إزاي بنتي بتنقي أكل من بالزبالة بقلم شروق خالد

لمحة نيوز

زارها من أسبوع، ورافضة تقول اسم أي حد من أهلها.
دخلت هناء الغرفة.
السيدة كانت هزيلة جدًا، وشعرها أبيض بالكامل.
أول ما فتحت عينيها، بصت لهناء وقالت بصوت ضعيف
اسمك... هناء؟
استغربت.
أيوه.
ابتسمت السيدة وسط دموعها.
أنا... هالة.
اتجمدت هناء.
حضرتك تعرفي ماما؟
هزت السيدة رأسها بالنفي.
لا... أنا هالة تانية.
ثم مدت يدها المرتعشة وأخرجت صورة قديمة.
الصورة كانت تجمعها مع أم هناء الحقيقية في دار أيتام قبل أكثر من ثلاثين سنة.
قالت
أمك كانت أحن إنسانة قابلتها في حياتي... أنقذتني وأنا صغيرة، وأنا فضلت أدور عليها سنين، لكن معرفتش أوصل لها.
أخذت هناء الصورة، وقررت بعد خروجها من المستشفى أن تعطيها لأمها.
...
في المساء، جلست هالة الحقيقية تتأمل الصورة طويلًا.
ثم ابتسمت لأول مرة وهي ترى نفسها طفلة صغيرة.
قالت
افتكرتها... دي كانت صاحبتي الوحيدة.
ضحكت هناء وقالت
واضح إن الخير اللي عملتيه زمان رجعلك بأشكال كتير.
أومأت هالة برأسها.
الخير عمره ما بيضيع.
وانتهى هذا الفصل من الحكاية، بينما بدأت حكايات جديدة لأشخاص تغيرت حياتهم لأن شخصًا واحدًا، في يوم من الأيام، اختار الرحمة بدل القسوة بعد عدة أشهر...
كانت مؤسسة هناء بتجهز لحملة كبيرة لتوزيع وجبات وشنط مدرسية قبل بداية العام الدراسي.
أصرت هناء تنزل بنفسها.
قال لها عادل وهو بيضحك
إنتِ لسه مصممة تلفي على كل المناطق بنفسك؟
ردت وهي بتلبس الكاب الأبيض
الناس محتاجة تحس إن اللي بيساعدها شايفها، مش مجرد بيبعت فلوس.
وصلوا لإحدى المناطق الشعبية.
وبينما هناء بتوزع الشنط على الأطفال، لاحظت ولدًا صغيرًا واقف بعيد، مستني كل الأطفال يمشوا.
قربت منه.
مش هتاخد شنطتك؟
الولد هز راسه.
فيه ناس أولى مني.
ابتسمت.
وإنت اسمك إيه؟
يوسف.
وبتدرس؟
خفض رأسه وقال
لا... اشتغلت بعد ما بابا اتوفى.
الكلمات دي رجعت هناء سنين لورا.
افتكرت نفسها وهي واقفة قدام كيس الزبالة، وخايفة حد يشوفها.
مسكت إيده وقالت
تعالى معايا.
...
بعد أسبوع، كان يوسف رجع المدرسة، ومصاريفه كلها اتكفلت بيها المؤسسة.
ولما سأله عادل
ليه اهتميتي بالولد ده بالذات؟
ابتسمت وقالت
لأني شفت نفسي فيه.
...
بعد سنوات، تخرج يوسف من كلية الهندسة.
وفي أول احتفال لنجاحه، وقف قدام هناء وقال
حضرتك فاكرة أول يوم شفتيني؟
ضحكت.
أكيد.
أخرج من جيبه صورة قديمة وهو طفل ماسك شنطة المدرسة الجديدة.
وقال
أنا احتفظت بالصورة دي، عشان كل ما أتعب أفتكر إن في حد آمن بيا.
دمعت عينا هناء.
