعركة الحقيقية كانت على الحقيقة نفسها.
والحقيقة...
كانت لسه بتكشف أوراق جديدة الجزء التالي
خرج معظم أعضاء مجلس الإدارة، لكن التوتر فضل مسيطر على القاعة.
فضل كريم واقف مكانه، وبص لي وقال بصوت منخفض
إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده من ورا ضهري؟
قفلت الملف قدامي بهدوء.
أنا ما خططتش ضدك... أنا كنت بحمي الشركة.
رد بعصبية
كل دي مجرد أخطاء إدارية.
المستشار القانوني تدخل وقال
وده بالضبط اللي اللجنة هتحدده. لو هي أخطاء، هيتقال إنها أخطاء. ولو فيها مسؤوليات، القانون هو اللي هيحكم.
سكت كريم.
لأول مرة، ملقاش رد.
بعد يومين...
بدأت لجنة المراجعة شغلها.
اتفتح الأرشيف بالكامل.
كل عقد، وكل تحويل، وكل فاتورة، وكل توقيع اتراجع من جديد.
وكل يوم كانت تظهر معلومة جديدة.
بعض الموردين اتقاضوا مبالغ أكبر من قيمة التعاقد.
وفي شركات متكررة كانت بتحصل على المناقصات بشكل يثير التساؤلات.
اللجنة ما وجهتش اتهامات.
لكنها سجلت كل الملاحظات بالأرقام والمستندات.
بعد أسبوع...
وصل التقرير المبدئي.
اجتمع مجلس الإدارة مرة تانية.
قرأ رئيس اللجنة أول صفحة، وقال
تم رصد عدد من المخالفات الإدارية والمالية التي تستلزم مراجعة تفصيلية، ونوصي بإعادة تنظيم إجراءات الاعتماد والرقابة الداخلية.
ساد الهدوء.
ثم أكمل
كما نوصي بتعيين مدير تنفيذي مؤقت لحين انتهاء أعمال اللجنة.
نظر الجميع إلى رئيس المجلس.
ثم جاءت المفاجأة.
قال رئيس المجلس
وبناءً على تصويت المساهمين... تم اختيار الأستاذة ليلى الشاذلي لتولي المنصب بشكل مؤقت.
رفعت عيني في هدوء.
أما كريم...
فاكتفى بالنظر إلى الطاولة.
لم يعترض.
ولم يتكلم.
كان يعرف أن القرار صدر وفق اللوائح، وبموافقة الأغلبية.
بعد انتهاء الاجتماع...
خرجت إلى شرفة الشركة.
كانت الشمس بتغيب خلف مباني القاهرة.
وقفت أتأمل المشهد في صمت.
اقترب مني المستشار القانوني وقال
المعركة لسه طويلة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
عارفة... لكن أهم خطوة اتحققت.
هز رأسه وقال
لأن الحقيقة أخيرًا بقت قدام الكل.
نظرت إلى مبنى الشركة مرة أخيرة.
وأدركت...
أن أصعب القرارات ليست تلك التي تهزم شخصًا، بل التي تنقذ مؤسسة كاملة قبل أن تنهار الجزء التالي
مرّ شهر كامل.
كانت لجنة المراجعة تشتغل يوميًا من أول الصبح لحد آخر الليل.
كل قسم في الشركة اتراجع.
وكل إجراء إداري اتقارن باللوائح.
وخلال الفترة دي...
بدأ الموظفون يلاحظوا فرق كبير.
القرارات بقت بتصدر بعد مراجعة.
المصروفات بقت موثقة.
وأي تعاقد جديد لازم يعدي على أكثر من جهة للموافقة.
لأول مرة من سنين...
الشركة بدأت تستعيد استقرارها.
في نهاية الشهر...
وصل التقرير النهائي.
اجتمع مجلس الإدارة مرة تانية.
وقف رئيس اللجنة وقال
بعد مراجعة جميع الملفات، ثبت وجود قصور واضح في نظام الرقابة الداخلية، وعدد من القرارات الإدارية اللي اتخذت من غير اتباع الإجراءات المعتمدة.
ثم أكمل
ولم تثبت اللجنة وجود أي تلاعب في أصول الشركة، لكن أوصت بإعادة هيكلة الإدارة التنفيذية بالكامل لضمان عدم تكرار المخالفات.
تنفس الجميع الصعداء.
كان واضح إن الشركة اتجنبت أزمة أكبر.
نظر رئيس المجلس إلى كريم وقال
إحنا مقدرين السنوات اللي اشتغلت فيها مع الشركة، لكن المرحلة الجاية محتاجة إدارة مختلفة.
ظل كريم ساكتًا للحظات.
ثم قال بهدوء لأول مرة
لو ده قرار المجلس... فأنا هاحترمه.
لم يكن في صوته غضب.
بل كان فيه اعتراف بأن الأمور خرجت من يده.
بعدها بأيام...
بدأ تنفيذ خطة إعادة الهيكلة.
تم تعيين فريق رقابة داخلية جديد.
وتحديث النظام المالي بالكامل.
ووضع سياسة واضحة تمنع أي قرار فردي في الأمور المالية الكبرى.
أما أنا...
فرجعت لمكتبي.
فتحت أول ملف جديد.
وابتسمت.
لأن هدفي الحقيقي ما كانش إقصاء حد.
كان هدفي إن الشركة اللي تعبت في بنائها تفضل واقفة مهما حصل.
وفي آخر اليوم...
وصلني ظرف صغير من سكرتارية مجلس الإدارة.
فتحته.
كان بداخله خطاب مختصر
بالإجماع... تقرر تعيينك رئيسًا تنفيذيًا للشركة اعتبارًا من بداية الشهر المقبل.
أغلقت الخطاب بهدوء.
ونظرت من نافذة مكتبي إلى الموظفين وهم يواصلون عملهم.
وأيقنت أن النجاح الحقيقي...
ليس أن تربح معركة واحدة،
بل أن تترك خلفك مؤسسة أقوى مما كانت الجزء التالي
مرّت ثلاثة أشهر...
والشركة بدأت تحقق نتائج ما حدش كان متوقعها.
المشروعات المتوقفة رجعت تشتغل.
والعملاء اللي كانوا فقدوا الثقة رجعوا يجددوا عقودهم.
وفي أول اجتماع ربع سنوي...
عرض المدير المالي الأرقام على الشاشة.
ابتسم وقال
معدل الأرباح ارتفع بنسبة 18 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
بدأت همسات الإعجاب تنتشر بين أعضاء المجلس.
لكن بالنسبة لي...
كان فيه رقم أهم من الأرباح.
صفر.
صفر مخالفات مالية.
وصفر قرارات خرجت من غير اعتماد رسمي.
وده كان أكبر نجاح حققناه.
بعد الاجتماع...
استوقفني أحد الموظفين القدامى.
قال وهو مبتسم
أول مرة نحس إن كل واحد في الشركة عارف مسؤولياته.
شكرته ومشيت.
الكلمات دي كانت أغلى عندي من أي تقرير.
في نفس الأسبوع...
وصل عرض استثماري كبير من شركة إقليمية.
كان العرض مغري جدًا.
لكن قبل أي توقيع...
طلبت مراجعة كاملة

تم نسخ الرابط