رجعت من السفر حكايات زهره الربيع

لمحة نيوز

بنكي.
خفض سليم رأسه للحظة.
أما كريم فقال
عمر بيعتبرني عمه... وأنا عمري ما حاولت أخد مكانك. بالعكس، كنت دايمًا أقوله إن باباه بيحبه، حتى لما كنت بتتأخر بالشهور من غير ما تكلمه.
نظر إليه سليم بصدمة.
كنت... بتدافع عني؟
ابتسم كريم ابتسامة حزينة.
لأن الطفل ملوش ذنب.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال سليم بصوت مكسور
بتحبها؟
نظر كريم إلى نادين أولًا، ثم أجاب بثقة
جدًا... لكن قبل ما أحبها، احترمتها. واحترمت تعبها، وكفاحها، وكسرة قلبها اللي أنت كنت سبب فيها.
كانت الكلمات كالسكاكين.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يجد سليم ردًا.
في تلك اللحظة، خرج طفل صغير من الغرفة الخلفية بالمحل وهو يجري.
ماما!
التفتت نادين بسرعة.
كان عمر.
ارتمى في حضن أمه، ثم لمح سليم.
تردد قليلًا قبل أن يقول
بابا؟
انقبض قلب سليم.
فتح ذراعيه بحذر.
اقترب عمر منه ببطء، ثم احتضنه.
انهمرت دموع سليم لأول مرة.
همس وهو يقبل رأس ابنه
وحشتني يا بطل.
ابتسم الطفل ببراءة وقال
إنت هتقعد معانا المرة دي؟ ولا هتسافر تاني؟
سؤال بسيط...
لكنه كان أقسى من أي عتاب.
لم يستطع سليم الإجابة.
نظر إلى نادين، فوجدها تمسح دمعة نزلت رغم قوتها.
قال بصوت خافت
أنا ظلمتكم... ظلمتك يا نادين.
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل
وجيت متأخر.
ردت نادين بهدوء
أيوه... متأخر جدًا.
ثم أمسكت يد عمر وقالت
يلا يا حبيبي... عندنا معاد.
وقبل أن تغادر، التفتت إلى سليم وقالت
هتفضل أبو عمر، وده عمره ما هيتغير... لكن حياتي أنا، خلاص بدأت من جديد.
وقف سليم يشاهدهم وهم يخرجون من المحل.
ولأول مرة فهم أن بعض الأبواب، إذا أُغلقت بسبب الكبرياء... لا تفتحها كل محاولات الندم.
يتبع...الجزء الثالث
ظل سليم واقفًا مكانه بعد خروج نادين وكريم وعمر، كأن الزمن توقف.
المحل أصبح هادئًا، لكن داخله كان عاصفة.
خرج خلفهم بسرعة، فوجد كريم يفتح باب السيارة، بينما كانت نادين تربط حزام الأمان لعمر.
نادا بصوت مرتفع
نادين... استني!
التفتت إليه، بينما أشار كريم لها أن تبقى مكانها، ثم اقترب من سليم.
قال كريم بهدوء
لو هتعمل مشكلة، يبقى بعيد عن الولد.
رد سليم وهو يحاول السيطرة على أعصابه
أنا مش جاي أعمل مشكلة... أنا عايز أتكلم.
نظرت إليه نادين للحظات، ثم قالت
خمس دقايق... وعمر يفضل في العربية.
أومأ كريم موافقًا، وعاد ليجلس مع الطفل.
وقف سليم أمام نادين وقال بصوت منخفض
هو... بجد هتتجوزيه؟
أجابته بثبات
بعد شهر.
ابتلع ريقه بصعوبة.
بسرعة كده؟
ابتسمت ابتسامة حزينة.
بسرعة؟ يا سليم... إحنا مطلقين بقالنا أكتر من سنتين. أنا قعدت سنة كاملة أقفل باب قلبي، وسنة تانية أحاول أقف على رجلي. بالنسبة لك يمكن الخبر نزل فجأة... لكن بالنسبة لي دي رحلة طويلة جدًا.
سكت للحظات، ثم قال
وأنا؟
نظرت إليه باستغراب.
إنت إيه؟
يعني... مفيش فرصة؟
هزت رأسها في هدوء.
