رواية لحن البراء بقلم شاهنده الجزء الاول (كامل)

لمحة نيوز

في يوم.
رفعت آسيا عينيها إليه نظرة ممتنة ومربكة في آن واحد وشفتاها ترتجفان
أنا... مش مستوعبة اللي حصل كل حاجة حصلت بسرعة كأننا في كابوس.
هز براء رأسه ببطء ثم أمسك يدها برفق وقال
مش كابوس إحنا جوه اختبار كبير ويمكن ربنا اختارك تكوني جنبها في اللحظة دي وتطمنيها بالطريقة ديه عشان اقدر اقرب منك.
نظرت له بتوتر وقالت
أنا خايفة خايفة تخش وما تخرجش.
إوعي تفكري كده ربنا كبير وكل حاجة هتعدي وإحنا مع بعض فاهمة
نظرت إليه طويلا كأنها تتلمس في وجهه بعض الطمأنينة ثم قالت بهمس
أنا متعبة قوي يا براء
أجاب بهدوء وهو يبتسم
عارف وهستحمل وهفضل معاكي ودي البداية مش النهاية.
ثم عاد يشغل السيارة وتحرك بهدوء نحو المستشفى بينما كانت يدها لا تزال في يده كأنها حبل نجاة وسط بحر من الألم
امام المستشفي 
وصلت السيارة أمام المستشفى فتح براء الباب لآسيا التي كانت بالكاد قادرة على الحركة وجهها شاحب ودموعها لم تجف منذ خروجهم سارت بخطى مترددة إلى الداخل حيث كانت الأضواء الباردة تعكس ثقل اللحظة.
كان الطبيب واقفا ملامحه متوترة ونظراته مركزة عليهما وما إن اقتربا منه حتى التقت عيناه بعيني براء فأدرك الأخير أن ما سيقال ليس سهلا.
هز براء رأسه بهدوء كأنه يطلب منه الا يتحدث فقال الطبيب بعد تنهيدة قصيرة
أنا آسف... البقاء لله.
لحظة من الصمت القاتل مرت كأن الهواء اختفى من حولها ثم اتسعت عينا آسيا وزمت شفتيها وهزت رأسها ببطء وكأنها ترفض استقبال المعنى ثم خرج صوتها مخنوقا
إنت بتقول إيه انت بتتكلم عن مين
اقتربت منه خطوة وعيناها تشتعلان بالخوف
إزاي يعني لأ لأ هي قالتلي... قالتلي هستناكي... قالتلي هستني تيجي اشوفك كده قالتلي عايزاكي عروسة لما أخرج إزاي تقول ماتت
أرادت أن تتقدم أكثر لكن براء مد يده نحوها حاول تهدئتها لكنها صرخت بعنف وهي تدفع يده بعيدا
سيبني متلمسنيش إنت سامع هو بيقول إيه
عيناها احمرتا من شدة البكاء ووجهها احمر من الانفعال وهي تصرخ
كذاب مش ممكن مش ممكن ماما ما ماتتش ماما قالتلي هستناكي
أرادت أن تجري ناحية باب العمليات فركضت لكن براء أمسكها من ذراعها فصرخت بأعلى صوتها
سيبنييييي سيبني أشوفهااااا أنا لازم أشوفها
بدأت تضرب صدره بيديها تدفعه بجنون جسدها يرتجف من الصدمة وصرخاتها كانت تمزق السكون من حولهم
ابعد متوقفنيش إنت مش فاهم أنا لبست الفستان عشانهااا أنا سمعت كلامهاااا إزاي تعمل كده وتمشي
تجاوزته وهي تهذي بكلمات غير مفهومة تبكي وتصرخ وتنهار لكن قبل أن تخطو بعيدا لحق بها براء ضمها من الخلف بقوة أحكم ذراعيه حولها كمن يضم شظايا إنسان يتفتت
آسيا... كفاية... كفاية يا حبيبتي...
صرخت من صدرها صوتها كان مخيفا متألم حادا كالسكاكين
سيبنييي سيبني أروحلها حراااام عليكم هي اكيد مسابتنيش كانت بتكلمني من شوية ليييييييه
بدأ جسدها يهتز في حضنه قدماها فقدتا الثبات وجهها مغسول بالبكاء وصوتها يصعد في السماء
ياااااااارب يا رب خدتوا ضهري خدتوا قلبييي يا ماماااااااا
انهارت على الأرض سقطت كأن روحها سحبت دفعة واحدة وبراء لم يتركها جلس خلفها وهو يعانقها وهو يحتضنها بقوة رأسه منحني ودموعه تنزل بحرارة على كتفها
أنا معاكي...والله معاكي يا آسيا...مش هسيبك أبدا... حتى لو الدنيا كلها راحت...
كانت تهتز بين ذراعيه تصرخ كمن ينتزع قلبه وفستانها الأبيض الذي كان رمزا للفرح غمرته دموع لا تنتهي وصراخ يدوي في قلب المستشفى كله
يتبع...........
