شدّ زوج ابنتها من شعرها حكايات ميرا

لمحة نيوز

بابتسامة
كنت فاكرة زمان إن أقصى أحلامي إني أعيش من غير خوف... لكن ربنا كرمني بحاجة أكبر بكتير. كرمني إني أشوف غيري بيعيش من غير خوف.
ساد التصفيق.
وفي آخر الصفوف، كانت منى تجلس على كرسي متحرك بعد أن أثقلها العمر.
لكن عينيها كانتا تلمعان بالفخر نفسه الذي لمع فيهما يوم وقفت تدافع عن ابنتها في المطعم.
بعد انتهاء الحفل، اقتربت منى من ندى وأخرجت من حقيبتها هاتفًا قديمًا.
قالت وهي تبتسم
فاكرة التليفون ده؟
أخذته ندى بين يديها.
كان الهاتف نفسه الذي أجرت منه والدتها اتصال النجدة قبل سنوات طويلة.
ضحكت وهي تقول
ده غيّر حياتي.
هزّت منى رأسها وقالت
لا... اللي غيّر حياتك هو إنك قررتِ متسكتيش.
بعد أسابيع قليلة، رحلت منى عن الدنيا بهدوء، بعد عمر طويل.
وفي وصيتها، طلبت أمرًا واحدًا فقط
لا تعملوا لي تمثالًا... ولا تسمّوا مبنى باسمي. لو عايزين تفتكروني، ساعدوا واحدة مظلومة تقف على رجليها.
نفذت ندى الوصية كما هي.
وفي كل عام، كان المركز يخصص يومًا مجانيًا كاملًا لتقديم الدعم القانوني والنفسي لكل من تحتاج إليه، ويحمل ذلك اليوم اسم يوم منى.
كانت ندى تقف كل عام عند باب المركز، تستقبل النساء بنفس الكلمات التي قالتها لها أمها ذات يوم
أنتِ مش لوحدك.
وهكذا بقي أثر منى حيًا، لا في حجرٍ أو لوحة، بل في كل امرأة استعادت كرامتها، وفي كل طفل نشأ في بيتٍ خالٍ من الخوف.
النهاية الفصل الثالث عشر بعد الرحيل
مرّت ثلاث سنوات على وفاة منى.
وفي كل مرة كانت ندى تدخل المركز، كانت تنظر تلقائيًا إلى الكرسي الخشبي القريب من النافذة.
الكرسي الذي كانت والدتها تجلس عليه كل صباح، تحتسي كوب الشاي، وتبتسم لكل امرأة تدخل المكان.
لم يجرؤ أحد على الجلوس عليه منذ رحيلها.
وفي صباح أحد الأيام، دخلت طفلة لا يتجاوز عمرها تسع سنوات، تمسك بيد والدتها.
كانت الأم قد جاءت تطلب استشارة قانونية، بينما جلست الصغيرة في غرفة الانتظار.
نظرت الطفلة إلى الكرسي الخشبي، ثم جلست عليه دون أن تعرف حكايته.
ابتسمت ندى عندما رأتها.
لم تغضب.
بل شعرت بشيء دافئ في قلبها.
اقتربت منها وسألتها
اسمك إيه يا حبيبتي؟
قالت الطفلة بابتسامة واسعة
منى.
توقفت ندى لثوانٍ.
ثم ابتسمت هي الأخرى.
شعرت وكأن الحياة تهمس لها بأن الذكريات الجميلة لا تموت، بل تجد دائمًا طريقًا جديدًا لتستمر.
بعد انتهاء استشارة الأم، همّت بالمغادرة، لكن الطفلة عادت راكضة إلى ندى.
أخرجت من حقيبتها رسمة صغيرة، كانت قد رسمتها أثناء انتظار والدتها.
في الرسمة بيت صغير، وشمس مشرقة، وامرأتان تمسكان بيد طفلة.
وفي أعلى الورقة كتبت بخط طفولي
البيت اللي مفيهوش خوف... أحلى بيت.
لم تتمالك ندى دموعها.
احتضنت الطفلة، ثم علّقت الرسمة داخل مكتبها، في المكان الذي كان يعلّق فيه الجميع الشهادات والدروع.
وعندما سألها أحد الموظفين بعد أيام
ليه علقتِ رسمة أطفال وسط كل الجوائز دي؟
ابتسمت وقالت
لأن كل الجوائز دي بتقول إننا نجحنا... لكن الرسمة دي بتقول ليه بدأنا من الأساس.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت كل طفلة تدخل المركز تنظر إلى تلك الرسمة، فتبتسم... دون أن تعرف أن وراءها حكاية بدأت في مطعم، عندما رفضت أم أن ترى ابنتها تُهان وتصمت.
تمت الفصل الرابع عشر الرسمة التي صنعت فرقًا
مرّت أشهر، وأصبحت الرسمة الصغيرة المعلقة على جدار مكتب ندى أكثر ما يلفت انتباه الزائرات.
كانت كل امرأة تسأل عنها.
فتجيبها ندى بابتسامة
دي أغلى حاجة في المكتب كله.
وفي أحد الأيام، دخل رجل في أواخر الثلاثينيات برفقة ابنته.
وقف عند الباب مترددًا، ثم قال
أنا مش جاي أشتكي... أنا جاي أشكر.
تعجبت ندى.
لم تتذكر أنها رأته من قبل.
أخرج الرجل صورة قديمة من محفظته.
كانت صورة لوالدته.
وقال
أمي جات هنا من خمس عشرة سنة بعد ما خرجت من زواج مليان عنف. حضرتك ساعدتوها تبدأ من جديد. أنا وقتها كنت طفل، لكن عمري ما نسيت إنها كانت كل يوم تدعيلك.
سكت لحظة، ثم أمسك بيد ابنته.
النهارده أنا أبو بنت... وكل يوم بفكر في كلام أمي. عمري ما هسمح إن بنتي تكبر وهي شايفة الإهانة حاجة عادية.
ابتسمت ندى، ونظرت إلى الطفلة.
سألتها
نفسك تطلعي إيه لما تكبري؟
أجابت الصغيرة بحماس
عايزة أبقى قاضية... عشان أوقف الناس الوحشين.
ضحك الجميع.
لكن ندى شعرت بقشعريرة.
تذكرت نفسها قبل سنوات طويلة، حين كانت تظن أن لا أحد يستطيع إنقاذها.
انحنت نحو الطفلة وقالت
وأنا متأكدة إنك هتبقي قاضية شاطرة... لأن أول حاجة في العدل، إننا نسمع للمظلوم.
غادر الرجل وابنته، لكن كلماتهما بقيت تتردد في ذهنها.
في المساء، وقفت ندى وحدها في بهو المركز.
رفعت بصرها إلى صورة والدتها المعلقة عند المدخل، وهمست
يا أمي... كنتِ فاكرة إنك أنقذتِ بنتك بس.
ابتسمت والدموع في عينيها.
لكن الحقيقة... إنك أنقذتِ أجيالًا كاملة، من غير ما تعرفي.
وأطفأت أنوار المركز، بينما ظل الضوء المنبعث من اللافتة الخارجية يضيء الاسم الذي أصبح رمزًا للأمان...
بداية.

تم نسخ الرابط