رجعت من السفر حكايات زهره الربيع
المتصل نادين.
لكن صوتها هذه المرة كان مختلفًا... مرتبكًا ومليئًا بالخوف.
سليم... ممكن تيجي بسرعة؟
وقف سليم من مكانه.
في إيه؟
سكتت ثوانٍ قبل أن تقول
كريم... اختفى من امبارح، وساب وراه جواب... والجواب فيه اسمك.
تجمد سليم.
اسمي أنا؟
أيوه... ومش فاهمة يقصد إيه.
بعد أقل من نصف ساعة، وصل إلى منزلها.
ناولته نادين مظروفًا أبيض، مكتوبًا عليه بخط كريم
لا يفتح إلا بواسطة سليم.
نظر إليها في ذهول، ثم فتح المظروف بيد مرتعشة.
كانت بداخله ورقة واحدة فقط، مكتوب فيها
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى الحقيقة اللي أخفيتها سنين لازم تظهر... لأن في شخص رجع، ولو معرفتوش الحقيقة دلوقتي، حياة عمر هتكون في خطر.
رفع سليم رأسه بسرعة ونظر إلى نادين.
كانت تنظر إليه بنفس الذهول.
وقبل أن ينطق أي منهما بكلمة...
رن جرس الباب.
وعندما فتحت نادين الباب، شحب وجهها تمامًا.
وقف أمام الباب رجل لم يره أحد منذ سنوات...
وقال بهدوء
أنا جيت آخد حقي... وابني.
يتبع...الجزء التالي تكملة خيالية
تجمدت نادين في مكانها وهي تحدق في الرجل الواقف أمام الباب.
كان في أواخر الخمسينات من عمره، يرتدي بدلة داكنة، وعلى وجهه آثار سنوات طويلة من التعب، لكن نظرته كانت حادة وواثقة.
قال مرة أخرى
مش هتدخلوني؟
تقدمت نادين خطوة وهي تحاول إخفاء ارتباكها.
حضرتك مين؟
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
اسمي فؤاد... ويمكن كريم عمره ما حكالك عني.
في الداخل، كان سليم قد سمع الحوار، فتوجه إلى الباب.
نظر إلى الرجل باستغراب وقال
وإيه علاقتك بكريم؟
أجابه بهدوء
أنا أبوه.
تبادل سليم ونادين نظرات سريعة.
لكن سليم قال باستغراب
والد كريم؟! هو مش والده جه قبل كده واعترض على الجواز؟
هز الرجل رأسه.
الراجل اللي شفتوه كان عمه... هو اللي رباه بعد وفاة والده. أما أنا... فكنت مسافر برة مصر سنين طويلة، ولما رجعت اكتشفت إن كريم اختفى.
أخرج من جيبه ورقة مطوية.
ولقيت الرسالة دي.
فتحها أمامهما.
كانت بخط يد كريم
لو حصل لي حاجة، روح لسليم... هو الوحيد اللي هيقدر يحمي عمر.
شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
قال بقلق
يحميه من مين؟
قبل أن يجيب الرجل...
رن هاتف نادين.
نظرت إلى الشاشة، ثم شحب وجهها.
المدرسة!
فتحت المكالمة بسرعة.
جاءها صوت المعلمة مضطربًا
مدام نادين... عمر مش موجود.
شهقت
يعني إيه مش موجود؟
خرج مع شخص قال إنه قريب العيلة... والولد كان فاكره يعرفه.
سقط الهاتف من يدها.
صرخت وهي تبكي
عمر اتخطف!
قفز سليم نحو الباب دون تفكير.
وقال بحزم
محدش يبلغ الولد بأي حاجة... وأنا هرجعه.
في تلك اللحظة فقط...
أدرك أن الرسالة التي تركها كريم لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تحذيرًا حقيقيًا.
وبدأت معركة جديدة... عنوانها إنقاذ عمر.