وقالت
دلوقتي دورك أنت تؤمن بغيرك.
هز رأسه.
وعد.
...
وفي مساء هادئ، جلس عادل مع هالة في شرفة البيت.
قال وهو ينظر إلى الأطفال يلعبون في حديقة المؤسسة
زمان كنت فاكر إن الخمسين ألف جنيه اللي كنت ببعتهم هي اللي هتغير حياة بنتي.
ابتسمت هالة.
لكن اللي غير حياتها فعلًا... إنك لما عرفت الحقيقة، ما استسلمتش.
أخذ نفسًا عميقًا وقال
يمكن ربنا سمح لينا نعدي بكل ده... علشان ننقذ ناس تانية.
في تلك اللحظة، خرجت هناء من المبنى وهي محاطة بعشرات الأطفال، يضحكون وينادونها
دكتورة هناء!
نظر إليها عادل مبتسمًا، وقال
دي أغلى ثروة امتلكتها في حياتي.
وهكذا استمرت الحكاية... لا باعتبارها قصة عن الخيانة، بل قصة عن كيف يمكن للحقيقة، مهما تأخرت، أن تغيّر حياة أجيال كاملة بعد عشرين سنة...
وقف عادل بعكازه الخشبي في حديقة مؤسسة هناء، وشعره بقى أبيض بالكامل.
المؤسسة كبرت، وبقى ليها فروع في محافظات كتير.
كان النهارده يوم مختلف.
يوم افتتاح مبنى جديد اسمه بيت البداية، مكان بيستقبل الأمهات والأطفال اللي ملهمش مأوى.
وقفت هناء على المسرح، وقالت قدام الحضور
وأنا عندي تمان سنين، كنت بدور على لقمة عيش في كيس زبالة. النهارده، أتمنى إن محدش من الأطفال اللي قدامي يمر باللي أنا مريت بيه.
ساد تصفيق طويل.
بعد انتهاء الحفل، قرب طفل صغير من هناء.
كان ماسك في إيده رغيف عيش.
قال بخجل
ينفع آخده معايا؟
ابتسمت هناء، ونزلت لمستواه.
طبعًا ينفع.
الولد قال
عشان ماما متعشيتش.
سكتت هناء لحظة.
ثم طلبت من العاملين يجهزوا وجبة كاملة للولد وأمه، وقالت
ومن النهارده، كل أسرة تيجي هنا، هتاخد اللي يكفيها من غير ما تضطر تمد إيدها.
عادل كان واقف بعيد، يراقب المشهد.
همس لنفسه
سبحان الله... نفس الرغيف اللي كان سبب وجعنا، بقى سبب في شفاء ناس كتير.
في تلك اللحظة، أمسكت هالة بيده وقالت
شايف؟
ابتسم.
شايف إن ربنا بيعوض بطريقة عمرنا ما كنا نتخيلها.
وقبل غروب الشمس، اتجمعت الأسرة كلها لالتقاط صورة تذكارية أمام المبنى الجديد.
ضغط المصور على زر الكاميرا.
وتجمدت الصورة...
صورة لعائلة مرت بالخداع والفقد والجوع، لكنها انتهت بالرحمة والعطاء.
وهنا تُسدل الستارة على الحكاية، بعد أن اكتملت رحلة أبطالها ممكن طبعًا، لكن بما إن القصة وصلت لنهايتها أكثر من مرة، فأفضل طريقة للاستمرار هي اعتبار ما يلي فصلًا جديدًا من نفس الحكاية.
بعد ثلاثين سنة...
كان المطر ينزل بهدوء على شوارع القاهرة.
دخلت طبيبة شابة إلى مكتب مديرة مؤسسة هناء.
كانت تحمل ملفًا صغيرًا، وعيناها مليئتان بالحماس.
قالت
حضرتك الدكتورة هناء؟
ابتسمت هناء، وقد بدأ الشيب يظهر في أطراف شعرها.
