خمس سنين وأنا حاطة حياتي بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

الشقة أو بيخلص أوراق السفر.
همست هدى وهي مش مصدقة
يعني... أنا مش الوحيدة؟
قالت ناتالي والدموع في عينيها
ولا حتى التالتة.
شعرت هدى بقشعريرة تسري في جسدها.
الرجل الذي انتظرته خمس سنوات لم يكن مجرد خائن... بل كان يعيش أكثر من حياة في الوقت نفسه.
ثم قالت ناتالي
أنا واجهته بكل ده... فكانت النتيجة إنه طردني من البيت وقال لي اعملي اللي تعمليه.
في تلك اللحظة، رن هاتف هدى.
المتصل حازم.
نظرت إلى ناتالي، ثم ضغطت على زر الرد وفتحت مكبر الصوت.
جاء صوته هادئًا كأن شيئًا لم يحدث
وحشتيني يا هدى... عارف إني غلطت، بس انتي الوحيدة اللي فاهماني.
ابتسمت هدى لأول مرة منذ أيام، لكن ابتسامتها لم تكن حبًا... كانت بداية استرداد كرامتها.
قالت بثبات
وأنا كمان فهمتك أخيرًا يا حازم.
سكت لحظة، ثم قال
يعني سامحتيني؟
ردت وهي تنظر إلى ناتالي
لا... لكن قريب جدًا هتعرف إن كل كذبة ليها تمن.
وسمعت صوت أنفاسه يتغير فجأة، كأنه شعر لأول مرة أن الأمور خرجت من سيطرته... ولم يكن يعلم أن المفاجأة الأكبر كانت ما تزال في انتظاره ابتسمت هدى ابتسامة هادئة لأول مرة، وقالت وهي ما زالت فاتحة مكبر الصوت
استنى يا حازم... في حد حابب يسمعك.
مدت الموبايل ناحية ناتالي.
قالت ناتالي بصوت ثابت
أنا عرفت كل حاجة.
ساد صمت طويل.
ثم خرج صوت حازم مرتبكًا لأول مرة
ناتالي! انتي عند هدى؟!
ردت أيوه... وإحنا الاتنين عرفنا إنك كنت بتضحك علينا.
بدأ يتلعثم ويحاول يبرر
اسمعوني... الموضوع أكبر من كده...
لكن هدى قاطعته
خلاص يا حازم، خلصت. خمس سنين من عمري ضاعوا بسبب كدبك، لكن مش هضيع دقيقة كمان.
وأغلقت المكالمة.
بعد أيام، اجتمعت هدى وناتالي مرة تانية.
كانت كل واحدة معاها رسائل وصور وتسجيلات تثبت أكاذيب حازم.
وفجأة، قالت ناتالي
في بنت كلمتني امبارح... اسمها سارة.
رفعت هدى رأسها باستغراب.
مين سارة؟
تنهدت ناتالي وقالت
كانت مخطوباله قبل سفري بشهور... فسخ الخطوبة واختفى من حياتها بعد ما استلف منها مبلغ كبير.
اتسعت عينا هدى.
يعني فيه كمان؟
أومأت ناتالي.
وفيه غيرها.
بدأت الخيوط تتجمع أمامهما، واكتشفا أن حازم كان يكرر نفس الحكاية مع أكثر من فتاة، يبيع لكل واحدة حلمًا مختلفًا، ويأخذ منها ما يريد ثم يرحل.
قررت هدى ألا تظل الضحية الصامتة.
تواصلت مع سارة، ثم مع فتاة أخرى، وخلال أسبوع واحد فقط، اجتمعن جميعًا.
كانت كل واحدة تحمل قصة مختلفة... لكن البطل فيها واحد.
وفي الليلة نفسها، بينما كان حازم جالسًا مع أصدقائه يضحك، رن هاتفه.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وعشرات الرسائل بدأت تنهال عليه من أرقام لا يعرفها.
ولأول مرة في حياته... شعر بالخوف.
أما هدى، فخرجت من الاجتماع وهي تشعر أن الحمل الذي ظل فوق صدرها خمس سنوات بدأ يزول.
لم تعد تنتظر حازم...
بل أصبحت تنتظر اليوم الذي يواجه فيه نتائج كل ما فعله في صباح اليوم التالي، كان حازم لسه فاكر إنه هيقدر يسيطر على الموقف كعادته.
اتصل بهدى أكثر من عشرين مرة.
ولا رد.
بعت رسالة
والله كله سوء تفاهم.
ثم رسالة تانية
لو رديتي هشرحلك كل حاجة.
وأخيرًا
أنا غلطت... بس بحبك.
هدى قرأت الرسائل، وضحكت لأول مرة من قلبها.
قالت لناتالي الغريب إنه أول ما حس إنه هيخسرنا... افتكر كلمة بحبك.
وفي المساء، كانت البنات الأربع قاعدين مع بعض.
كل واحدة حكت حكايتها.
واحدة استلف منها فلوس بحجة إنه هيشتري شقة.
والتانية وعدها بالسفر معاه.
والتالتة عرف أهلها وخطبها، وبعدها اختفى.
أما هدى... فسرق منها أغلى حاجة، خمس سنين من عمرها.
بعد ساعات من الكلام، قالت ناتالي
إحنا لازم نوقفه.
وافق الجميع.
وفي اليوم التالي، وصلت لحازم رسالة من رقم مجهول
محتاجين نقابلك بخصوص شغل برة، والمرتب كبير.
ابتسم حازم.
كان الطمع نقطة ضعفه.
راح في الموعد المحدد، وهو فاكر إنه داخل على فرصة جديدة.
لكن أول ما فتح باب المكتب...
اتجمد مكانه.
هدى كانت واقفة.
