دخل غرفة العمليات وقبل ما يبدأ عملية الولادة اكتشف

لمحة نيوز

تتكلم معاه غير في وجود حد من عيلتها.
ماجد كان بيروح كل يوم يشوف ابنه، يقف قدام الباب، يستنى لو ولاء تسمحله يدخل.
أوقات كانت توافق، وأوقات كانت ترفض.
وكان يقبل القرار من غير اعتراض.
في يوم، وهو شايل ابنه لأول مرة لوحده، دخل عمه، والد ولاء، وبصله بنظرة كلها عتاب.
قال فاكر يوم ما وقفت قدامي وقلت بنتي عقيم؟
نزل ماجد رأسه.
أنا غلطت.
رد عمه الغلط مش كلمة. الغلط إنك حكمت عليها من غير دليل، وطلقتها من غير ما تسمعها.
سكت ماجد، لأنه ماكانش عنده أي رد.
بعدها بأيام، وصل تقرير التحاليل اللي كانت ولاء عاملاه قبل الطلاق.
ماجد فتح الملف بإيده.
كانت المفاجأة...
كل تحاليل ولاء سليمة.
بل وكان فيه تقرير قديم باسمه هو، من سنة ونص، موضح إن عنده مشكلة بسيطة في الخصوبة، والدكتور كاتب إنها قابلة للعلاج.
اتصدم.
راح يدور على التقرير في ملفاته القديمة، ولقيه فعلًا.
كان استلمه، لكنه وقتها انشغل، وماكملش العلاج، ولما الضغط زاد من كلام الناس، رمى اللوم كله على ولاء.
فضل يبكي وهو ماسك الورقة.
قال لنفسه أنا كنت السبب... وأنا اللي ظلمتها.
في اليوم التالي، راح بيت عمه.
خبط الباب.
فتحت ولاء.
وقف قدامها وقال أنا مش جاي أطلب ترجعيلي... ولا جاي أبرر اللي عملته. أنا جاي أعتذر قدامك وقدام أبوكي وأمك. ولو عمري كله هقضيه أحاول أصلح اللي كسرته، هعمل كده.
ولاء بصتله بهدوء.
وقالت الاعتذار يحترم... لكن الثقة لما بتتكسر، بتاخد وقت طويل جدًا عشان ترجع.
هز رأسه.
هستنى... حتى لو سنين.
ثم مشي من غير ما يضغط عليها.
مرت الشهور...
وماجد بقى أبًا حاضرًا في حياة ابنه، ينفق عليه، ويزوره، ويحترم كل الحدود اللي ولاء حطتها.
ومع الوقت، بدأت الجروح تهدأ.
لكن ولاء كانت عارفة إن الحب ممكن يرجع...
أما الكرامة، فلازم ترجع الأول بعد مرور سنة...
كان عيد ميلاد الطفل الأول.
اتفقت العيلتين يعملوا احتفال بسيط في بيت والد ولاء.
ماجد وصل بدري، ومعاه هدية كبيرة عبارة عن مكتبة صغيرة مليانة كتب أطفال وألعاب تعليمية.
ولاء استغربت.
قالت زمان كنت بتجيب أغلى حاجة وخلاص.
ابتسم لأول مرة من شهور.
اتعلمت إن قيمة الهدية مش في تمنها.
بدأ الضيوف يوصلوا، وكل واحد كان بيلاعب الطفل، اللي بقى ينطق أول كلمة واضحة.
مد إيده ناحية ماجد وقال بابا...
الكلمة نزلت على قلب ماجد كأنها مكافأة بعد سنة كاملة من الندم.
دمعت عينه، وشال ابنه وهو يضمه بحنان.
بعد انتهاء الحفل، طلب والد ولاء من الجميع يسيبوهم لوحدهم في الجنينة.
بص لماجد وقال سنة كاملة وأنت ملتزم، لا رفعت صوتك، ولا ضغطت على بنتي، ولا قصرت مع ابنك.
ثم التفت لولاء.
القرار قرارك... محدش هيجبرك.
سادت لحظة صمت طويلة.
ولاء بصت لماجد وقالت أنا مسامحاك.
ابتسم ماجد، لكن قبل ما يتكلم، كملت
المسامحة غير إننا نرجع لبعض.
اختفت الابتسامة من على وشه، لكنه هز رأسه باحترام.
أنا فاهم.
قالت لو هنبدأ من جديد، يبقى مش هنبدأ كزوجين... هنبدأ كاتنين بيتعرفوا على بعض من أول وجديد. لو لقيت إنك فعلًا اتغيرت، يبقى لكل حادث حديث.
ابتسم وقال وده كفاية بالنسبة لي.
ومن يومها، بدأت بينهما صفحة جديدة، مبنية على الصراحة والاحترام، بعد أن تعلم كل واحد منهما أن الحب وحده لا يكفي، وأن الثقة تُبنى بالأفعال لا بالكلمات.
تمت القصة بعد ستة أشهر أخرى...
كانت علاقة ماجد وولاء اختلفت تمامًا.
بقوا يتقابلوا باستمرار بسبب ابنهما، لكن الكلام بينهما لم يعد مقتصرًا على مواعيد الزيارة أو احتياجات الطفل.
في أحد الأيام، كان ابنهما يلعب في الحديقة، فسأل ماجد بهدوء
ممكن أسألك سؤال؟
هزت ولاء رأسها.
