خمس سنين وأنا حاطة حياتي بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

مرت سنة كاملة.
كبر مكتب هدى، وبقى له اسم كويس، وبقت معروفة إنها دقيقة في شغلها، ووعدها كلمة.
أما كريم، فكان موجودًا في حياتها بهدوء.
لا وعود كبيرة، ولا كلام معسول.
كان إذا قال إنه هييجي الساعة خمسة... ييجي خمسة.
إذا وعد بحاجة... ينفذها.
وده كان الفرق اللي هدى عمرها ما انتبهت له زمان.
وفي يوم، بعد ما خلصوا اجتماع، قال لها
ممكن أعزمك على قهوة؟
ابتسمت وقالت
المرة دي مش هستخبى ورا كلمة مستنية حد.
ضحك كريم، وخرجوا سوا.
بعد عدة أشهر، طلب كريم يد هدى من أمها رسميًا.
ولما سألته الأم
إيه اللي خلاك تستنى كل المدة دي؟
ابتسم وقال
لأنها كانت محتاجة تلاقي نفسها الأول... وأنا كنت مستعد أستنى، لكن من غير ما أطلب منها تضيع عمرها عشاني.
سمعت هدى الجملة، ونزلت دموعها.
لأول مرة، فهمت الفرق بين رجل يحبك...
ورجل يجعلك تنتظره.
وفي ليلة كتب الكتاب، كانت القاعة مليانة أهل وأصحاب.
وقبل ما يبدأ المأذون، دخل شاب بسرعة وهو بيقول
استنوا... في حد برة عايز يشوف العروسة دقيقة واحدة.
استغرب الجميع.
خرج أخو هدى يشوف مين.
رجع بعدها بدقيقة وهو متوتر.
همس لها
حازم برة.
ساد الصمت.
قال
بيقول لازم يكلمك دقيقة واحدة.
بصت هدى إلى كريم.
ابتسم لها وقال بهدوء
القرار قرارك.
وقفت هدى، ومشت ناحية الباب.
فتحت الباب، فلقت حازم واقف بملابس بسيطة، ووشه باين عليه التعب والندم.
أول ما شافها بالفستان الأبيض، دموعه نزلت.
وقال بصوت مبحوح
جيت متأخر... صح؟
نظرت إليه هدى للحظات، ثم قالت بابتسامة هادئة
متأخر بخمس سنين.
خفض حازم رأسه، ولم يجد كلمة يقولها.
أغلقت هدى الباب بهدوء، وعادت إلى الداخل.
أمسكت يد كريم، وجلست بجواره.
ابتسم المأذون وقال
نبدأ؟
ردت هدى بثقة
اتفضل.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن أجمل بداية في حياتها... جاءت بعد أصعب نهاية. بعد انتهاء كتب الكتاب، بدأ الجميع يبارك لهدى وكريم.
الفرحة كانت مالية المكان، وأم هدى كانت تبكي وهي تردد
الحمد لله... الحمد لله.
لكن في الخارج...
كان حازم لا يزال واقفًا أمام القاعة.
نظر إلى الباب المغلق، ثم أخرج من جيبه ظرفًا أبيض ظل يحمله طوال الطريق.
همس لنفسه
كان لازم أوصلهولها.
في تلك اللحظة خرج شقيق هدى.
نظر إلى حازم وقال ببرود
لسه هنا؟
مد حازم الظرف إليه.
لو سمحت... ادِّيهولها بعد ما تروح.
أخذ شقيقها الظرف دون أن يتكلم، ثم أغلق الباب.
في منتصف الليل، بعدما انتهت الزفة وعادت هدى إلى بيتها الجديد، تذكرت الظرف.
فتحته بهدوء.
كان بداخله خطاب بخط يد حازم.
بدأت تقرأ
يا هدى...
أنا مش بكتب الخطاب ده عشان ترجعيلي، لأني عارف إن الفرصة دي ضاعت للأبد.
بكتبه عشان لأول مرة في حياتي أقول الحقيقة كاملة.