وناتالي.
وسارة.
والبنتين التانيين.
كلهم قدامه.
حاول يرجع لورا، لكن هدى قالت بهدوء
متخفش... إحنا مش جايين نعمل فضيحة.
ابتلع ريقه وقال
أمال عايزين إيه؟
ردت هدى بثبات
جايين نسمع منك الحقيقة... قدام الكل.
فضل ساكت.
ولأول مرة، ملاقاش كذبة تنقذه.
لكن قبل ما ينطق، فتح باب المكتب مرة تانية...
ودخل رجل كبير في السن، أول ما شاف حازم صرخ فيه
لقيتك أخيرًا!
التفت الجميع ناحية الرجل، بينما تغير لون وجه حازم فجأة، وهمس بخوف
إنت... إزاي عرفت مكاني؟
وساد صمت ثقيل، بعدما أدركت هدى أن ماضي حازم يخفي أسرارًا أكبر بكثير مما تخيلت دخل الرجل بخطوات ثابتة، وكانت ملامحه مليانة غضب.
وقف قدام حازم وقال بصوت جهوري
فاكر إني هسيبك بعد اللي عملته في بنتي؟
بصت هدى وناتالي لبعض باستغراب.
سألت هدى حضرتك تقصد إيه؟
التفت الرجل إليها وقال
أنا والد ريم... البنت اللي كان واعدها بالجواز قبل ما يسافر. خد منها كل تحويشة عمرها بحجة إنه هيشتري شقة، وبعدها اختفى.
شهقت البنات في وقت واحد.
قال الرجل وهو يخرج ظرفًا من حقيبته
ولما بدأت أدور وراه، اكتشفت إن دي مش أول مرة. كل محافظة كان له فيها حكاية.
فتح الظرف، وأخرج صورًا وعقودًا وإيصالات تحويل.
كانت الأدلة واضحة.
نظر الجميع إلى حازم، الذي لم يعد قادرًا على رفع عينيه.
قالت هدى بهدوء
ليه؟
رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت خافت
في الأول كنت محتاج فلوس... وبعدها الموضوع بقى سهل. كل مرة كنت بقول دي آخر مرة... لكن كنت برجع أكرر نفس الغلط.
هزت هدى رأسها بأسى وقالت
لا... ده ماكانش غلط. ده كان اختيار.
ساد الصمت.
ثم تقدمت ناتالي وقالت
أنا هبدأ إجراءات الطلاق.
وقال والد ريم
وأنا هكمل الإجراءات القانونية عشان كل واحدة تاخد حقها.
أما هدى، فنظرت لحازم نظرة أخيرة.
لم تكن نظرة كراهية... بل كانت نظرة شخص انتهى كل ما بداخله.
قالت
أكتر عقاب ليك إنك خسرت ثقة كل الناس اللي صدقتك.
ثم استدارت وغادرت المكان.
خرجت إلى الشارع، واستنشقت الهواء بعمق.
لأول مرة منذ خمس سنوات، لم تكن تنتظر رسالة، ولا مكالمة، ولا موعد عودة.
كانت تنتظر فقط... بداية حياة جديدة، اختارتها بنفسها، بعيدًا عن رجل عاش على الوعود الكاذبة.
تمت بعد ستة أشهر...
كانت هدى واقفة قدام باب مكتبها الجديد، تعلق اللافتة الأخيرة بنفسها.
مكتب هدى للاستشارات والتسويق الإلكتروني.
ابتسمت وهي تتذكر الأيام اللي كانت حياتها كلها متوقفة على مكالمة من حازم.
دلوقتي بقى عندها شغل، ودخل ثابت، وثقة رجعت لها بالتدريج.
وفي نفس اليوم، رن موبايلها برقم غريب.
ردت بهدوء
ألو.
جاءها صوت مألوف، لكنه كان مكسورًا.
أنا حازم.
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت ببرود
خير؟
تنهد وقال
أنا اتطلقت... وخسرت شغلي... والحكم صدر ضدي في أكتر من قضية، وكل الناس بعدت عني.
لم ترد.
أكمل بصوت مرتجف
أنا عرفت قيمتك متأخر... سامحيني.
ابتسمت هدى ابتسامة خفيفة.
وقالت
أنا سامحتك من زمان.
سكت حازم، وكأن الأمل رجع لقلبه.
ثم سأل بسرعة
يعني... ممكن نرجع؟
ردت هدى في هدوء
لا يا حازم... أنا سامحت عشان أرتاح أنا، مش عشان أرجع لنفس الوجع.
وأغلقت الخط.
بعد دقائق، دخلت عليها أمها المكتب وهي شايلة صينية قهوة.
ابتسمت وقالت
فخورة بيكي يا بنتي.
وقبل أن ترد، دخلت السكرتيرة وهي تقول
أستاذة هدى، في عميل جديد مستني حضرتك.
خرجت هدى إلى غرفة الاستقبال.
لكنها توقفت فجأة.
الرجل الذي كان ينتظرها لم يكن غريبًا.
كان الدكتور كريم، الشاب الذي تقدم لخطبتها قبل أربع سنوات، ورفضته لأنها كانت تنتظر حازم.
ابتسم كريم باحترام وقال
اطمني... أنا هنا بخصوص شغل، مش أي حاجة تانية.
ضحكت هدى لأول مرة من قلبها.
وبدآ يتحدثان عن العمل فقط.
لكن مع مرور الأسابيع، اكتشفت هدى أن الحياة أحيانًا لا تعيد الأشخاص أنفسهم... بل تعطي فرصة جديدة مع أشخاص يستحقونها فعلًا.
أما هذه المرة، فلم تبنِ قرارها على الوعود...
بل على الأفعال
تم نسخ الرابط