يتبع...الجزء التالي تكملة خيالية
اندفع سليم خارج المنزل، بينما كانت نادين تكاد تنهار من شدة الخوف.
قال لها وهو يفتح باب سيارته
اركبي... هنروح المدرسة الأول.
أما الرجل الذي قدم نفسه باسم فؤاد، فأخرج هاتفه وقال
هكلم ناس يساعدونا، لكن لازم الشرطة تعرف فورًا.
وصلوا إلى المدرسة خلال دقائق.
كانت المديرة تنتظرهم بوجه شاحب.
قالت وهي ترتجف
الراجل كان لابس بدلة، ومعاه بطاقة تعريف شكلها رسمي. قال إنه قريب عمر، وإن والدته بعتته ياخده بسبب ظرف طارئ.
سألها سليم بسرعة
والكاميرات؟
أجاب أحد الموظفين
موجودة.
دخلوا غرفة المراقبة، وبدأوا يشاهدون التسجيل.
ظهر عمر وهو يخرج مبتسمًا بجوار الرجل.
لكن عندما اقتربت الكاميرا من وجهه...
اتسعت عينا سليم.
مستحيل...
اقتربت نادين من الشاشة.
تعرفه؟
أجاب بصوت منخفض
أيوه... ده شريف.
مين شريف؟
تنهد سليم وقال
شريكي القديم في الشركة. من خمس سنين اتورط في قضية اختلاس، وأنا بلغت عنه بعد ما اكتشفت اللي عمله. دخل السجن، وكان بيهدد إنه هينتقم مني أول ما يخرج.
نظرت إليه نادين بصدمة.
يعني... عمر مخطوف عشان ينتقم منك؟
وقبل أن يجيب، رن هاتف سليم.
رقم مجهول.
فتح المكالمة ووضعها على مكبر الصوت.
جاءه صوت ساخر
أخيرًا يا سليم... واضح إنك عرفت مين أخد الولد.
قبض سليم على الهاتف بقوة.
شريف... لو لمست شعرة من ابني...
قاطعه الرجل ضاحكًا
اهدى... ابنك لسه بخير. لكن لو عايز تشوفه تاني، هتيجي لوحدك، ومن غير شرطة.
ثم أغلق الخط.
نظر سليم إلى نادين، وكانت الدموع تغرق وجهها.
قال بحزم
هرجعه... مهما حصل.
لكن في تلك اللحظة، دخل أحد الضباط إلى غرفة المراقبة وقال
للأسف... في خبر لازم تعرفوه.
نظر الجميع إليه.
قال بجدية
العربية اللي ظهر فيها الخاطف... لقيناها محترقة بالكامل خارج القاهرة.
ساد صمت مرعب...
هل كان عمر داخل السيارة؟
يتبع...الجزء التالي تكملة خيالية
شهقت نادين وكادت تسقط، لكن سليم أمسك بها قبل أن تنهار.
صرخت وهي تبكي
ابني... قول لي ابني بخير!
رفع الضابط يده محاولًا تهدئتها.
اهدئي يا مدام نادين. العربية كانت فاضية. مفيش أي آثار لوجود طفل بداخلها.
تنفس سليم الصعداء، لكنه أدرك أن شريف يحاول تضليل الشرطة.
بعد دقائق، دخل أحد رجال المباحث مسرعًا وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
يا فندم... لقينا كاميرا من محطة بنزين تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن مكان العربية.
ظهر التسجيل.
نفس السيارة توقفت لدقائق، ثم نزل منها شريف، وأخرج عمر وهو معصوب العينين، وأدخله إلى سيارة فان بيضاء كانت تنتظره، ثم أشعل النار في السيارة الأولى وغادر.
قال الضابط
واضح إنه كان مجهز الخطة من البداية.
في تلك اللحظة، رن هاتف سليم مرة أخرى.
هذه المرة جاءه مقطع فيديو.
فتح الرسالة بيد مرتعشة.