أنا خسرتك يوم ما افتكرت إنك هتفضلي مستنياني مهما عملت.
كنت فاكر إنك مضمونة، وإن أي وقت هرجع هلاقيك في مكاني.
لكن الحقيقة إن الإنسان لما بيستهين بقلب حد بيحبه... بيكتشف متأخر إن القلوب مش بتستناه للأبد.
سامحيني لو تقدري... ولو متقدريش، فأنا أستحق.
أنهت هدى القراءة.
ثم طوت الورقة مرة أخرى.
لم تبكِ.
ولم تغضب.
ابتسمت فقط.
أمسكت الخطاب، ووضعته داخل صندوق صغير كانت تحتفظ فيه بأشياء من الماضي.
ثم أغلقت الصندوق للمرة الأخيرة.
دخل كريم في تلك اللحظة، وقال مبتسمًا
بتعملي إيه؟
ردت وهي تنظر إليه
بقفل آخر باب من الماضي.
اقترب منها، وأمسك يدها.
وسألها
جاهزة نبدأ حياتنا؟
ابتسمت وقالت
المرة دي... أنا مش مستنية الحياة تيجي لحد عندي.
ثم أمسكت يده، ومشت معه نحو مستقبل اختارته بقلبٍ مطمئن.
النهاية بعد ثلاث سنوات...
كانت هدى واقفة في شرفة بيتها، شايلة بنتها الصغيرة، بينما كريم بيلعب مع ابنهم في الصالة.
ضحكت وهي تسمع صوت طفلها وهو بيقول
بابا... استنى!
بصت لكريم، وقالت في سرها
سبحان الله... زمان أنا اللي كنت طول الوقت بقول هستنى.
رن جرس الباب.
فتحت الخادمة، وبعد دقائق دخلت وقالت
يا مدام... في راجل برة بيقول إنه يعرف حضرتك، وبيقول اسمه حازم.
اتجمدت هدى لحظة.
قال كريم بهدوء
لو مش حابة تشوفيه، هقوله يمشي.
هزت رأسها وقالت
لا... هقابله. لكن المرة دي، مفيش خوف.
خرجت للحديقة.
كان حازم واقفًا، لكن لم يعد يشبه الرجل الذي عرفته.
شعره بدأ يشيب، وملامحه مرهقة.
أول ما شافها، ابتسم بحزن.
وقال
واضح إن ربنا عوضك.
ردت بهدوء
الحمد لله.
ظل ساكتًا للحظات، ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
قال
فاكرة الشقة اللي كنت بقولك ببنيها عشاننا؟
نظرت إليه دون كلام.
أكمل
أنا بعتها... وجبت الفلوس.
استغربت.
مد لها ظرفًا.
دي فلوسك... وكل جنيه خدته منك، وزيادة عليه.
لم تمد يدها.
قالت
أنا مش عايزة حاجة.
رد بصوت منكسر
أنا عارف... بس دي مش هدية. ده حقك.
في تلك اللحظة، خرج كريم من البيت، لكنه وقف بعيدًا، احترامًا للموقف.
أخذت هدى الظرف، ثم قالت
الفلوس دي مش هتعوض وقت ضاع.
أطرق حازم رأسه.
عارف.
ثم استدار ليمشي.
وقبل أن يركب سيارته، التفت وقال
لو الزمن رجع... كنت اخترتك.
ابتسمت هدى ابتسامة هادئة وقالت
ولو الزمن رجع... أنا مكنتش هستناك.
تجمد في مكانه.
كانت تلك الجملة أقسى عليه من أي عقاب.
ركب سيارته ورحل دون أن يلتفت مرة أخرى.
أما هدى، فعادت إلى بيتها.
وأمسكت يد كريم.
وأدركت أن أجمل انتقام لم يكن أن ترى حازم نادمًا...
بل أن تعيش هي سعيدة، بعدما توقفت عن انتظار من لم يكن يستحقها. مرت عشر سنوات...