الفرصة كانت وأنا مراتك. كانت وأنا ببكي كل ليلة مستنية كلمة حلوة. كانت وأنا بطلب منك تقعد معايا ساعة بدل الشغل. كانت وأنا برجوك متسافرش وتسيبنا.
انخفضت عينا سليم إلى الأرض.
أكملت
وقتها كنت شايف إني سهلة... وإني مستحيل أمشي. ولما مشيت، افتكرت إني هستناك.
قال بصوت مكسور
ندمت.
ردت
وأنا كمان ندمت... ندمت إني استحملت كل ده وسكت.
ساد الصمت.
ثم أخرج سليم ظرفًا من حقيبته.
ده عقد شقة كنت شاريها... كنت ناوي أفاجئك بيها لما نرجع لبعض.
ابتسمت نادين ابتسامة باهتة.
للأسف يا سليم... في هدايا بتيجي بعد معادها.
أعادت إليه الظرف.
احتفظ بيه.
وفي تلك اللحظة، نزل عمر من السيارة وجري نحوهما.
بابا... هتيجي حفلة المدرسة الأسبوع الجاي؟
نظر سليم إلى ابنه بسرعة.
طبعًا هاجي.
ابتسم الطفل بسعادة.
وعد؟
انحنى سليم وربت على كتفه.
وعد.
ابتسم كريم وهو يراقب المشهد، ثم اقترب وقال
لو هتوفي بوعدك لعمر... هتلاقيني أول واحد بيساعدك. أنا مش بعديك عنه... أنا بس مش هسمح لحد يوجعه.
نظر إليه سليم طويلًا، ثم مد يده.
تردد كريم لحظة، قبل أن يصافحه.
قال سليم
يمكن أكون خسرت زوجتي... لكن مش عايز أخسر ابني.
رد كريم
يبقى اثبت له ده بالأفعال... مش بالكلام.
غادرت السيارة بهدوء.
أما سليم، فظل واقفًا يشاهدها حتى اختفت من آخر الشارع.
ولأول مرة، أدرك أن استعادة احترام ابنه ستكون أصعب بكثير من محاولة استعادة حب نادين... وأن بعض المعارك لا تُكسب بالقوة، بل بالتغيير الحقيقي.
يتبع...الجزء الرابع
مر أسبوع كامل.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يسافر سليم.
ألغى رحلته، وأجل اجتماعاته، وقرر أن يبدأ بتنفيذ الوعد الوحيد الذي ما زال يملك فرصة للوفاء به... وعده لعمر.
في يوم حفلة المدرسة، وصل قبل الموعد بنصف ساعة.
كان يحمل لعبة صغيرة لابنه وباقة ورد.
دخل إلى ساحة المدرسة، ولمح نادين تقف مع كريم في آخر الصفوف.
لم يقترب منهما، واكتفى بالجلوس بعيدًا.
بعد دقائق بدأ الحفل، وصعد عمر إلى المسرح مع زملائه.
ظل الطفل يبحث بعينيه بين الحضور.
وفجأة لمح والده.
اتسعت ابتسامته، ولوح له بيده بحماس.
رفع سليم يده ولوح له، بينما شعر بدموعه تتجمع من جديد.
بعد انتهاء الحفل، ركض عمر نحوه وقفز في حضنه.
إنت جيت بجد!
ضحك سليم وهو يشدد احتضانه.
قلتلك وعد... وأنا أوفيت.
لاحظت نادين الفرحة في عيني ابنها، فاكتفت بالصمت.
اقترب كريم ومد يده إلى سليم.
مبروك... حافظت على أول وعد.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة.
لكن بينما كانوا يستعدون للمغادرة، ظهر رجل في الخمسينات من عمره، أنيق المظهر، وما إن رآه كريم حتى تغيرت ملامحه.
قال الرجل بحدة
كريم... كنت متأكد إني هلاقيك هنا.
التفت الجميع إليه باستغراب.
أما نادين فبدت عليها علامات القلق.
همس سليم
مين ده؟
رد كريم بصوت منخفض
والدي.
تجمد سليم في مكانه.
اقترب الرجل أكثر، ثم نظر إلى نادين باستياء واضح وقال
أنا قلتلك قبل كده... الجوازة دي مستحيل تتم.