رايكم
لحن_البراء
Shahnda
3
لحن_البراء
مرت ساعتان أصبح الهواء داخل الثلاجة أشد برودة كأن الصقيع قد تغلغل في العظام كانت آسيا تضم جسدها النحيل وتحاول عبثا أن تجد بعض الدفء في ذراعيها الصغيرتين ارتجف جسدها من شدة البرد وأسنانها بدأت تصطك بصوت خافت.
نظرت إلى والدتها الممددة بجانبها بصمت مريب ترددت لوهلة ثم اقتربت ببطء نحوها كأن شيئا في داخلها كان يخبرها أن هناك خطبا ما.
مدت يدها الصغيرة نحو وجهها ولما لمستها شهقت.
ماما... إيدك ساقعة قوي همست بصوت مرتعش وسحبت يدها سريعا.
ترددت لوهلة أخرى ثم دفنت وجهها في صدر أمها وهمست
أنا بردانة يا ماما خديني في حضنك زي ما بتعملي
لكن لا حضن جاء ولا دفء عاد جسد أمها ظل صامتا متجمدا.
رفعت آسيا رأسها ببطء تنظر إلى ملامح وجهها الجامدة.
ماما... قومي بقى... ما تسيبينيش لوحدي...
لامست خدها البارد بظهر يدها وانفجرت باكية دموعها تسيل بحرارة فوق وجهها المتجمد.
ما تموتيش يا ماما ما تموتيش.
ظلت اسيا تبكي
في جدران الثلاجة الضيقة لا أحد يسمعها لا أحد يجيب.
الدموع سالت على خديها المتجمدين والبرد بدأ يتغلغل أعمق حتى أنها لم تعد تشعر بأطرافها.
أنا مش عايزة أموت يا ماما. قالتها وهمست بعدها بخوف
بس لو هموت هموت جنبك...
أغمضت عينيها الصغيرة وضمت جسد أمها بقوة رغم الصقيع كانت تحاول ان تسرق آخر ذرة دفء آخر لمسة حنان.
بدأت عيناها ترفان بالنعاس نعم كانت على وشك الاستسلام.
لكن فجأة
فتح باب الثلاجة بقوة واندفع ضوء أبيض بارد إلى الداخل كانت آسيا لا تزال تحتضن جسد أمها المثلج جفونها نصف مغلقة وشفاهها زرقاء.
صوت خطوات اقترب ثم يدان سحبتاها بهدوء
براء كان هو من دخل انحنى نحوها لم يجرؤ أن ينظر لجسد والدتها فقط ركز على آسيا.
آسيا فوقي أنا خلصت كل حاجة كل حاجة صوته مهزوز لكنه كان يائسا
فتحت عينيها ببطء نظرت له كأنها لا تصدق كأنها لم تعد قادرة على التمييز بين الحلم والحقيقة.
ماما. همست بها بصوت مكسور ثم رفعت يدها المرتجفة وأشارت إلى الثلاجة كانت بردانة كنت بدفيها بس مدفيتش.
عيناه امتلأتا بالدموع اقترب منها أكثر مد ذراعيه.
آسيا تعالي لازم نخرج من هنا.
هزت رأسها ببطء ثم نهضت بصعوبة لكنها لم تخط سوى خطوة واحدة فجأة ترنحت وانهارت.
كان براء سريعا أمسك بها قبل أن تصطدم بالأرض.
نظرت له بعينين مغمورتين بالحزن وهمست
بردانة قوي بس مش زي ماما هي بردها مبتدفاش
لم يستطع الرد فقط ضمها بقوة وأجهش بالبكاء
وكان المشهد كله صامتا إلا من صوت بكاء براء وصدى الفقد في صدر آسيا.
ارتجفت شفاه آسيا وهي تهمس بصوت بالكاد يسمع
متسيبينيش
ولم تنتظر ردا فقط أغلقت عينيها ببطء وكأنها سلمت روحها للحزن أو للراحة المؤقتة من كل ما مرت به.
جسدها ارتخى تماما بين ذراعي براء وأنفاسها أصبحت خفيفة بالكاد تسمع.
نظر إليها براء بعينين مذعورتين وهتف
آسيا آسيا لأ فوقي
صوت خطواته تردد في الممر وهو يخرج بها من غرفة الثلاجات والبرد خلفه والفقد خلفها.
وجهه مشدود عيناه تدمعان وقلبه يرتجف بكل خطوة
وكل ما كان يهمسه لنفسه هو
استحملي بس استحملي أنا هخلص كل حاجة بس محتاجك قوية
وكانت آسيا بين ذراعيه ساكنة ضعيفة لكنها ما زالت حية.
خرج براء من مبنى المشرحة يحمل آسيا بين ذراعيه ووجهه ممتقع كأن الحياة انسحبت منه.
كان الهواء الخارجي باردا لكنه لم يشعر بشيء سوى ثقلها بين يديه وثقل الفقد في صدره.
لما رأته إحدى الممرضات هرعت إليه بسرعة وقالت بقلق
هي
تم نسخ الرابط