عمرك حبيتي حد بعدي؟
ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت لا... لكني تعلمت أحب نفسي بعدك.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال وأنا أول مرة أفهم إن الحب مش امتلاك، وإن الكلمة الجارحة ممكن تعيش في قلب الإنسان سنين.
في تلك اللحظة ركض الطفل نحوهما، وأمسك بيد أمه ويد أبيه في الوقت نفسه.
ضحك وهو يقول يلا... امشوا.
نظر كل منهما إلى الآخر، ثم مشيا بجانب ابنهما.
لم يكن ذلك يعني أن كل شيء عاد كما كان، بل كان يعني أن الماضي لم يعد يتحكم في مستقبلهما.
وبعد فترة طويلة، قررت ولاء أن تمنح ماجد فرصة جديدة، لكن هذه المرة بشروط واضحة الاحترام، والحوار، وألا يُتخذ أي قرار مصيري تحت تأثير الغضب أو ضغط كلام الناس.
وافق ماجد دون تردد.
وبعد أشهر، عُقد قرانهما من جديد في حفل عائلي بسيط، بعيدًا عن المظاهر.
وقف ماجد أمام الجميع وقال
أنا خسرت أجمل إنسانة بسبب سوء الظن والاستماع للناس أكثر من الاستماع لزوجتي. وربنا أعطاني فرصة ثانية لن أفرط فيها أبدًا.
ابتسمت ولاء، وحملت طفلهما بين ذراعيها، وهي تدرك أن البداية الجديدة لم تمحُ الماضي، لكنها جعلته درسًا لن ينسياه أبدًا.
النهاية بعد ثلاث سنوات...
كان الطفل يجري في فناء البيت وهو يضحك، بينما كانت ولاء تجلس في الشرفة تراقبه.
خرج ماجد من الداخل وهو يحمل كوبين من الشاي.
قال مبتسمًا فاكرة أول مرة شفتك فيها بعد الطلاق؟
ضحكت بخفة أنساها إزاي؟ كنت واقف في العمليات وشك أصفر أكتر مني.
جلس بجوارها، ثم قال كل ما أفتكر اليوم ده، أحمد ربنا إنه اداني فرصة أصلح غلطتي.
وقبل أن ترد، خرج الطفل وهو يصرخ بابا... ماما... بسرعة!
ركضا نحوه.
كان ممسكًا بتحليل حمل وقع من حقيبة أمه.
نظر ماجد إلى ولاء في دهشة.
ابتسمت وهي تهز رأسها.
أيوه... هتبقى أب مرة تانية.
وقف مكانه لثوانٍ، ثم احتضنها وهو يبكي من شدة الفرح.
قال وهو يضحك وسط دموعه المرة دي أنا اللي هتابع الحمل يوم بيوم... ولو حد قال كلمة تضايقك، هيلاقيني قدامه.
ضحكت ولاء وقالت خلاص يا دكتور... متبقاش طبيب ومريض في نفس الوقت.
مرت شهور الحمل بسلام، وكان ماجد هذه المرة زوجًا مختلفًا تمامًا؛ يرافقها في كل كشف، ويطمئن عليها، ولا يدعها تحمل شيئًا ثقيلًا.
وفي يوم الولادة...
رفض أن يكون هو الطبيب الذي يجري العملية.
قال لزميله النهارده أنا زوج وأب... مش دكتور.
وقف خارج غرفة العمليات، يدعو الله كما يفعل كل الآباء.
وبعد دقائق، خرج الطبيب مبتسمًا.
قال مبروك... ربنا رزقكم ببنت جميلة.
دخل ماجد الغرفة، فوجد ولاء تحتضن طفلتهما.
نظر إليها وقال زمان كنت فاكر إن السعادة في اللي ناقصني... لكن اكتشفت إنها كانت قدامي طول الوقت، وأنا اللي ما شفتهاش.
ابتسمت ولاء وهي تناوله الطفلة.
قالت المهم إنك شفتها قبل ما تضيع منك للأبد.
احتضن طفلته، ونظر إلى ابنه الذي كان يقف بجوار السرير مبتسمًا، وشعر أن الله عوضه عن سنوات الندم بأسرة عاد إليها بعد أن تعلم أن الثقة، والرحمة، وحسن الظن... هي التي تحفظ البيوت.
تمت القصة بعدين بخمس سنين...
كبر الولد، وكبرت أخته، وبقى البيت مليان ضحك بعد ما كان مليان وجع.
في صباح يوم جمعة، كان ماجد بيحضّر الفطار، بينما ولاء بتجهز الأولاد.
رن جرس الباب.
فتح ماجد، فاتصدم.
واقف قدامه راجل كبير في السن، هدومه بسيطة، وملامحه مرهقة.
قال أنت الدكتور ماجد؟
أيوه.
مد له ظرف قديم وقال الظرف ده كان عند مراتي الله يرحمها... وكانت شغالة في شركة الاتصالات. قبل ما تموت قالتلي أوصلهولك.
فتح ماجد الظرف باستغراب.
كان فيه تقرير فني قديم.
وتحته خطاب مكتوب بخط اليد
نعتذر... حدث عطل تقني يوم تغيير خط هاتفك، وتسبب في عدم وصول عدد من الرسائل المهمة إليك.
وتحت الخطاب نسخة مطبوعة من الرسائل التي لم تصله وقتها.
أمسك الورق وبدأ
تم نسخ الرابط