إزاي بنتي بتنقي أكل من بالزبالة بقلم شروق خالد

لمحة نيوز

يا هناء... لو وصلتي لهنا، فأنتِ كبيرة بما يكفي تعرفي إن الحقيقة أحيانًا بتكون أعقد من اللي شفناه.
فتحت الدفتر.
في أول صفحة كان اسم شخص لم تسمع به من قبل
محمود السيوفي.
وبجواره عبارة
الرجل الذي أنقذ حياتك وأنتِ طفلة.
قطبت هناء حاجبيها.
أنقذ حياتي؟ إمتى؟
قلبت الصفحة.
وجدت تقريرًا قديمًا من إدارة الفندق.
وفيه مكتوب أن يوم الحفلة، قبل دقائق من لقاء عادل بابنته، كادت هناء تتعرض لحادث في الممر الخلفي عندما فقدت إحدى عربات نقل الطعام السيطرة أثناء نزولها من المنحدر.
لكن عاملًا شابًا اندفع وأبعدها في آخر لحظة، ثم غادر الفندق قبل أن يعرف أحد اسمه.
كان اسمه... محمود السيوفي.
وتذكرت هناء فجأة...
ذكرى بعيدة جدًا، تكاد تكون منسية.
يد قوية رفعتها من الأرض...
وصوت يقول
اجري يا بنتي... بسرعة.
ثم اختفى.
أكملت القراءة.
كتب عادل
بحثت عنه سنوات طويلة لأشكره، لكنه اختفى. وكل ما عرفته أنه ترك القاهرة في نفس الأسبوع، ولم يطلب مقابلًا، ولم يعرف حتى أن الطفلة التي أنقذها هي ابنتي.
وفي آخر المذكرات كتب
لو قدرتي توصلي له أو لعيلته... قولي لهم إن معروفهم غيّر حياة أسرة كاملة.
أغلقت هناء الدفتر وهي تشعر بغصة.
وقالت لنفسها
بعد كل السنين دي... لسه فيه ناس تستحق كلمة شكر.
خرجت من البنك وهي تحمل الصندوق.
ونظرت إلى السماء.
ثم ابتسمت وقالت
يا بابا... يمكن دي آخر مهمة سبتها ليا.
يتبع...بدأت هناء تبحث عن اسم محمود السيوفي.
في البداية ظنت أن الأمر سيكون سهلًا، لكنه لم يكن كذلك.
كل ما وجدته كان عنوانًا قديمًا، وسجلًا يفيد بأنه غادر القاهرة منذ سنوات طويلة.
سافرت إلى البلدة المكتوبة في الأوراق.
طرقت باب بيت متواضع.
فتح لها شاب في الثلاثينيات.
قالت لو سمحت... أنا بدور على الأستاذ محمود السيوفي.
انخفضت ابتسامته.
وقال بهدوء حضرتك متأخرة... والدي توفي من سبع سنين.
شعرت هناء بخيبة أمل.
همست أنا كنت جاية أشكره.
استغرب الشاب.
تشكريه على إيه؟
أخرجت الدفتر ورسالة عادل، وحكت له القصة كلها.
سكت الشاب طويلًا.
ثم دخل الغرفة، وعاد بصورة قديمة.
كانت الصورة لمحمود، وهو يقف بملابس عامل الفندق.
وقال أبويا عمره ما حكى لنا عن الموقف ده... لكنه كان دايمًا يقول اعمل الخير وانساه، يمكن ربنا يخليه سبب في نجاة حد.
دمعت عينا هناء.
قالت هو أنقذ حياتي فعلًا.
ابتسم الشاب.
يبقى دعوته اتحققت.
ثم قال في خجل بصراحة... بعد وفاة أبويا مرينا بظروف صعبة، واضطريت أسيب الجامعة.
نظرت إليه هناء، وتذكرت نفسها قبل عشرات السنين.
ابتسمت وقالت إحنا مش جايين نتصدق عليكم.
استغرب.
فأكملت
إحنا جايين نرد جميل.
