دخل غرفة العمليات وقبل ما يبدأ عملية الولادة اكتشف

لمحة نيوز

يقرأ.
كانت آخر رسالة من ولاء تقول
حتى لو مش عايزني... أرجوك متكرهش ابنك قبل ما يشوف الدنيا.
وقعت الورقة من إيده.
مرت كل السنين، لكنه لما قرأ الرسالة لأول مرة، بكى كما لو أن الطلاق حدث بالأمس.
خرجت ولاء من المطبخ.
شافت الورقة، فعرفتها من أول نظرة.
اقتربت منه، وربتت على كتفه.
قالت بهدوء سيب الماضي مكانه يا ماجد.
رفع رأسه وهو يمسح دموعه.
كل مرة أفتكر إني ظلمتك، أكتشف إن الحقيقة كانت أصعب.
ابتسمت وقالت ولو فضلنا نعيش أسرى للي فات، هنضيع اللي في إيدينا دلوقتي.
في تلك اللحظة، ركض الطفلان إلى أبيهما.
قال الابن وهو يضحك بابا... يلا، وعدتنا هنلعب كورة.
ابتسم ماجد، وطوى الخطاب، ووضعه داخل صندوق خشبي صغير يحتفظ فيه بأهم ذكرياته.
ثم قال النهارده مش هفكر غير فيكم.
خرج مع أولاده إلى الحديقة، بينما وقفت ولاء عند الباب تراقبهم.
كانت تعرف أن بعض الجروح لا تختفي أبدًا، لكنها أيضًا تعرف أن الإنسان يستطيع أن يبني فوقها حياة جديدة إذا تعلم من أخطائه.
وهكذا انتهت الحكاية، لا بنسيان الماضي، بل بالتصالح معه، وبأسرة اختارت أن تجعل المحبة والرحمة أقوى من الألم بعد عشر سنوات...
كان ابنهما، آدم، في الصف الخامس الابتدائي، وأخته ليان في الصف الثالث.
وفي يوم من الأيام، رجع آدم من المدرسة وهو زعلان.
رمي شنطته على الكنبة وقال أنا مش هكلم صاحبي تاني.
سأله ماجد ليه؟
قال آدم سمع كلام الناس عني، ومصدقنيش، من غير حتى ما يسألني.
نظر ماجد إلى ولاء، ثم جلس أمام ابنه وقال
تعرف أكبر غلطة عملتها في حياتي؟
هز آدم رأسه بالنفي.
قال إني صدقت كلام الناس أكتر من الإنسان اللي كنت بحبه، وحكمت عليه من غير ما أسمع منه.
سأل آدم وبعدين؟
ابتسم ماجد بحزن دفعت تمن الغلطة دي سنين من عمري.
قال آدم يعني أروح أتكلم مع صاحبي الأول؟
ربت ماجد على كتفه وقال اسمع منه... يمكن الحقيقة غير اللي سمعته.
ابتسم الولد وجرى يمسك موبايله عشان يكلم صاحبه.
وقفت ولاء عند باب المطبخ، وهي تراقب المشهد.
قالت لماجد عارف؟ يمكن كل اللي حصل زمان كان قاسي... لكنه خلاك تبقى أب بيعلم أولاده الصح.
ابتسم وقال وأنتِ السبب... لأنك رغم كل اللي حصل، علمتِ ولادنا إن التسامح قوة، مش ضعف.
اقتربت منه وهي تضحك بس أوعى تفتكر إني نسيت إنك كنت عنيد.
ضحك الاثنان.
وفي المساء، بينما كانت العائلة كلها تتعشى على مائدة واحدة، نظر ماجد إلى أسرته وقال في نفسه
أحيانًا يمنحك الله فرصة ثانية... ليس لأنك تستحقها، بل لأنك تعلمت من الأولى.
وانتهت الحكاية، لكن بقيت رسالتها
لا تحكم على من تحب قبل أن تسمعه، ولا تجعل كلام الناس يهدم بيتًا كان يمكن أن يعيش عمرًا كاملًا بعد عشرين سنة...
كان آدم واقف في كلية الطب، لابس البالطو الأبيض لأول مرة.
لفّ بعينيه وسط الحضور، لحد ما شاف أبوه وأمه قاعدين في الصف الأول.
ابتسم.
بعد انتهاء الحفل، جري عليهم وحضنهم.
قال وهو بيضحك خير يا دكتور ماجد... بقيت زميلك.
ضحك ماجد وربت على كتفه.
وأوعى تغلط غلطي.
استغرب آدم.
تقصد إيه؟
أخرج ماجد من جيب بدلته ظرفًا قديمًا، لونه اصفر من الزمن.