كانت هدى جالسة في حديقة الفيلا تراقب ابنتها وهي تستعد للذهاب إلى الجامعة، بينما ابنها الأصغر يراجع دروسه مع كريم.
رن هاتفها.
رقم غير مسجل.
ترددت لحظة، ثم ردت.
جاءها صوت رجل هادئ
حضرتك الأستاذة هدى؟
أيوه.
أنا المحامي الخاص بالأستاذ حازم.
ساد الصمت.
أكمل المحامي
للأسف... الأستاذ حازم توفي من يومين بعد صراع طويل مع المرض.
أغمضت هدى عينيها للحظة.
لم تشعر بفرحة... ولا بحزن.
فقط شعور غريب بأن صفحة قديمة أغلقت إلى الأبد.
قال المحامي
قبل وفاته، كتب وصية، وذكر اسم حضرتك فيها.
تعجبت.
أنا؟
أيوه... لو تسمحي، أحب أقابلك.
في اليوم التالي، ذهبت هدى إلى مكتب المحامي.
فتح الرجل ملفًا قديمًا، وأخرج رسالة مغلقة.
وقال
دي كانت آخر رسالة كتبها بخط إيده، وطلب إنها تتسلم لحضرتك بعد وفاته.
فتحت هدى الظرف.
وكان مكتوبًا فيه
يا هدى...
يمكن دي آخر مرة أكلمك فيها.
أنا عشت سنين طويلة بندم على اليوم اللي كسرت فيه قلبك.
خسرت كل حاجة بالتدريج... شغلي، فلوسي، صحتي، وكل الناس اللي كانوا حواليا.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني... إني كل ما أبص في المراية، أشوف الشخص اللي ضيع أوفى إنسانة قابلتها.
متقلقيش... أنا مش طالب منك تسامحيني.
أنا بس طالب منك تعيشي مبسوطة، لأنك تستحقي ده.
ولو في يوم بنتك سألتك إزاي أختار شريك حياتي؟
قولي لها تختار اللي أفعاله تطمنها... مش اللي كلامه يبهرها.
أنهت هدى الرسالة، وأغلقتها بهدوء.
ثم سألت المحامي
هو كان لوحده؟
تنهد الرجل وقال
في آخر سنتين... أيوه.
خرجت هدى من المكتب وهي تحمل الرسالة.
وفي طريق عودتها، وقفت أمام النيل.
مزقت الرسالة إلى قطع صغيرة، وألقتها في سلة المهملات القريبة.
ثم ابتسمت.
ليس لأنها انتصرت...
بل لأنها أخيرًا لم يعد في قلبها أي مكان للماضي.
عادت إلى بيتها، فاستقبلها كريم بابتسامته المعتادة، وأطفالها يركضون نحوها.
وعرفت أن أجمل القصص ليست التي تنتهي بالانتقام...
بل التي تنتهي بالسلام. تمت بعد خمسة عشر عامًا...
كانت هدى تجلس في شرفة منزلها، تشرب قهوتها مع كريم، بعدما أوصلوا ابنتهم ليان إلى حفل خطوبتها.
ضحك كريم وقال
فاكرة أول مرة شفتك؟
ابتسمت هدى وأنا فاكرة أول مرة رفضتك.
ضحكا معًا.
وفجأة قالت ليان وهي تقترب منهما
ماما... ممكن أسألك سؤال؟
ابتسمت هدى طبعًا يا حبيبتي.
قالت ليان
إنتِ عمرك حبيتي حد قبل بابا؟
ساد صمت قصير.
نظر كريم إلى هدى، ثم قال
لو مش حابة تتكلمي، عادي.
لكن هدى هزت رأسها.
وقالت
لأ... لازم تعرف.
جلست ليان بجوارها.
وقالت هدى بهدوء
زمان، كنت فاكرة إن الحب معناه الاستنى... وإن التضحية من غير حدود دليل إخلاص.
استنيت إنسان خمس سنين كاملة...