ظهر عمر جالسًا على كرسي، لكنه لم يكن مقيدًا، وكان يبدو خائفًا فقط.
ثم ظهر شريف أمام الكاميرا.
قال بابتسامة باردة
زي ما وعدتك... الولد لسه عايش.
اقترب من عمر وقال
قول لباباك حاجة.
رفع عمر رأسه، وعيناه ممتلئتان بالدموع.
بابا... متجيش لوحدك... في ناس كتير هنا...
انقطع الفيديو فجأة.
ساد الصمت.
لكن سليم أعاد تشغيل المقطع مرة أخرى.
ثم ثالثة.
وفجأة قال
استنوا...
اقترب من الشاشة.
رجعوا الفيديو عند الثانية 12.
نفذ الضابط ذلك.
ظهر خلف عمر، لجزء من الثانية، لافتة معدنية صدئة مكتوب عليها نصف اسم فقط
...الميناء.
عقد الضابط حاجبيه.
ميناء إيه؟
أما فؤاد، الذي ظل صامتًا طوال الوقت، فاتسعت عيناه فجأة وقال
عرفت المكان...
التفت الجميع إليه.
قال بصوت مضطرب
دي لافتة المخزن القديم بتاع الميناء الجاف... مكان مهجور من سنين. شريف كان بيشتغل هناك زمان.
قفز الضابط من مكانه.
جهزوا القوة... حالًا.
لكن بينما كانوا يستعدون للمداهمة، وصل إلى هاتف سليم إشعار جديد.
رسالة قصيرة من شريف
لو شوفت عربية شرطة واحدة... اعتبر إنك ضيعت ابنك بنفسك.
نظر سليم إلى الضابط...
ثم إلى الرسالة...
وكان عليه أن يختار في ثوانٍ بين تنفيذ تعليمات الخاطف أو المخاطرة بحياة عمر.
يتبع...الجزء التالي تكملة خيالية
قبض سليم على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه.
نظر الضابط إليه وقال بحزم
مش هنتحرك بعشوائية. لو رحنا بعربيات الشرطة، ممكن فعلًا ينفذ تهديده.
أومأ سليم برأسه، ثم قال
أنا هروح لوحدي... زي ما طلب.
اعترضت نادين فورًا.
مستحيل! ده فخ.
رد الضابط
مش هتكون لوحدك. هو هيعتقد كده، لكن هيكون فيه فريق مراقبة بعيد، من غير ما يحس.
وافق سليم على الخطة.
بعد ساعة، كانت سيارة سليم تتوقف أمام مخزن قديم على أطراف الميناء الجاف.
المكان مهجور، والنوافذ مكسورة، ولا يُسمع سوى صوت الرياح.
نزل من السيارة ببطء.
وفجأة سمع صوت شريف من الداخل
ادخل... وسيب موبايلك برا.
نفذ سليم ما طُلب منه، ودخل إلى المخزن.
وجد عمر جالسًا على كرسي في آخر القاعة، يبدو خائفًا لكنه سليم.
ركض نحوه، لكن صوت شريف أوقفه.
مكانك!
خرج شريف من الظلام وهو يحمل مسدسًا.
قال بابتسامة باردة
كنت عارف إنك هتيجي.
نظر سليم إلى عمر، ثم قال
سيب الولد... أنا اللي ليك معاه حساب.
ضحك شريف.
فعلًا... الحساب بيني وبينك.
ثم ألقى ملفًا على الأرض.
افتحه.
فتح سليم الملف بسرعة.
وجد بداخله مستندات قديمة، وعقودًا، وصورًا من شركته السابقة.
قال شريف
فاكر يوم بلغت عني؟ كنت فاكر إني أنا الحرامي الوحيد؟
نظر إليه سليم باستغراب.
قصدك إيه؟
ابتسم شريف ابتسامة غامضة.
أنت كنت مجرد واجهة... اللي سرق ملايين الشركة بجد شخص تاني، وخلاك تبلغ عني عشان يخرج هو نظيف.