كان هو نفس الظرف الذي وصله بعد سنوات، وفيه الرسائل التي لم تصله من ولاء.
ناول الظرف لابنه.
قال احتفظ بيه.
فتح آدم أول رسالة، وقرأها بصوت منخفض.
أنا حامل يا ماجد... رد عليا.
رفع عينيه، وكانت الدموع تلمع فيهما.
قال كل ده حصل بسبب سوء فهم؟
هز ماجد رأسه.
لا... حصل بسبب الغرور، وسوء الظن، وإني ما سمعتش للطرف التاني.
في تلك اللحظة، اقتربت فتاة من زملاء آدم.
قالت بخجل دكتور آدم... ممكن أسألك في حاجة خاصة بالمحاضرة؟
ابتسم آدم.
وقبل أن يرد، قال له ماجد وهو يضحك
اسمعها الأول... ومتستعجلش في أي حكم.
ضحك الجميع.
بعدها بأشهر، تخرجت ليان أيضًا، وكانت أول من التقط صورة تجمع الأسرة كلها.
نظر ماجد إلى الصورة بعد أن طُبعت.
تذكر غرفة العمليات...
وتذكر اليوم الذي رفع فيه الستارة، واكتشف أن المريضة هي ولاء.
همس لنفسه
لو اليوم ده ما حصلش... كنت خسرت كل اللي أنا عايش عشانه دلوقتي.
وضعت ولاء يدها في يده وقالت
سرحت في إيه؟
ابتسم وهو ينظر إلى أولادهما.
بشكر ربنا... إنه اداني فرصة أصلح حياتي.
ثم سار الأربعة معًا، يملؤهم شعور بالامتنان، بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، وكأنها تُغلق آخر صفحة في قصة بدأت بالألم، وانتهت بأسرة عرفت أن الحب الحقيقي لا يكتمل إلا بالثقة والرحمة بعد خمس سنوات أخرى...
كان ماجد قد اقترب من سن التقاعد، بينما أصبح آدم طبيب نساء وتوليد مثل والده.
وفي إحدى ليالي الشتاء، رن هاتف آدم وهو في المستشفى.
دكتور آدم، في حالة ولادة طارئة... والدكتور المسؤول لسه موصلش.
أخذ حقيبته وركض إلى غرفة العمليات.
غسل يديه، وارتدى الجاون، ثم وقف أمام المريضة.
وفجأة...
تجمد في مكانه.
المريضة نظرت إليه وقالت وهي تبتسم رغم ألمها
مالك يا دكتور؟
تنفس آدم بعمق، ثم تذكر كلام والده.
ابتسم وقال
ولا حاجة... بس افتكرت إن أهم حاجة في شغلنا إننا ننقذ المريض، مهما كانت الظروف.
أجرى العملية بنجاح، وخرج طفل سليم، ونجت الأم.
عندما عاد إلى البيت في الصباح، كان ماجد يشرب قهوته في الشرفة.
جلس آدم بجواره وقال
فاكر لما قلتلي أوعى تغلط غلطي؟
ابتسم ماجد.
أيوه.
قال آدم
النهارده فهمت قصدك.
حكى له ما حدث، ثم قال
لو كنت سيبت مشاعري تسيطر عليّ، كان ممكن أؤذي ناس ملهاش ذنب.
نظر إليه ماجد بفخر.
أنا مطمن عليك.
في تلك اللحظة خرجت ولاء إلى الشرفة وهي تحمل ألبوم الصور القديم.
فتحته على أول صورة بعد رجوعهما لبعض.
ثم على صورة ولادة ليان.
ثم على صورة تخرج آدم.
ابتسمت وقالت
عارفين؟ أحلى حاجة في حياتنا إننا ما استسلمناش للكراهية.
رد ماجد وهو يمسك يدها
وأحلى قرار أخدته إنك سامحتيني.
ضحكت وقالت
سامحتك... لكن لحد النهارده كل ما نتخانق أفكرك إنك كنت هتضيعنا.
ضحك الثلاثة بصوت عالٍ.
ومن داخل البيت، سُمعت أصوات الأحفاد يركضون وهم ينادون
جدو... تيتة... تعالوا العبوا معانا!
نظر ماجد إلى ولاء، ثم إلى أبنائه وأحفاده، وقال مبتسمًا
دي النهاية اللي كنت بدعي ربنا أشوفها.
وهكذا عاشت الأسرة سنواتها الأخيرة في هدوء، بعدما تحولت أكبر مأساة في حياتهم إلى أعظم درس ورثوه لأبنائهم وأحفادهم لا تسمع نصف الحقيقة، ولا تتخذ قرارًا وأنت غاضب، فبعض القرارات قد تغيّر العمر كله.

تم نسخ الرابط