وبعد أسابيع، أعلنت مؤسسة هناء عن إنشاء منحة محمود السيوفي، وهي منحة سنوية تُمنح لأبناء العمال البسطاء المتفوقين في دراستهم، تكريمًا لرجل لم يطلب شكرًا، ولم ينتظر مقابلًا.
وفي حفل إطلاق المنحة، قالت هناء
بعض الناس يغيّرون العالم بخطاب أو بثروة... وبعضهم يغيّره في ثانية واحدة، عندما يختارون إنقاذ إنسان لا يعرفونه.
صفق الحضور طويلًا.
وفي الصف الأول، كان ابن محمود يجلس مبتسمًا، وقد عاد إلى الجامعة بفضل المنحة.
وعلى الشاشة خلف هناء ظهرت عبارة واحدة
الخير الذي يُنسى... قد يصنع مستقبلًا لا يُنسى.
وهكذا، امتد أثر ذلك اليوم القديم في الفندق، ليس فقط إلى عائلة عادل، بل إلى أجيال جديدة لم تكن تعرف أن حياتها بدأت تتغير بسبب قرار شجاع اتخذه عامل بسيط في لحظة واحدة بعد عامين...
في صباح هادئ، دخل شاب إلى مقر مؤسسة هناء، يحمل ملفًا قديمًا مهترئًا.
طلب مقابلة الدكتورة هناء بنفسها.
لما دخل مكتبها، قال
أنا اسمي كريم... وحضرتك متعرفنيش، لكن يمكن الملف ده يهمك.
فتح الملف على المكتب.
كانت بداخله صورة قديمة جدًا لفندق جاردن سيتي، ملتقطة يوم عيد ميلاد الحاجة ميرفت.
اتسعت عينا هناء.
دي صورة اليوم اللي بابا لقاني فيه!
هز كريم رأسه.
أيوه... أبويا كان مصور أفراح، والصورة دي فضلت عندنا في الأرشيف سنين.
بدأت هناء تتأمل الصورة.
ثم فجأة لاحظت شيئًا لم تنتبه له طوال حياتها.
في آخر الصورة، بعيدًا عن الزحام، كان هناك رجل يقف بجوار كيس القمامة الذي كانت تقف عنده.
كان ينظر إليها باهتمام، لكنه لم يقترب.
قالت هناء
مين ده؟
أخرج كريم ظرفًا آخر.
فيه ملاحظة كتبها أبويا على ظهر الصورة.
فتحتها وقرأت
بعد ما رجل الأعمال شال البنت، الراجل ده فضل يبكي لوحده، وقال الحمد لله إنها عاشت.
ساد الصمت.
قالت هناء
هو يعرفني؟
رد كريم
معرفش... لكن أبويا كتب إنه ركب أول تاكسي ومشي، وكأنه كان خايف حد يشوفه.
بدأت هناء تشعر أن هناك لغزًا جديدًا.
لكنها أغلقت الملف بهدوء.
ثم ابتسمت وقالت
زمان كنت بجري ورا كل سر.
سألها كريم
مش هتدوري عليه؟
نظرت إلى صورة والدها المعلقة على الحائط.
وقالت
لو الراجل ده كان عايز يعرف نفسه، كان عملها من خمسين سنة.
ثم أضافت بابتسامة هادئة
فيه أسرار ربنا بيخليها أسرار... مش لأنها ناقصة، لكن لأنها مش هتغير النهاية.
وضعت الصورة داخل إطار جديد، وعلقتها في مدخل المؤسسة.
وتحتها كتبت عبارة
ليست كل البطولات معروفة الأسماء.
وكان كل من يدخل المؤسسة يقف أمامها للحظات، ثم يكمل طريقه... دون أن يعرف أن الرجل الواقف في آخر الصورة ظل مجهولًا إلى الأبد، لكنه كان واحدًا من الأشخاص الذين غيّروا مجرى تلك الحكاية. تم.

تم نسخ الرابط