أيوه، اتفضلي.
وضعت الطبيبة الملف أمامها.
وقالت
أنا اسمي سلمى... ويمكن حضرتك متعرفنيش.
فتحت هناء الملف.
في أول صفحة، كانت صورة لطفلة صغيرة تقف في افتتاح أحد فروع المؤسسة قبل خمسة وعشرين عامًا.
وراءها كانت هناء منحنية لتربط لها رباط الحذاء.
رفعت هناء رأسها وهي تحاول تتذكر.
ابتسمت سلمى وقالت
أنا الطفلة دي.
سكتت هناء.
فاكرة اليوم ده؟
هزت رأسها.
بصراحة... قابلت أطفال كتير.
ضحكت سلمى.
لكن أنا عمري ما نسيت.
أخرجت من حقيبتها ورقة قديمة، لونها اصفر من الزمن.
كانت أول خطاب كتبته وهي في الصف الرابع.
وفي آخره جملة واحدة
لما أكبر... هبقى دكتورة زي الدكتورة هناء.
امتلأت عينا هناء بالدموع.
سألتها
وبقيتي فعلًا دكتورة؟
ابتسمت سلمى.
بفضلك.
ردت هناء وهي تهز رأسها
لا... بفضل تعبك.
قالت سلمى
يمكن... لكن لو حضرتك ما كنتيش موجودة يومها، كنت سيبت المدرسة واشتغلت.
دخل عادل المكتب ببطء، بعدما صار في الثمانين من عمره.
سمع آخر جملة.
فسأل
إيه اللي بيحصل؟
ابتسمت سلمى وقالت
حضرتك متعرفنيش... لكن أنا واحدة من آلاف الأطفال اللي حياتهم اتغيرت بسبب قرار أخدته من سنين.
نظر إليها عادل طويلًا.
ثم ابتسم.
وقال بهدوء
يبقى الرغيف اللي لقيته بنتي في الزبالة... لسه بيأكل ناس لحد النهارده.
ضحك الجميع.
وفي نهاية اليوم، وقفت هناء وحدها في شرفة المؤسسة.
رفعت عينيها للسماء وهمست
الحمد لله... الألم اللي عشناه ما راحش هدر.
وفي الأسفل، كان عشرات الأطفال يجرون ويضحكون...
ولا واحد منهم كان يبحث عن الطعام في كيس قمامة. وهذه كانت النهاية التي حلمت بها هناء منذ أن كانت طفلة الفصل الأخير بعد خمسين سنة
كان اسم مؤسسة هناء قد أصبح معروفًا في كل أنحاء مصر، لكن لم يعد أحد يعرف القصة الكاملة التي بدأت برغيف عيش خرج من كيس قمامة.
في صباح هادئ، كانت هناء، وقد تجاوزت الستين، تجلس على مقعد خشبي في حديقة المؤسسة.
اقترب منها حفيدها الصغير، عمر، وسألها
تيتا... ليه شعار المؤسسة رغيف عيش؟
ابتسمت، وأخذته من يده.
قالت
تعالى أحكيلك حكاية.
جلس بجوارها، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل بين الأشجار.
قالت
من زمان جدًا، كان فيه بنت صغيرة افتكرت إن الدنيا كلها نسيتها. كانت جعانة، وكانت بتفتش في الزبالة على رغيف عيش.
سألها عمر ببراءة
والبنت دي عملت إيه؟
ابتسمت وهي تنظر بعيدًا.
كبرت... وقررت إن مفيش طفل بعد كده يدور على أكل في الزبالة.
لم يعرف عمر أن البنت التي تتحدث عنها هي جدته نفسها.
...
في ذلك المساء، اجتمعت الأسرة كلها حول عادل، الذي أصبح شيخًا كبيرًا.
قال بصوت هادئ
أنا خلاص تعبت.