تجمد سليم.
مستحيل...
ألقى شريف صورة أمامه.
التقطها سليم بيد مرتجفة.
وما إن رأى الوجه في الصورة...
حتى شعر بأن الأرض تميد تحت قدميه.
همس في ذهول
عادل...؟!
كان عادل، المدير المالي السابق، والرجل الذي اعتبره سليم لسنوات بمثابة أخ أكبر، هو من يقف في الصورة وهو يوقّع المستندات المزورة.
قال شريف
أنا غلطت... لكني ما سرقتش اللي اتقال عليا. دخلت السجن بدل الراجل الحقيقي.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت إطلاق نار خارج المخزن.
ارتبك شريف، والتفت نحو الباب.
استغل سليم اللحظة، واندفع بكل قوته نحو عمر...
يتبع...الجزء التالي تكملة خيالية
اندفع سليم بكل قوته نحو عمر، وفي اللحظة نفسها دوّى
صوت طلقة أخرى خارج المخزن.
ارتبك شريف، فالتفت نحو الباب، وكانت تلك الثواني كافية.
احتضن سليم ابنه، وأسقط الكرسي الذي كان مقيدًا به، ثم دفعه خلف صندوق خشبي كبير.
صرخ
أوعى تطلع مهما حصل!
لكن شريف استعاد توازنه بسرعة، ورفع المسدس مرة أخرى.
قلتلك متلعبش معايا يا سليم!
وقبل أن يضغط على الزناد، اندفع رجل من الباب الخلفي للمخزن وأمسك بذراع شريف.
كان كريم.
نظر إليه سليم مذهولًا.
كريم؟! إنت... إنت مش كنت مسافر؟
قال كريم وهو يصارع شريف
عرفت إن في حاجة غلط لما الرسالة اللي سبتها زمان اتفتحت... ولما نادين كلمتني رجعت أول طيارة.
احتدم الاشتباك بين الاثنين، وسقط المسدس على الأرض.
في الخارج، كانت قوات الشرطة قد حاصرت المكان بعد أن تأكدت من وجود الطفل في الداخل، ودخلت مجموعة خاصة من البابين الأمامي والخلفي.
صرخ أحد الضباط
الشرطة! الكل يبعد!
حاول شريف الهرب، لكنه تعثر في الصناديق، وتمكن الضباط من السيطرة عليه وتقييد يديه.
ركض سليم نحو عمر، واحتضنه بقوة.
كان الطفل يبكي، لكنه كان سالمًا.
قال بصوت متقطع
بابا... كنت عارف إنك هتيجي.
اغرورقت عينا سليم بالدموع.
مستحيل أسيبك أبدًا.
بعد دقائق، وصلت نادين إلى المخزن.
ما إن رأت عمر حتى ركضت نحوه واحتضنته، ثم احتضنت سليم وكريم معًا دون أن تشعر.
وقف الثلاثة للحظات في صمت، وكل ما يهمهم أن عمر عاد سالمًا.
اقترب الضابط من سليم وقال
بالنسبة للكلام اللي قاله شريف عن قضية الشركة... هنحقق فيه من جديد. لو كلامه صحيح، فالحقيقة هتظهر، حتى لو بعد سنين.
نظر سليم إلى شريف، الذي كان يُقتاد إلى سيارة الشرطة.
قال شريف قبل أن يغادر
أنا غلطت لما خطفت الولد... لكن الحقيقة اللي قلتها... دوروا عليها.
أُغلق باب سيارة الشرطة، وانطلقت بعيدًا.
نظر سليم إلى السماء، ثم إلى نادين وعمر.
أدرك أن بعض الجروح قد لا تختفي أبدًا، لكن أهم ما خرج به من هذه المحنة هو أن ابنه عاد إليه، وأن الماضي، مهما كان مؤلمًا، لا ينبغي أن يُدفع الأطفال ثمنه.
تمت.