وكل يوم كنت أتنازل عن جزء من نفسي علشانه.
سألت ليان
وبعدين؟
ابتسمت هدى.
بعدين فهمت إن الإنسان اللي بيحبك، عمره ما يخليك تعيشي على وعد.
أمسكت يد كريم.
أبوكي عمره ما طلب مني أستناه... كان كل خطوة بيقولها، بيعملها.
ابتسم كريم في خجل.
ثم قالت هدى لابنتها
افتكري حاجة واحدة طول عمرك...
اللي يحبك، هيطمنك... مش هيختبر صبرك.
نزلت دموع ليان، وقبّلت رأس أمها.
وقالت
وعد يا ماما.
في تلك اللحظة، رفعت هدى عينيها إلى السماء.
وتذكرت نفسها وهي بنت في العشرين، تجلس أمام هاتفها تنتظر رسالة من شخص ظنت أنه الدنيا كلها.
ابتسمت لنفسها.
ثم همست
الحمد لله... إن بعض الأمنيات لما مبتتحققش، بتكون هي أكبر نعمة في حياتنا.
وانتهت الحكاية... لكن بقي الدرس
لا تجعل سنوات عمرك ثمنًا لوعدٍ لا يسنده فعل، فالحب الحقيقي لا يطلب منك أن تعلّق حياتك في الانتظار. بعد أشهر من خطوبة ليان، كانت الاستعدادات للفرح على قدم وساق.
وفي يوم، رجعت ليان من الخارج وهي متضايقة.
قالت لأمها
ماما... ممكن أتكلم معاكي؟
قعدت هدى جنبها.
قالت ليان
آدم جاله عرض شغل في الخليج لمدة سنتين... وبيقول نستنى الجواز لحد ما يرجع.
سكتت هدى لحظة.
كان نفس الموقف... لكن بأبطال مختلفين.
قالت بهدوء
وإنتِ رأيك إيه؟
ردت ليان
خايفة أكرر غلطتك.
ابتسمت هدى وقالت
يبقى متكرريهوش.
استغربت ليان.
أكملت هدى
السفر مش المشكلة... المشكلة إن حياتك كلها تقف على وعد.
في المساء، جاء آدم إلى البيت.
جلس أمام هدى وقال باحترام
أنا مش عايز أظلم ليان.
قالت هدى
قول اللي عندك.
قال آدم
أنا اتعرض عليا عقد سنتين، لكن لو ليان وافقت، هنعقد القران قبل السفر، وكل حاجة هتبقى رسمي، وهتنزل تعيش معايا أول ما أستقر هناك. ولو ده معجبهاش، هرفض السفر.
نظرت هدى إلى كريم.
ثم عادت تنظر إلى آدم.
ابتسمت لأول مرة.
وقالت
دلوقتي فهمت ليه بنتي اختارتك.
استغرب آدم.
فقالت
لأنك مخليتهاش تعيش على كلمة استنيني.
بعد شهرين، تم عقد القران.
وسافر آدم بعده بأسبوع، وبعد ثلاثة أشهر فقط، أنهى إجراءات إقامتها وسافرت إليه.
وفي المطار، قبل أن تودعها
وقالت في أذنها
الفرق بين قصتك وقصتي... إنك سافرتِ وأنتِ زوجته، مش حلم مؤجل.
ابتسمت ليان والدموع في عينيها.
وقالت
أنا اتعلمت الدرس منك يا ماما.
وقفت هدى تتابع ابنتها حتى اختفت داخل بوابة السفر.
ابتسم كريم وهو يضع يده على كتفها.
وقال
شكلك ارتحتي.
ردت وهي تنظر إلى السماء
أيوه... لأني حسيت إن الغلطة اللي كسرتني زمان، أنقذت بنتي النهارده.
ومشيا معًا خارج المطار، بينما كانت هدى تشعر للمرة الأولى أن كل ألم عاشته في الماضي... خرج منه خير لم تكن تتخيله.

تم نسخ الرابط