أمسكت هالة بيده، بينما اقتربت هناء وجلست عند قدميه، كما كانت تفعل وهي طفلة.
ابتسم وهو ينظر إليهما.
وقال
أكبر نعمة في حياتي... إن ربنا اداني فرصة أصلح غلطي قبل ما أموت.
ثم نظر إلى هناء.
سامحيني على السنين اللي ضاعت.
احتضنته وهي تبكي.
وقالت
يا بابا... أنت رجعتلي العمر كله، مش السنين بس.
ابتسم عادل، وأغمض عينيه وهو مطمئن، وأسرته كلها حوله.
...
بعد سنوات، وقف عمر، حفيد هناء، على نفس المنصة التي وقفت عليها جدته يومًا.
قال أمام الحضور
الناس فاكرة إن مؤسسة هناء بدأت بتبرع كبير... لكن الحقيقة إنها بدأت برغيف عيش.
ثم أشار إلى إطار زجاجي معلق في مدخل المؤسسة.
كان بداخله رغيف قديم، يرمز لبداية الحكاية.
وقال
الرغيف ده بيفكرنا إن أحيانًا أصغر موقف يغير حياة أسرة... ويمكن يغير حياة بلد كاملة.
صفق الجميع.
وانتهت الحكاية، لكن أثرها ظل حيًا في كل طفل وجد طعامًا، أو تعليمًا، أو فرصة جديدة للحياة بصراحة، لو فضلنا نكمل بنفس الشخصيات، هنبدأ نكرر نفس الفكرة. الأفضل يكون ده جزءًا ثانيًا يبدأ بحبكة جديدة مرتبطة بالأبطال.
الجزء الثاني الرسالة التي وصلت بعد خمسين عامًا
بعد مرور أشهر على وفاة عادل، كانت هناء ترتب مكتبه القديم، الذي لم يجرؤ أحد على لمسه.
فتحت آخر درج في المكتب، فوجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا، عليه ورقة مكتوب فيها بخط والدها
لا يُفتح إلا بعد رحيلي.
ارتجفت يدها وهي تفتح الصندوق.
وجدت بداخله ساعة والده القديمة، وصورة لها وهي طفلة، ومفتاحًا نحاسيًا غريب الشكل، ورسالة.
بدأت تقرأ
يا هناء... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مش موجود. لكن في سر واحد أخفيته عنك طول عمري، مش خوفًا منك، لكن خوفًا عليكي.
شهقت وهي تكمل القراءة.
أول يوم لقيتك فيه في الفندق، ماكنتيش لوحدك...
اتسعت عيناها.
قلبت الرسالة بسرعة.
كان فيه طفل صغير واقف بعيد، بيراقبك، ولما شافني أخدتك، جري واختفى. بعدها اختفى للأبد.
همست
طفل؟
وفي آخر الرسالة كتب عادل
طول عمري حاولت أوصله، لكن مقدرتش. ولو في يوم عرفتي مين هو... افتحي بالمفتاح ده الخزنة رقم 17 في البنك، هتلاقي فيها الحقيقة كاملة.
أغلقت الرسالة وهي لا تصدق ما قرأته.
في صباح اليوم التالي، وقفت أمام باب الخزنة رقم 17.
أدخلت المفتاح.
صدر صوت تك....
وانفتح الباب ببطء...
لكن ما رأته في الداخل جعلها تتراجع خطوة إلى الخلف، وقد تجمدت ملامحها من شدة الصدمة...
يتبع...انفتح باب الخزنة ببطء.
في الداخل لم تكن هناك سبائك ذهب ولا أكوام أموال كما توقعت هناء.
كان هناك صندوق معدني صغير، وعدة أشرطة فيديو قديمة، ودفتر مذكرات، وظرف أبيض مكتوب عليه
الحقيقة التي لم أستطع إثباتها.
جلست في غرفة البنك وفتحت الظرف.
بدأت تقرأ
تم نسخ الرابط