عقدت نادين حاجبيها.
وإحنا قلنا إن القرار قرارنا.
ضرب الرجل الأرض بعصاه وقال بغضب
طول ما أنا عايش، ابني مش هيتجوز مطلقة معاها طفل.
ساد الصمت.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما تقدم كريم خطوة للأمام وقال لأول مرة أمام الجميع
لو كان ده شرطك... يبقى اسمحلي أرفض الشرط وأرفض ثروتك كمان.
شهقت نادين.
أما سليم، فوقف مذهولًا.
لم يكن يتخيل أن الرجل الذي ظنه خطف زوجته السابقة... مستعد أن يخسر ميراثه ومستقبله كله من أجلها.
وفي تلك اللحظة فقط...
بدأ يفهم معنى الحب الذي لم يعرف يومًا كيف يقدمه.
يتبع...الجزء الخامس
ساد صمت ثقيل في فناء المدرسة.
نظر والد كريم إلى ابنه بعدم تصديق، ثم قال بحدة
بتعيد كلامك؟ هتسيب اسم العيلة وشركاتها علشان واحدة مطلقة؟
رد كريم بثبات
مش واحدة مطلقة... دي نادين، الإنسانة اللي احترمت نفسها وربّت ابنها لوحدها. ولو كان احترامها هيخليني أخسر فلوسك، فأنا موافق.
اشتعل وجه الرجل غضبًا.
من النهارده تعتبر نفسك برا العيلة!
ابتسم كريم ابتسامة هادئة.
لو العيلة معناها أسيب الإنسان اللي بحبه وقت ما يحتاجني... يبقى أنا براها من زمان.
كانت نادين تنظر إليه والدموع تلمع في عينيها، لكنها تماسكت.
أما سليم، فكان واقفًا وكأن أحدًا يصفعه على وجهه كلمة بعد الأخرى.
تذكر يوم قالت له نادين وهي تبكي
أنا مش محتاجة دهب... أنا محتاجة راجل يحس بيا.
ويومها سخر منها، وقال إن الحب لا يطعم خبزًا.
أما اليوم، فكان يرى رجلًا مستعدًا أن يترك الملايين من أجلها.
استدار والد كريم وغادر غاضبًا.
بعد رحيله، قالت نادين بصوت مختنق
أنت عملت كده ليه؟
ابتسم كريم.
لأنك تستاهلي حد يختارك قدام الدنيا كلها... مش يختارك في السر.
خفضت نادين رأسها، ثم أمسكت يده لأول مرة أمام الجميع.
في تلك اللحظة شعر سليم أن آخر أمل كان يتمسك به قد انتهى.
اقترب منه عمر وهو يمسك لعبته الجديدة.
بابا... إنت زعلان؟
ابتسم سليم رغم الألم.
لا يا حبيبي.
نظر إليه الطفل ببراءة وقال
كريم بيقول إن حتى لو اتجوز ماما، إنت هتفضل بابايا، وإن محدش يقدر ياخد مكانك.
نظر سليم إلى كريم طويلًا.
ثم اقترب منه ومد يده.
أنا ظلمتك لما اتهمتك.
صافحه كريم وقال
كلنا بنغلط... المهم نتعلم.
أخذ سليم نفسًا عميقًا، ثم التفت إلى نادين.
يمكن أنا اتأخرت أقولها... لكن لازم تعرفي.
سكت لحظة ثم أكمل
أنا آسف... آسف على كل دمعة نزلت منك، وكل مرة كسرت فيها قلبك، وكل مرة حسستك إنك قليلة. أنا مش بطلب ترجعيلي... لأني عارف إن الحق ده ضاع بإيدي. أنا بس بطلب تسامحيني يومًا ما.
امتلأت عينا نادين بالدموع.
وقالت بهدوء
سامحتك من زمان يا سليم... لأن الكراهية كانت هتتعبني أنا قبل ما تتعبك. لكن المسامحة غير الرجوع.
أومأ سليم برأسه.
عارف.
ثم انحنى أمام عمر وقبله من جبينه.
هستناك الجمعة الجاية... هنخرج سوا لو مامتك وافقت.
ابتسم عمر
تم نسخ الرابط